لم يجمع القرآن في مصحف واحد على عهد رسول الله ﷺ، لاحتمال نزول وحي جديد ما دام النّبي ﷺ حيّا، ولكن كانت كل آيات القرآن مكتوبة في الرقاع والعظام والحجارة وجريد النخل. ثم استحّر القتل في القراء في وقعة اليمامة في عهد أبي بكر، كما روى البخاري في فضائل القرآن في الجزء السادس، فارتأى عمر بن الخطاب جمع القرآن، ووافقه أبو بكر، وكلّف زيد بن ثابت بهذه المهمة، وقال أبو بكر لزيد: «إنك شاب عاقل لانتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ، فتتبع القرآن فاجمعه»، ففعل زيد ما أمر به وقال: «فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللّخاف (^١)، وصدور الرجال، ووجدت آخر سورة التوبة-أي مكتوبة-مع خزيمة الأنصاري، لم أجدها مع غيره: ﴿لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة ١٢٨/ ٩]، حتى خاتمة براءة، فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله تعالى، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر» (^٢).
_________________
(١) العسب: جمع عسيب: وهو جريدة من النخل كشط خوصها. واللّخاف: حجارة بيض رقاق، واحدتها لخفة.
(٢) صحيح البخاري: ٣١٤/ ٦ - ٣١٥.
[ ١ / ٢١ ]
يتبين من هذا أن طريقة الجمع اعتمدت على أمرين معا: هما المكتوب في الرقاع والعظام ونحوها، وحفظ الصحابة للقرآن في صدورهم. واقتصر الجمع في عهد أبي بكر على أنه جمع القرآن في صحف خاصة، بعد أن كان متفرقا في صحف عديدة، ولم يكتف زيد بحفظه القرآن، وإنما اعتمد أيضا على حفظ غيره من الصحابة وهم العدد الكثير الذي يحصل به التواتر، أي اليقين المستفاد من نقل الجمع الكثير الذي يؤمن في العادة تواطؤهم على الكذب.