القرآن كله عربي (^٢)، نزل بلسان العرب، وما من لفظ فيه إلا وهو عربي أصلا، أو معرّب خاضع لموازين اللغة العربية وقوالبها ومقاييسها وقد زعم بعض الناس أن القرآن ليس عربيا خالصا، لاشتماله على بعض كلمات من أصل أعجمي (غير عربي)، مثل (سندس) و(إستبرق) وأنكر بعض العرب ألفاظ (قسورة) و(كبّارا)، و(عجاب)
فدخل شيخ طاعن في السن على رسول الله ﷺ، فقال له الرسول ﷺ: قم، ثم قال له: اقعد، كرر ذلك
_________________
(١) إعجاز القرآن: ص ١٧٥، ١٧٣
(٢) تفسير الطبري: ٢٥/ ١
[ ١ / ٣٤ ]
مرات، فقال الشيخ: أتهز أبي، يا ابن (قسورة)، وأنا رجل (كبارا)، إن هذا الشيء (عجاب)! فسألوه، هل هذا في اللغة العربية؟ فقال: نعم.
وكان الإمام الشافعي ﵀ أول من رد بكلامه الفصيح، وحجته القوية على هذا الزعم، مبينا أنه ليس في كتاب الله شيء إلا بلسان العرب، مفندا حجج هؤلاء الزاعمين وأهمها ثنتان:
الأولى-أن في القرآن خاصا يجهل بعضه بعض العرب.
والثانية-أن في القرآن ما ينطق به غير العرب.
ورد على الحجة الأولى: بأن جهل بعض العرب ببعض القرآن ليس دليلا على عجمة بعض القرآن، بل هو دليل على جهل هؤلاء ببعض لغتهم، فليس لأحد أن يدعي الإحاطة بكل ألفاظ اللسان العربي، لأنه أوسع الألسنة مذهبا، وأكثرها لفظا، ولا يحيط بجميع علمه إنسان غير نبي.
ثم رد على الحجة الثانية: بأن بعض الأعاجم قد تعلم بعض الألفاظ العربية، وسرت إلى لغاتهم، ويحتمل أن يوافق لسان العجم أو بعض الألسنة قليلا من لسان العرب، وقد يكون بعض الألفاظ العربية من أصل أعجمي، لكن هذا القليل النادر من أصل غير عربي قد سرى قديما إلى العرب، فعرّبوه، وأنزلوه على طبيعة لغتهم، وجعلوه صادرا من لسانهم، بحسب حروفهم ومخارج تلك الحروف وصفاتها في لغة العرب، وذلك مثل الألفاظ المرتجلة والأوزان المبتدأة لها، وإن كانت في الأصل تقليدا في تغمتها للغات الأخرى (^١).
وتضافرت الآيات القرآنية بالتصريح بأن القرآن كله عربي، جملة
_________________
(١) الرسالة للإمام الشافعي: ص ٤١ - ٥٠، ف ١٣٣ - ١٧٠، وانظر المستصفى للغزالي: ٦٨/ ١، وروضة الناظر: ١٨٤/ ١
[ ١ / ٣٥ ]
وتفصيلا، وأنه نزل بلسان العرب قوم النّبي ﷺ، منها قوله تعالى: ﴿الر، تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ. إِنّا أَنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا، لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف ١/ ١٢ - ٢] ومنها قوله سبحانه: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ. نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ. عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ. بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء ١٩٢/ ٢٦ - ١٩٥] ومنها: ﴿وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾ [الرعد ٣٧/ ١٣] ومنها: ﴿وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا، لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها﴾ [الشورى ٧/ ٤٢] ومنها: ﴿حم. وَالْكِتابِ الْمُبِينِ. إِنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا، لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف ١/ ٤٣ - ٣] ومنها: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ، لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الزمر ٢٨/ ٣٩].
ورتب الشافعي على عربية القرآن حكما مهما جدا، فقال: فعلى كل مسلم أن يتعلم من لسان العرب ما بلغه جهده، حتى يشهد به أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، ويتلو به كتاب الله، وينطق بالذكر فيما افترض عليه من التكبير، وأمر به من التسبيح والتشهد، وغير ذلك.
وكان من مزية عربية القرآن وفضله على العرب أمران عظيمان هما:
الأول-إن تعلم القرآن والنطق به على أصوله يقوّم اللسان، ويفصّح المنطق، ويصحح الكلام، ويساعد على فهم لغة العرب، فليس هناك شيء يشبه القرآن في تقويم الألسنة، حين تتأثر باللهجات العامية المختلفة.
الثاني-كان للقرآن الفضل الأكبر في الحفاظ على اللغة العربية، في مسيرة القرون الأربعة عشر الغابرة، بما اشتملت عليه من فترات ضعف وتخلف وتسلط المستعمرين الأوربيين على بلاد العرب، بل إن القرآن عامل أساسي في توحيد العرب، وباعث قوي ساعد في انتفاضة العرب ضد المحتل الغاصب والمستعمر البغيض، مما أعاد الصحوة الإسلامية إلى أوطان العرب والإسلام، وربط بين
[ ١ / ٣٦ ]
المسلمين برباط الإيمان والعاطفة القوية الصادقة، لا سيما في أوقات المحنة والحروب ضد المحتلين.