١ - توجيه الوحي الكريم نبي اللَّه والمؤمنين، إلى توثيق الصلة باللَّه أيام الشدة عن طريق قيام الليل وذكر اللَّه العظيم.
٢ - أَمْرُ اللَّه نبيّه بالصبر على أذى أهل الجحيم، وله في صبر موسى على أذى فرعون وجنده أسوة حتى يأتي النصر المبين.
٣ - هذه السورة من القرآن فيها تذكرة لأولي الألباب، وتسلية للنبي -ﷺ- والأصحاب.
٤ - كان قيام اللَّه فريضة أول الإسلام، ثم خفف على أمة هذا النبي ﵊.
[ ٨ / ٢٢٩ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
١ - ٩. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥) إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (٦) إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا (٧) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (٨) رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (٩)﴾.
في هذه الآيات: توجيهُ الوحي الكريم، نبي اللَّه -ﷺ- والمؤمنين -أيام التعذيب والاضطهاد في مكة من الطغاة على أوائل المسلمين- إلى توثيق الصلة باللَّه ﷿ عن طريق قيام الليل وذكر اللَّه العظيم.
فقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾. قال الضحاك: (يا أيها النائم). وقال قتادة: (يا أيها المزمل في ثيابه). وقال ابن عباس: (يا محمد زملت القرآن).
وقوله تعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. أمْرٌ من اللَّه سبحانه رسوله -ﷺ- أن يترك التَّزَمُّل، وهو التغطّي في الليل، وينهض إلى قيام الليل، فكان واجبًا عليه وحده.
وكان هذا بعد مجيء الأمر العام بصلاة ركعتين أول النهار وآخره. قال مقاتل بن سليمان: (فرض اللَّه في أول الإسلام الصلاة، ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي لقوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [غافر: ٥٥]). ثم جاء الأمر بتمكين العزيمة في صلاة الليل، وتفصيل ذلك في أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن عائشة ﵂ قالت: [فإن اللَّه افترض قيام الليل في أول هذه السورة، فقام رسول اللَّه -ﷺ- وأصحابه حولًا حتى انتفخت أقدامهم، وأمسك اللَّه خاتمتها في السماء اثني عشر شهرًا، ثم أنزل اللَّه
[ ٨ / ٢٣٠ ]
التخفيف في آخر هذه السورة، فصار قيام الليل تطوعًا مِنْ بَعْد فريضة] (١).
الحديث الثاني: أخرج أبو داود بسند جيد عن ابن عباس قال: [لما نزلت أولُ المزّمل كانوا يقومون نحوًا من قيامهم في شهر رمضان حتى نزل آخِرُها، وكان بين أولها وآخِرها سنة] (٢).
الحديث الثالث: أخرج ابن جرير في "التفسير" بسنده عن أبي عبد الرحمن قال: [لما نزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ قاموا حولًا حتى ورمت أقدامهم وسوقهم، حتى نزلت: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ فاستراح الناس] (٣).
وأما قوله: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾. فهو استثناء من الليل. قال القرطبي: (أي صلّ الليل كله إلا يسيرًا منه، لأن قيام جميعه على الدوام غير ممكن، فاستثنى منه القليل لراحة الجسد. والقليل من الشيء ما دون النصف).
وقوله تعالى: ﴿نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا﴾. قال ابن كثير: (﴿نِصْفَهُ﴾: بَدَلٌ من الليل، ﴿أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾، أي: أمرناك أن تقومَ نصفَ الليل بزيادة قليلة أو نُقْصانٍ قليل، لا حَرَجَ عليك في ذلك).
قلت: وقد جاء الأمر بالتخفيف في آخر هذه السورة رحمة من اللَّه بنبيه -ﷺ- والمؤمنين.
فقد أخرج أبو داود بسند حسن عن ابن عباس: [قال في المزمل: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ﴾ نسختها الآية التي فيها: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]] (٤).
وقوله: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾. الترتيل: التنضيد والتنسيق وحسن النظام.
والمقصود: لا تعجل -يا محمد- بقراءة القرآن، بل اقرأه في تمهل وتعقل وبيان، وتدبّر للمعاني والعبر والأحكام.
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٦/ ٥٣ - ٥٤). وانظر صحيح مسلم (٧٤٦)، كتاب صلاة المسافرين. باب جامع صلاة الليل، ومن نام عنه أو مرض.
(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (١٣٠٥)، كتاب الصلاة. أبواب قيام الليل. باب نسخ قيام الليل. وانظر صحيح سنن أبي داود (١١٥٧).
(٣) أخرجه ابن جرير في "التفسير" (٣٥١٧٧). وانظر كتابي: السيرة النبوية (١/ ٢٢٦) لتفصيل البحث.
(٤) حديث حسن. أخرجه أبو داود (١٣٠٤)، أبواب قيام الليل. باب نسخ قيام الليل.
[ ٨ / ٢٣١ ]
قال قتادة: (﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾. قال: بيّنه بيانًا). وقال مجاهد: (بعضه على أثر بعض، على تؤدة). وقال أيضًا: (ترسل فيه ترسلًا). وقال الحسن: (اقرأه قراءة بينة).
ومن كنوز السنة العطرة في آفاق هذه الآية أحاديث:
الحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن قتادة قال: سألتُ أَنسَ بنَ مالكٍ عن قِراءة النبي -ﷺ- فقال: [كانَ يَمُدُّ مَدًّا] (١).
الحديث الثاني: أخرج البخاري عن قتادة قال: [سُئِلَ أنَسٌ: كَيْفَ كانَتْ قراءة النبي -ﷺ-؟ فقال: كانتْ مَدًّا، ثم قرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ يَمُدُّ ببِاسمِ اللَّهِ، ويُمُدّ بالرحمن، ويَمُدُّ بالرحيم] (٢).
الحديث الثالث: أخرج أحمد وأبو داود والترمذي عن أم سلمة: أنها سُئِلَتْ عن قِراءة رسول اللَّه -ﷺ- فقالت: [كان يقطع قراءته آية آية، ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾] (٣).
الحديث الرابع: أخرج أحمد وأبو داود والترمذي بسند حسن عن عبد اللَّه بن عمرو، عن النبي -ﷺ- قال: [يُقال لصاحِب القرآن: اقرأ وارق ورتِّل كما كنت تُرَتِّل في الدنيا، فإن منزِلتَك عند آخِر آية تقرؤها] (٤).
الحديث الخامس: أخرج أبو داود والنسائي بسند صحيح عن البراء بن عازب قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [زَيِّنُوا القرآن بأصواتكم] (٥).
الحديث السادس: أخرج أبو داود بسند صحيح عن سعد بن أبي وقاص، أو سعيد بن أبي سعيد، قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [ليس منا مَنْ لم يَتَغَنَّ بالقرآن] (٦).
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٠٤٥)، كتاب فضائل القرآن. باب مدّ القراءة.
(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٠٤٦)، الباب السابق. وأخرجه ابن حبان (٦٣١٧).
(٣) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٦/ ٣٠٢)، وأبو داود (١٤٦٦)، والترمذي (٢٩٢٧). وانظر: "صفة صلاة النبي -ﷺ-" ص (٧٧). والإرواء (٣٤٣)، وله شواهد.
(٤) حديث حسن. أخرجه أبو داود (١٤٦٤)، والترمذي (٢٩١٤)، وأحمد (٢/ ١٩٢).
(٥) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (١٤٦٨)، والنسائي (٢/ ١٧٩)، وابن ماجة (١٣٤٢)، وأحمد (٤/ ٢٩٦)، وابن حبان (٧٤٩)، وعبد الرزاق (٤١٧٦).
(٦) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (١٤٦٩) في الصلاة. باب استحباب الترتيل في القراءة.
[ ٨ / ٢٣٢ ]
الحديث السابع: أخرج ابن ماجة بإسناد صحيح عن جابر، قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: [إنَّ مِنْ أَحْسَنِ الناسِ صَوْتًا بالقرآن، الذي إذا سَمِعْتُموه يَقْرأُ، حَسِبْتُموه يَخْشى اللَّه] (١).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾. أي: إنا سنوحي إليك هذا القرآن، وهو قول ثقيل يثقل حمله والعمل بشرائعه. قال قتادة: (ثقيل واللَّه فرائضُهُ وحدوده). وقال مجاهد: (حلاله وحرامه). وقال الحسن: (العمل به). وقال أبو العالية: (ثقيلًا بالوعد والوعيد والحلال والحرام). وقال محمد بن كعب: (ثقيلًا على المنافقين).
وقيل: على الكفار، لما فيه من الاحتجاج عليهم، والبيان لضلالتهم وسبّ آلهتهم، والكشف عما حرّفه أهل الكتاب. حكاه القرطبي.
وقال الحسين بن الفضل: (ثقيلًا لا يحمله إلا قلب مؤيد بالتوفيق، ونفس مزينة بالتوحيد). وقال ابن زيد: (هو واللَّه ثقيل مبارك، كما ثقل في الدنيا يثقل في الميزان يوم القيامة).
قلت: والخلاصة أن هذا القرآن العظيم ثقيل في تنزيله، ثقيل في أحكامه وعبره وآياته، ثقيل في امتثال أوامره واجتناب نواهيه، ثقيل في ميزان من عظّمه وقام بما فيه يوم القيامة.
فقد أخرج البخاري في صحيحه عن زيد بن ثابت قال: [أنزل اللَّه على رسوله -ﷺ- وفخِذه على فخذِي، فَثَقُلَتْ عليَّ، حتى خِفْتُ أن تَرُضَّ فخذي] (٢).
وفي صحيح البخاري -أيضًا- عن عائشة أم المؤمنين ﵂: [أن الحارث بن هشام ﵁ سأل رسول اللَّه -ﷺ- فقال: يا رسول اللَّه! كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول اللَّه -ﷺ-: أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشدّه عليَّ فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال. وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلًا فيكلمني فأعي ما يقول. قالت عائشة ﵂: ولقد رأيته ينزلُ عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصَّد عرقًا] (٣).
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة (١٣٣٩) في الصلاة. باب في حسن الصوت بالقرآن.
(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥/ ١٨٢). وانظر تفصيل البحث في كتابي: السيرة النبوية على منهج الوحيين (١/ ١٥٨ - ١٧٢). البحث التاسع: أقسام الوحي وأنواعه.
(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري في مقدمة الصحيح. حديث (٢)، كتاب بدء الوحي.
[ ٨ / ٢٣٣ ]
وفي المسند ومستدرك الحاكم بسند صحيح عن عبد اللَّه بن عمرو مرفوعًا: [الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة. يقول الصيام: أي ربِّ مَنَعْتُه الطعامَ والشهواتِ بالنهار فشفعني فيه. يقول القرآن: ربِّ مَنَعْتُه النومَ بالليل فشفعني فيه، فَيُشفَعان] (١).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾.
يقال نشأ: إذا قام من الليل. قال مجاهد: (إنما الناشئة القيام بالليل بعد النوم). وفي الصحاح: (ناشئة الليل أول ساعاته، وقيل ما ينشأ فيه من الطاعات) ذكره الرازي. وعن قتادة: (﴿هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا﴾: أي أثبت في الخير، وأحفظ في الحفظ). وقال مجاهد: (يواطئُ سمعك وبصرك وقلبك بعضه بعضًا). وفي سنن أبي داود بسند حسن عن ابن عباس قال: [و﴿نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ أوله، وكانت صلاتهم لأول الليل. يقول: هو أجدر أن تحصوا ما فرض اللَّه عليكم من قيام الليل، وذلك أن الإنسان إذا نام لم يدر متى يستيقظ، وقوله: ﴿وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ هو أجدر أن يفقه في القرآن] (٢).
وعن ابن زيد: (﴿وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾: أقوم قراءة لفراغه من الدنيا).
قلت: والمقصود بناشئة الليل ساعاته وأوقاته التي ينهض بها العبد للقيام بين يدي اللَّه ﷿، فهي ﴿أَشَدُّ وَطْئًا﴾ أي أشد مواطأة بين القلب واللسان وأجمع على التلاوة. فقم بها -يا محمد- واؤمر قومك ليقوموا فيها، فإن السكينة والقوة ستنزل على قلوبهم وستصقل بها نفوسهم وعقولهم.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾. أي تصَرُّفًا في حوائجك، وإقبالًا وإدبارًا وذهابًا ومجيئًا. قال مجاهد: (﴿سَبْحًا طَوِيلًا﴾: متاعًا طويلًا).
والسَّبْح: الجري والدوران، ومنه السابح في الماء، لتقلبه بيديه ورجليه.
وقيل: السبح الفراغ. أي إن لك فراغًا للحاجات بالنهار.
ففي سنن أبي داود بسند حسن عن ابن عباس قال: [وقوله: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ يقول: فراغًا طويلًا] (٣).
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد والطبراني والحاكم. انظر تخريج المشكاة (١٩٦٣)، والترغيب (٢/ ٦٠)، ورواه البيهقي. انظر صحيح الجامع الصغير (٣٧٧٦).
(٢) حديث حسن. أخرجه أبو داود في السنن -حديث رقم- (١٣٠٤)، أبواب قيام الليل. انظر: صحيح سنن أبي داود -حديث رقم- (١١٥٦).
(٣) حديث حسن. انظر صحيح سنن أبي داود -حديث رقم- (١١٥٦)، أبواب قيام الليل. باب نسخ قيام الليل. وهو خاتمة حديث قد مضى أوله.
[ ٨ / ٢٣٤ ]
قلت: والراجح في المعنى: إن -لك يا محمد- في النهار وقتًا لحوائجك وأمور حياتك، فأفرغ الليل واملأ القلب من القرآن والناس نيام.
وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾.
أي: واذكر ربك يا محمد، وأكثر من ذكره، وانقطع إليه، وتفرغ لعبادته.
والتبتل: الانقطاع إلى عبادة اللَّه ﷿. وفي لغة العرب: بتلت الشيء أي قطعته.
والمقصود: انقطع بعبادتك إلى اللَّه ولا تشرك به غيره.
وعن ابن عباس: (﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ قال: أخلص له إخلاصًا). وقال مجاهد: (أخلص إليه المسألة والدعاء). وقال الحسن: (بَتِّل نفسك واجتهد).
وقال قتادة: (أخلص له العبادة والدعوة). وقال ابن زيد: (أي تفرّغ لعبادته).
وفي التنزيل نحو ذلك: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح: ٧ - ٨].
وفي المسند وجامع الترمذي بإسناد صحيح عن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ- قال: [إنَّ اللَّه تعالى يقول: يا ابنَ آدم تفرَّغ لعبادتي أملأ صدرك غنى وأسُدَّ فقرك، وإن لا تفعل ملأت يديك شغلًا ولم أسُدَّ فقرك] (١).
وقوله تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾.
أي: هو رب المشارق والمغارب المتفرد بالملك والجبروت فلا يستحق العبادة غيره، فأفرده بالتعظيم والتأليه والتوكل. قال القرطبي: (﴿فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ أي قائمًا بأمورك. وقيل: كفيلًا بما وعدك).
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣].
٢ - وقال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥].
وقد كان من دعائه -ﷺ-: [اللهم لك أسلمت، وبك آمنتُ، وعليك توكَّلتُ، وإليك أنَبْتُ، وبكَ خاصمتُ، اللهم إني أعوذُ بعزتك، لا إله إلا أنت، أن تُضِلَّني،
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٢/ ٣٥٨)، والترمذي (٣/ ٣٠٨)، وابن ماجة (٢/ ٥٢٥)، وأخرجه ابن حبان (٢٤٧٧). وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٣٥٩).
[ ٨ / ٢٣٥ ]
أنت الحيُّ الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون] (١).
١٠ - ١٨. قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (١٠) وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (١١) إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا (١٢) وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا (١٣) يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا (١٤) إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا (١٦) فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا (١٧) السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا (١٨)﴾.
في هذه الآيات: أَمْرُ اللَّه تعالى نبيه -ﷺ- بالصبر على ما يقوله المكذبون من سفهاء قومه وهجرهم الهجر الجميل الذي لا عتاب معه فإن اللَّه أعد للمجرمين عذاب الجحيم، وقد أرسل إلى فرعون موسى من قبل فاستكبر هو وجنوده حتى نزل بهم العذاب الأليم.
فقوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾. قال القرطبي: (﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ أي من الأذى والسبّ والاستهزاء، ولا تجزع من قولهم، ولا تمتنع من دعائهم. ﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ أي لا تتعرض لهم، ولا تشتغل بمكافأتهم، فإن في ذلك ترك الدعاء إلى اللَّه، وكان هذا قبل الأمر بالقتال، ثم أمر بعدُ بقتالهم وقتلهم). وقال قتادة: (قوله: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ براءة نسخت ما هاهنا، أمر بقتالهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه، لا يقبل منهم غيرها).
وقال أبو الدرداء: (إنا لَنَكْشِرُ في وجوه أقوام ونضحك إليهم وإن قلوبنا لتقليهم أو لتلعنهم).
وقوله: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ﴾. قال ابن كثير: (أي: دَعني والمكذِّبين
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (١/ ٣٠٢)، ورواه مسلم في الصحيح، كتاب الذكر، ورواه البخاري مختصرًا في كتاب التوحيد. من حديث ابن عباس ﵄.
[ ٨ / ٢٣٦ ]
المُترَفين أصحابَ الأموال، فإنهم أقدرُ على الطاعة من غيرهم، وهم يطالبون من الحقوق بما ليس عند غيرهم).
وقوله: ﴿وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا﴾. يعني رويدًا. أي إلى مدّة آجالهم. وقيل: إلى مدة الدنيا.
قال قتادة: (إن للَّه فيهم طَلِبة وحاجة). قالت عائشة: (لما نزلت هذه الآية لم يكن إلا يسير حتى كانت وقعة بدر). رواه ابن جرير بسنده إلى عبد اللَّه بن الزبير عن عائشة.
وفي التنزيل: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان: ٢٤].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا﴾. قال ابن عباس وعكرمة: (﴿أَنْكَالًا﴾: قيودًا).
وقال مجاهد: (الأنكال: القيود). وواحدها نِكْل، وهو ما منع الإنسان من الحركة.
وقيل: سمّي نِكلًا؛ لأنه يُنَكَّلُ به. والجحيم: السعير المضطرمة.
وقوله: ﴿وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ﴾. أي: طعامًا يغُصُّ به آكله فلا هو سالك ولا خارج.
قال ابن عباس: (يَنْشِب في الحلق فلا يدخلُ ولا يخرُج).
وقوله: ﴿وَعَذَابًا أَلِيمًا﴾. أي: وعذابًا مؤلمًا موجعًا.
وقول: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ﴾. أي: تُزَلزل فتتحرك وتضطرب بمن عليها.
ونصب ﴿يَوْمَ﴾ على الظرفية، والتقدير: ينكل بهم ويعذبون ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ﴾.
وقيل: بنزع الخافض، والتقدير: هذه العقوبة في يوم ترجف الأرض والجبال.
وقوله: ﴿وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾. قال مجاهد: (ينهال). وقال ابن عباس: (الكثيب المهيل: الرمل السائل. أو قال: اللين الذي إذا مسسته تتابع).
وفي لغة العرب: هلت الرمل إذا حُرِّك أسفله. والمهيل: الذي يمرّ تحت الأرجل. والمعنى: تصير الجبال يومئذ ككثبان الرمل بعدما كانت حجارة صماء.
ثم إنها تُنْسَفُ نسفًا لا يبقى لها أثر، حتى تصير الأرض ﴿قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا﴾ [طه: ١٠٦ - ١٠٧] أي: واديًا، ﴿وَلَا أَمْتًا﴾ أي رابية.
وقوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ﴾. الخطاب لقريش، والمراد سائر الناس. قال ابن جرير: (﴿رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ﴾ بإجابة من أجاب منكم دعوتي، وامتناع
[ ٨ / ٢٣٧ ]
من امتنع منكم من الإجابة، يوم تلقوني في القيامة).
وقوله: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾. أي: هو كإرسالنا موسى رسولًا إلى فرعون وقومه من قبل، لإقامة حجة الوحي والنبوة.
وقوله تعالى: ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا﴾. قال ابن عباس: (شديدًا).
قال ابن زيد: (الوبيل: الشّر، والعرب تقول لمن تتابع عليه الشر: لقد أوبل عليه).
وقال الزجاج: (﴿أَخْذًا وَبِيلًا﴾ أي ثقيلًا غليظًا. ومنه قيل للمطر وابل (١».
وقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾. توبيخ وتقريع.
أي: كيف تقون أنفسكم إن بقيتم على كفركم عذاب يوم يصير فيه الأطفال الصغار ﴿شِيبًا﴾ أي بيض الشعور لشدة هَوْله. وهذا كناية عن شدة الخوف.
أخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري، عن النبي -ﷺ- قال: [يقول اللَّه تعالى يا آدم! فيقول: لبيك وسعديك والخير كله في يديك. فيقول: أخرج بعث النار، قال: وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسع مئة وتسعة وتسعين. فعندها يشيب الصغير ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: ٢]] (٢).
وفي رواية: [فحينئذ تضع الحامِلُ حَمْلَها ويشيبُ الوليدُ].
وقوله: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾. أي: متشققة بذلك اليوم لشدّته وعظيم هوله، وانفطارها لنزول الملائكة. وقال ابن عباس: (تشقق السماء حين ينزل الرحمن جل وعزّ). وقال مجاهد: (﴿مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾: مثقلة به). قال النسفي: (﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ وصف لليوم بالشدة أيضًا. أي السماء على عظمها وإحكامها تنفطر به أي تنشق، فما ظنّك بغيرها من الخلائق).
وقوله: ﴿كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا﴾. أي: كان وعد اللَّه بالقيامة والحساب والجزاء كائنًا لا شك فيه ولا خُلْف. وقال مقاتل: (كان وعده بأن يظهر دينه على الدين كلّه).
١٩ - ٢٠. قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (١٩)
_________________
(١) مطر وابل: أي مطر شديد.
(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٧٤١)، كتاب التفسير. ورواه مسلم (١/ ١٣٩ - ١٤٠).
[ ٨ / ٢٣٨ ]
إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٠)﴾.
في هذه الآيات: يخبر جل ذكره أن هذه السورة من القرآن فيها تذكرة يتذكر بها أولو الألباب، وأن قِيامَ الليل كان فريضة أول الإِسلام ثم خفف اللَّه ذلك على النبي والأصحاب.
فقوله: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾. يعني هذه السورة. وقال قتادة: (يعني القرآن).
وقوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾. قال قتادة: (بطاعة اللَّه). قال النسفي: (أي فمن شاء اتعظ بها واتخذ سبيلًا إلى اللَّه بالتقوى والخشية).
ولا شك أن هذه المشيئة مقهورة بمشيئة اللَّه، فهو أعلم من يستحق الهداية والفضل. كما قال جل ثناؤه: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان: ٣٠].
وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾.
أي: إنّ ربك يا محمد يعلم أنك تقوم أقَلَّ من ثلثي الليل مصليًا، ونصفه وثلثه أحيانًا. ويقوم ذلك القدر معك طائفة من أصحابك، وذلك حين فرض عليهم قيام الليل.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾. أي: يعلم مقادير الليل والنهار على حَقائقها، فيعلم القدر الذي تقومونه من الليل، وإنما تعلمون أنتم قدْر قيامكم بالتحري والاجتهاد.
وقوله: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾. قال الحسن: (لن تطيقوه). وقال قتادة: (قيام الليل كتب عليكم). قال القرطبي: (أي علم أنكم لن تحصوه، لأنكم إن زدتم ثقل عليكم، واحتجتم إلى تكليف ما ليس فرضًا، وإن نقصتم شقّ ذلك عليكم).
وقوله: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾. أي: فعاد عليكم بالعفو، ورجع من تثقيل إلى تخفيف،
[ ٨ / ٢٣٩ ]
ومن عُسْرٍ إلى يسر، فصفح عن التقصير فيما أمرتم به، وأسقط عنكم فرض قيام الليل.
وقوله: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾. قال ابن جرير: (يقول: فاقرؤوا من الليل ما تيسر لكم من القرآن في صلاتكم، وهذا تخفيف من اللَّه ﷿ عن عباده فرضه الذي كان فرض عليهم بقوله: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا﴾).
أخرج الإمام مسلم في صحيحه من حديث سعد بن هشام بن عامر -أنه قال لعائشة ﵂- أنبئيني عن قيام رسول اللَّه -ﷺ-. فقالت: ألستَ تَقْرَأُ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾؟ قُلْتُ: بلى. قالت: [فإنَّ اللَّه ﷿ افترضَ قِيامَ الليل في أوَّل هذه السورة، فقام نَبِيُّ اللَّه -ﷺ- وأصحابُه حولًا، وأمسك اللَّه خاتِمَتَها اثْنَي عشر شَهْرًا في السماء، حتى أنزل اللَّه، في آخرِ هذه السورة، التخفيف، فصار قيامُ الليل تطوعًا بَعْدَ فريضة] (١).
وقوله: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
أي: علم اللَّه أن سيكون في هذه الأمة أصحاب أعذار في ترك قيام الليل: كالمرضى، والمسافرين في مكاسبهم ومتاجرهم، والمنشغلين بما هو أعظم من ذلك وهو أمر الغزو والجهاد لإعلاء كلمة اللَّه في الأرض.
وقوله: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾. أي فاقرؤوا إن تيسّر عليكم ذلك، وصلّوا من الليل ما استطعتم. قال ابن كثير: (أي: قوموا بما تَيَسَّرَ عليكمُ منه).
وقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾. أي: وأقيموا الصلاة المفروضة عليكم، وأدوا الزكاة الواجبة في أموالكم. والآية مكية، والمراد الصلاة التي فرضت بمكة أول الإِسلام، وكذلك الزكاة العامة قبل أن تحدد أنصبتها في المدينة.
وقوله: ﴿وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾. يعني من الصدقات. قال: عمر بن الخطاب: (هو النفقة في سبيل اللَّه). وقال زيد بن أسلم: (القرض الحسن النفقة على الأهل). وقال ابن زيد: (القرض: النوافل سوى الزكاة). قال القرطبي: (القرض الحسن ما قصد به وجه اللَّه تعالى خالصًا من المال الطيب).
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح -حديث رقم- (٧٤٦)، كتاب صلاة المسافرين، باب جامع صلاة الليل، ومن نام عنه أو مرض. وهو جزء من حديث طويل.
[ ٨ / ٢٤٠ ]
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥].
٢ - وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ [الحديد: ١٨].
قال النسفي: (القرض لغة: القطع، فالمقرض يقطع ذلك القدر من ماله فيدفعه إلى غيره، وكذا المتصدق يقطع ذلك القدر من ماله فيجعله للَّه تعالى، وإنما أضافه إلى نفسه لئلا يَمُنَّ على الفقير فيما تصدق به عليه، وهذا لأن الفقير معاون له في تلك القربة فلا يكون له عليه منّة، بل المنّة للفقير عليه ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾ من الحلال بالإخلاص).
قلت: وقد جاء النص بتحريم القرض الذي يجرّ نفعًا، فهو مخالف للقرض الحسن الذي رضيه اللَّه لعباده ورغّبه بهم.
فقد أخرج أحمد وأصحاب السنن عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد اللَّه بن عمرو بن العاص: أن رسول اللَّه -ﷺ- بعث عتّاب بن أسيد إلى مكة فقال: [أتدري إلى أين أبعثك؟ إلى أهل اللَّه، وهم أهل مكة، فانَهَهُم عن أربع: عن بيع وسَلَفٍ، وعن شرطين في بيع، وربح ما لم يضمن، وبيع ما ليس عندك] (١).
فقوله: "بيع وسلف" فسّره ابن الأثير بقوله: (هو مثلُ أن يقول: بعتُكَ العبد بألف على أن تسلفني في متاع، أو على أن تقرضني ألفًا، لأنه إنما يقرضه ليحابيه في الثمن، فيدخل في حدّ الجهالة، ولأن كل قرض جرَّ منفعة فهو ربًا).
وقوله: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾.
﴿خَيْرًا﴾ مفعول به ثان لتجدوه. و﴿أَجْرًا﴾ تمييز. والمعنى: كل ما تقدّموه من الصدقات والنفقات في سبيل اللَّه هو خيرٌ مما أبقيتموه لأنفسكم في الدنيا.
ففي صحيح البخاري عن عبد اللَّه: [قال النبي -ﷺ-: أَيُّكُم مالُ وارِثهِ أَحَبُّ إليه من
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد وأصحاب السنن، والحاكم (٢/ ١٧)، والبيهقي (٥/ ٣١٣).
[ ٨ / ٢٤١ ]
مالِهِ؟ قالوا: يا رسول اللَّه، ما مِنّا أحدٌ إلا مالُه أحَبُّ إليه. قال: فإنَّ مالَه ما قدَّمَ، ومالَ وارثِه ما أخَّرَ] (١).
وقوله: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. أيِ وسلوا اللَّه المغفرة لذنوبكم فإنه تعالى غفور رحيم. قال سعيد بن جبير: (﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لما كان قبل التوبة ﴿رَحِيمٌ﴾ لكم بعدها).
تم تفسير سورة المُزَّمِّل بِعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه عصر الثلاثاء ٢٧ شوال ١٤٢٦ هـ ٢٩/ تشرين الثاني/ ٢٠٠٥ م
* * *
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٦٤٤٢)، كتاب الرقاق. باب ما قدَّمَ من ماله فهو له.
[ ٨ / ٢٤٢ ]