١ - قَسَمُ اللَّه تعالى بالليل وغشيانه، وبالنهار وضيائه، وبالجنسين الذكر والأنثى، أنَّ سَعْيَ العباد شتى.
٢ - الثناء على الأتقياء المؤمنين المنفقين في وجوه الخير والوعد لهم بجنات النعيم، والتقريع على المنافقين المكذبين الذين يبخلون والوعيد لهم بصلي الجحيم.
٣ - العون من اللَّه تعالى لطالب الهدى واليقين، وكل ما في هذا الكون ملك للَّه العظيم.
٤ - النار مستقر أهل الشقاء الذين استحقوا العقاب، والنجاة لأهل السعادة الذين استحقوا الثواب.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
١ - ١١. قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤) فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠) وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (١١)﴾.
في هذه الآيات: يقسم اللَّه تعالى بالليل إذا غشي الخليقة بظلامه، وبالنهار إذا ظهر بضيائه وإشراقه، وبالجنسين الذكر والأنثى من خلقه، أنّ سعيكم أيها الناس مختلف في مآله ومصيره، فمنه عمل للجنة، ومنه عمل للنار، فساعٍ في فكاك نفسه، وساع
[ ٨ / ٤٦٩ ]
في عطبها. فأما من بذل ماله في وجوه الخير واتقى محارم اللَّه التي نهى عنها، وصدق بموعود اللَّه بالثواب والجنة فسييسره اللَّه للخصلة اليسرى: العمل بطاعة اللَّه والإنفاق في سبيله حتى بلوغ الجنة. وأما من بخل بالبذل والفضل واستغنى عن ربه، وكذب بموعوده، فسييسره اللَّه للخصلة العسرى، حتى تتعسر عليه أسباب الخير والصلاح، ويضعف عن فعلها، فيؤديه ذلك إلى النار.
فقوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾. قَسَم من اللَّه بالليل إذا وارى كل شيء بظلامه. قال القاسمي: (أي يغشى الشمس أو النهار بظلمته، فيذهب بِذَاكَ الضياء).
وقوله تعالى: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾. قَسَمٌ من اللَّه بالنهار إذا انكشف ووضح وظهر، وبان بضوئه عن ظلمة الليل. قال ابن كثير: (﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾، أي: بضيائه وإشراقه).
وقوله: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾. فيه تأويلان ممكنان:
التأويل الأول: قَسَمٌ من اللَّه ﷿ بنفسه. قال الحسن: (معناه والذي خلق الذكر والأنثى).
التأويل الثاني: قَسَمٌ من اللَّه تعالى بخلقه لجنسي الذكر والأنثى من بني آدم وغيرهم. فتكون "ما" مصدرية كما سبق.
أخرج البخاري في صحيحه عن إبراهيم، عن عَلْقَمةَ قال: [دَخَلْتُ في نَفَرٍ مِنْ أصحابِ عبد اللَّه الشَّامَ فَسَمِعَ بنا أبو الدَّرْدَاء فأتانا فقال: أفيكم مَنْ يَقْرَأُ؟ فقُلنا: نعم. قال: فأَيُّكم أقْرأ؟ فاشاروا إليَّ، فقال: اقْرَأ، فقرأت ﴿والليل إذا يغشى. والنهار إذا تجلى. والذكر والأنثى﴾ قال: آنْتَ سَمِعْتَها مِنْ في صاحِبِكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قال: وأنا سَمِعْتُها مِنْ في النبي -ﷺ-، وهؤلاء يَأَبُوْن علينا] (١).
وأخرج البخاري ومسلم عن الأعمش عن إبراهيم قال: [قَدِمَ أصحابُ عبدِ اللَّه على أبي الدرداء فَطَلَبَهُم فَوَجَدهم فقال: أَيُّكُمْ يَقْرَأُ على عَبْدِ اللَّه قال: كُلُّنا، قال: فأيُّكم يَحْفَظُ؟ وأشاروا إلى عَلْقَمَةَ، قال: كيف سَمِعْتَهُ يَقْرَأُ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾؟ قال علقمة: ﴿والذكر والأنثى﴾ قال: أشهد أنّي سمِعْتُ النبي -ﷺ- يقرأُ هكذا، وهؤلاء يريدونني على أن أقرأ: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ واللَّه لا أُتَابِعُهُم] (٢).
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٩٤٣) - كتاب التفسير - سورة الليل - آية (٢).
(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٩٤٤) - كتاب التفسير -، ومسلم (٨٢٤) ح (٢٨٢). وانظر صحيح سنن الترمذي -حديث رقم- (٢٣٤٢).
[ ٨ / ٤٧٠ ]
ورواه الترمذي وقال: (وهكذا قراءة عبد اللَّه بن مسعود ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ والذكر والأنثى).
قلت: وهذه قراءة شاذة، والقراءة المتواترة: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾. جواب القسم. والمعنى: إن عملكم لمختلف. أي: كما اختلفت هذه الأشياء المُقْسَم بها اختلف ما وقع عليه القسم. قال عكرمة: (السعي: العمل، فَسَاع في فَكاك نفسه، وساعٍ في عَطبها).
قال القرطبي: (و"شَتّى": واحده شتيت، مثل مريض ومرضى. وإنما قيل للمختلف شتى لتباعد ما بين بعضه وبعضه. أي إنَّ عملكم لمتباعد بعضه من بعض، لأن بعضه ضلالة وبعضه هدى. أي فمنكم مؤمن وبرّ، وكافر وفاجر، ومطيع وعاصٍ. وقيل: ﴿لَشَتَّى﴾ أي لمختلف الجزاء، فمنكم مثاب بالجنة، ومعاقب بالنار. وقيل: أي لمختلف الأخلاق، فمنكم راحم وقاس، وحليم وطائش، وجواد وبخيل، وشبه ذلك).
وفي صحيح مسلم من حديث أبي مالك الأشعري مرفوعًا: [كُلُّ الناس يَغْدو، فبايعٌ نَفْسَهُ، فمعتِقُها أَوْ مُوبِقُها] (١).
وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾. قال ابن عباس: (أعطى ما عنده واتقى. قال اتقى ربه). وقال قتادة: (﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ حق اللَّه ﴿وَاتَّقَى﴾ محارم اللَّه التي نهى عنها).
وقوله تعالى: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾. قال ابن عباس: (وصدق بالخَلَفِ من اللَّه). وقال عكرمة: (﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ قال: بأن اللَّه سيخلف له). وقال الضحاك: (﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾: بلا إله إلا اللَّه). وقال مجاهد: (﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ قال: بالجنة). وقال قتادة: (﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ قال: بموعود اللَّه على نفسه، فعمل بذلك الموعود الذي وعده اللَّه). قلت: وجميع ما سبق من التأويل متقارب يكمل بعضه بعضًا.
وقوله تعالى: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾. قال ابن عباس: (يعني للخير). وقال زيد بن أسلم: (يعني للجنة). قال ابن جرير: (يقول: فسنهيئه للخَلَّةِ اليسرى، وهي العمل بما يرضاه اللَّه منه في الدنيا، ليوجب له به في الآخرة الجنة).
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٢٣) - كتاب الطهارة، باب فضل الوضوء. وقد مضى.
[ ٨ / ٤٧١ ]
وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾. قال ابن عباس: (بخل بما عنده، واستغنى في نفسه). وقال أيضًا: (وأما من بخل بالفضل، واستغنى عن ربه).
وقال كذلك: (يقول: من أغناه اللَّه، فبخل بالزكاة). وقال قتادة: (وأما من بخل بحق اللَّه عليه، واستغنى في نفسه عن ربه).
وقوله تعالى: ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾. قال ابن عباس: (وكذب بالخَلَفِ من اللَّه). وقال قتادة: (وكذّب بموعود اللَّه الذي وعد). وقال الضحاك: (﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾ بلا إله إلا اللَّه). وقال مجاهد: (﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾ قال: بالجنة).
وقوله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾. أي لطريق الشر، وللضياع والخذلان، وطريق صِليّ النيران.
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠)﴾ [الأنعام: ١١٠].
٢ - وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٥)﴾ [الصف: ٥].
٣ - وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾ [غافر: ٣٤].
وفي صحيح السنة العطرة في آفاق هذه الآيات أحاديث:
الحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن عَليّ ﵁ قال: [كُنّا مع النبي -ﷺ- في بقيع الغَرْقَدِ في جنازةٍ، فقال: "ما مِنكم مِنْ أَحَدٍ إلا وقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ الجنة ومَقْعَدُه من النار". فقالوا: يا رسول اللَّه، أفلا نَتَّكِلُ؟ فقال: "اعْمَلوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ"، ثُمَّ قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ إلى قوله: ﴿لِلْعُسْرَى﴾] (١).
الحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم وأهل السنن عن عليٍّ ﵁ قال: [كُنَّا في جَنَازَةٍ في بقيع الغَرقَدِ، فأتانا رسول اللَّه -ﷺ-، فَقَعَدَ وَقَعَدْنا حوْلَهُ ومَعَهُ مِخْصَرَةٌ، فَنَكَّسَ فجَعَلَ يَنْكُتُ بِمِخْصَرَتِهِ. ثُمَّ قال: "ما منكم مِنْ أَحَدٍ، وما مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةِ إلا كُتِبَ مكانُها مِنَ الجنة والنَّار، وإلا قَدْ كُتِبَتْ شَقِيَّةً أو سعيدةً". قال رجل: يا رسول اللَّه، أَفَلَا نَتَّكِلُ على كتابِنا ونَدَعُ العملَ؟ فَمَنْ كانَ مِنّا مِنْ أهل السعادة فسيصيرُ
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٤٩٤٥) - كتاب التفسير - سورة الليل - آية (٥).
[ ٨ / ٤٧٢ ]
إلى أهْلِ السعادة، ومَنْ كانَ مِنّا مِنْ أهل الشَّقاءِ فسيصير إلى عَمَلِ أهل الشقاوة. قال: "أمّا أهْلُ السَّعادَة فَيُيَسَّرُون لِعَمَلِ أهل السَّعادة، وأمّا أَهْلُ الشَّقاوة فَيُيَسَّرون لِعَمَلِ أهل الشّقاء". ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ الآية] (١).
الحديث الثالث: أخرج مسلم في الصحيح، وابن جرير في التفسير، عن جابر قال: [جاءَ سُراقةُ بنُ مالك بن جُعْشُم قال: يا رسول اللَّه! بَيِّنْ لنا دينَنا كأنّا خُلِقْنا الآن، فيمَ العملُ اليوم؟ أفيما جَفَّتْ به الأقلامُ وجَرَتْ به المقاديرُ، أمْ فيما نَسْتَقْبِلُ؟ قال: "لا، بلْ فيما جَفَّتْ به الأقلامُ وجَرَتْ به المقاديرُ" قال: ففيم العَمَلُ؟ فقال: "اعملوا فكلٌّ مُيَسَّرٌ"] (٢).
وفي رواية: [كل عامل مُيَسَّرٌ لِعَمَلِهِ].
وقوله تعالى: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾. قال مجاهد: (أي: إذا مات). وقال زيد بن أسلم؟ (إذا تردى في النار). والمعنى: وأيّ شيء يدفع مال هذا الذي بخل بماله واستغنى عن ربه إذا هو قضى، ثم سقط في جهنم وهوى، إنه لا ينفعه ماله يومئذ شيئًا.
١٢ - ٢١. قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (١٢) وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى (١٣) فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (١٤) لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (١٨) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضَى (٢١)﴾.
في هذه الآيات: طالب الهدى يلقى العون من اللَّه الكريم، فجميع ما في الدنيا والآخرة ملك للَّه العظيم، وهذه النار مستقر أهل الشقاء الذين استحقوا العقاب، وسيجنبها أهل السعادة الذين استحقوا أحسن الثواب.
فقوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾. قال قتادة: (يقول: على اللَّه البيان، بيان حلاله
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٩٤٨) - كتاب التفسير. وأخرجه مسلم (٦٤٧) ح (٦)، وأخرجه أبو داود في السنن (٤٦٩٤)، والترمذي في الجامع (٢١٣٦)، و(٣٣٤٤)، والنسائي في "التفسير" (٦٩٨)، وأخرجه ابن ماجة في السنن (٧٨).
(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٦٤٨) - كتاب القدر، وأخرجه الطبري (٣٧٤٧٨).
[ ٨ / ٤٧٣ ]
وحرامه، وطاعته ومعصيته). وقال الفراء: (من سلك الهدى فعلى اللَّه سبيله، يقول: من أراد اللَّهَ فاللَّهُ على الطريق، من أراده اهتدى إليه). والمقصود: على اللَّه بيان الحلال والحرام، ومن سلك طريق الهدى وصل إلى الرحمان، كما قال جلت عظمته: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ [النحل: ٩].
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى﴾. أي: لنا كل ما في الآخرة وكلّ ما في الدنيا، نتصرف به كيف نشاء. فالجميع ملك له ﷾.
وقوله تعالى: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾. أي: تتوقد وتتوهج. قال مجاهد: (توهَّج). قال القرطبي: (﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ﴾ أي حذرتكم وخوّفتكم. ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾ أي تَلَهَّب وتتوقد. وأصله تتلظى).
وفي مسند الإمام أحمد على شرط مسلم، عن سماك بن حرب قال: [سمعت النعمان بن بشير يخطبُ يقول: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يخطبُ يقول: "أَنْذَرْتُكُم النار، أنْذَرتُكُم النار، أَنْذَرْتُكُم النار" حتى لو أن رجلًا كان بالسوق لسَمِعَه من مقامي هذا، قال: حتى وقعت خَميصة كانت على عاتقه عند رِجليه] (١).
وقوله تعالى: ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى﴾. قال ابن كثير: (أي: لا يدخُلها دخولًا تُحيط به من جميع جوانبه إلا الأشقى). والمقصود: هو الكافر الشقي الذي يجد صَلاها، وهو حرّها ولهيبُها، ويخلد فيها.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾. أي: كذب بالحق بقلبه، وأعرض عن العمل بجوارحه. وقال النسفي: (إلا الكافرُ الذي كذب الرسل وأعرض عن الإيمان).
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [كُلُّ أمتي يدخُل الجنة يوم القيامة إلا مَنْ أبى. قالوا: ومَنْ يأبى يا رسول اللَّه؟ ! قال: من أطاعني دخَل الجنة، ومن عصاني فقد أبى] (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى﴾. قال ابن جرير: (يقول: وسَيُوَقَّى صِلِيّ النار التي تلظّى التقيّ).
وقوله تعالى: ﴿الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾. يتزكى: أي يتطهر بهذا الإنفاق من الذنوب.
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٤/ ٢٧٢)، وإسناده على شرط مسلم.
(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٧٢٨٠)، وأحمد في المسند (٢/ ٣٦١).
[ ٨ / ٤٧٤ ]
قال القاسمي: (أي ينفق ماله في سبيل الخير، يتزكى عن رجس البخل ودانس الإمساك).
وقوله تعالى: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾. أي: إنه لا يتصدّق بماله ليجازي بصدقته نعمةً لأحد من الناس عنده ويكافئه عليها.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾. قال قتادة: (يقول: ليس به مثابة الناس ولا مجازاتهم، إنما عطيته للَّه).
وقوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾. أي: وتاللَّه لسوف يرضى هذا المؤتي ماله في حقوق اللَّه ﷿ يتزكى بذلك، إذا لقي ربه ﵎، مما يلقى من رفيع الكرامة وعظيم الجزاء وروعة الاستقبال.
قلت: والجمهور على أن هذه الآيات نزلت في أبي بكر ﵁، وهذا حق تدل عليه الآثار والنصوص العطرة، وإن كانت الآيات بعمومها تشمل كل مماثل بالبذل والصدق والجهاد.
لقد كان أبو بكر بحقٍ فارس البذل في سبيل اللَّه لاستنقاذ المؤمنين الأوائل من التعذيب والاضطهاد، فلقد اشترى بلالًا فأعتقه كما يروي البخاري. وروى ابن أبي شيبة عن قيس بن أبي حازم قال: (اشترى أبو بكر بلالًا بخمس أواق وهو مدفون بالحجارة. قالوا: لو أبيت إلا أوقية لبعنا، فقال لو أبيتم إلا مئة أوقية لأخذته) وهو مرسل صحيح (١).
ويذكر إمام أهل المغازي عروة بن الزبير فيقول: (أعتق أبو بكر ﵁ ممّن يعذَّبُ في اللَّه سبعة: عامِرُ بن فُهيرة، وبلال، ونُذيرة، وأم عُبيس، والنَّهدية، وأختها، وجارية بني عمرو بن مؤمل) (٢).
ثم ذكر عروة: (أنّ أبا بكر مَرَّ بالنّهدية ومولاتها تعذبها تقول: واللَّه لا أُعْتِقُك حتى تعتقك حياتُك. فقال أبو بكر: فبكم؟ قالت: بكذا وكذا، فقال: قد أخذتها وأعتقتها) (٣).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (١٤/ ٣١٢)، بإسناد صحيح.
(٢) انظر مصنف ابن أبي شيبة (١٢/ ١٠) بسند مرسل صحيح. فهو صحيح الإسناد لعروة، والذي كان يأخذ غالبًا هذه الأخبار من خالته عائشة، فمراسيله في السيرة قوية.
(٣) أورده ابن إسحاق في "السير والمغازي" (١٩١) من مرسل عروة. وانظر تفصيل البحث في كتابي: السيرة النبوية على منهج الوحيين (بحث ١٣) (١/ ٢٢٠).
[ ٨ / ٤٧٥ ]
وقد أخرج الحاكم في المستدرك بسند حسن: [أنّ أبا قحافة -عثمان بن عامر- قال لابنه أبي بكر: يا بني! أراك تعتق رقابًا ضعافًا. فلو أعتقت قومًا جلدًا يمنعونَك؟ فقال: إني أريد ما أريد (أي أريد وجه اللَّه لا المنعة) فنزلت الآية ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠) وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (١١) إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (١٢) وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى (١٣) فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (١٤) لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (١٨) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضَى (٢١)﴾] (١). والمقصود أبو بكر ﵁.
فكان -﵁- ممن سارع لامتثال قوله ﷿: ﴿وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ [المزمل: ٢٠].
وفي صحيح البخاري ومسند أحمد وسنن النسائي والترمذي عن أبي هريرة قال: [قال رسول اللَّه -ﷺ-: "مَنْ أنفق زوجين من ماله في سبيل اللَّه دُعِيَ من أبواب الجنة، وللجنة أبوابٌ، فمن كان من أهل الصلاة دُعِيَ من باب الصلاة، ومن كان من أهل الصدقة دُعِيَ من باب الصدقة، ومن كان من أهل الجهاد دُعِيَ من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دُعِيَ من باب الرَّيان". فقال أبو بكر -رضي اللَّه تعالى عنه-: يا رسول اللَّه، ما عَلى أحد من ضَرورةٍ دُعِيَ، من أيها دُعِيَ، فهل يُدعَى منها كلِّها أحدٌ يا رسول اللَّه؟ قال: "نعم، وأرجو أن تكون منهم"] (٢).
وفي صحيح البخاري من حديث أبي الدرداء، قال النبي -ﷺ-: [إن اللَّه بعثني إليكم فقلتم: كذبتَ، وقال أبو بكر: صَدَق، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركو لي صاحبي؟ مرتين، فما أُوذِيَ بعدها] (٣).
تم تفسير سورة الليل بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه عصر يوم الأربعاء ٢٨ - ذي القعدة - ١٤٢٦ هـ الموافق ٢٨/ كانون الأول/ ٢٠٠٦ م
_________________
(١) حديث حسن. أخرجه الحاكم في "المستدرك" (٢/ ٥٢٥ - ٥٢٦) بإسناد حسن.
(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٨٩٧)، والنسائي (٤/ ١٦٨ - ١٦٩)، وأخرجه الترمذي (٣٦٧٤)، وابن حبان (٣٠٨)، وغيرهم.
(٣) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري (١٤٥١) - كتاب فضائل الصحابة.
[ ٨ / ٤٧٦ ]