إن القرآن العظيم المسموع والمكتوب: هو كلام الله القديم العزيز العليم، ليس شيء منه كلاما لغيره من المخلوقين، لا جبريل، ولا محمّد ولا غيرهما، والناس يقرءونه بأصواتهم (^٢). قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ، بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء ١٩٢/ ٢٦ - ١٩٥] وقال ﷿: ﴿قُلْ: نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ، لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا، وَهُدىً، وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل ١٠٢/ ١٦].
والدليل على أن القرآن كلام الله: هو عجز الإنس والجن عن الإتيان بمثل أقصر سورة منه، وهذا هو المراد بإعجاز القرآن: أي عجز البشر عن الإتيان بمثله، في بلاغته، أو تشريعه أو مغيباته. قال الله تعالى مستثيرا العرب المعروفين بأنهم أساطين البيان وفرسان الفصاحة والبلاغة، ومتحديا لهم بأن يأتوا
_________________
(١) تفسير القرطبي: ٤٢/ ١ - ٤٣، فتح الباري: ٢٤/ ٩ - ٢٥، شرح مسلم للنووي: ١٠٠/ ٦
(٢) فتاوى ابن تيمية: ١١٧/ ١٢ - ١٧٢، ١٦١
[ ١ / ٢٨ ]
بمثل القرآن في نظمه ومعانيه وبيانه المشرق البديع الفريد ولو بمثل سورة منه:
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا، فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ، وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ، إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا، وَلَنْ تَفْعَلُوا، فَاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ، أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ [البقرة ٢٣/ ٢ - ٢٤].
وتتكرر آي القرآن في مناسبات مختلفة مطالبة بمجاراة القرآن وتحدي العرب الذين عارضوا الدعوة الإسلامية، ولم يؤمنوا بالقرآن، ولم يقرّوا بنبوة محمد ﷺ، فقال تعالى: ﴿قُلْ: لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ، لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ، وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ أي معينا [الإسراء ٨٨/ ١٧]. وإذ عجزوا عن الإتيان بالمثيل، فليأتوا بعشر سور مثله، فقال سبحانه: ﴿أَمْ يَقُولُونَ: اِفْتَراهُ، قُلْ: فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ، وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ، فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللهِ، وَأَنْ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ، فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [هود ١٣/ ١١ - ١٤].
ثم أكد الحق سبحانه التحدي أو المعارضة بمثل سورة من القرآن بعد العجز عن المثل الكامل أو عن عشر سور منه، فقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ: اِفْتَراهُ قُلْ:﴾
﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ، وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ، إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [يونس ٣٨/ ١٠].
قال الطبري (^١): إن الله تعالى ذكره جمع لنبينا محمد ﷺ ولأمته، بما أنزل إليه من كتابه معاني لم يجمعهن بكتاب أنزله إلى نبي قبله، ولا لأمة من الأمم قبلهم، وذلك أن كل كتاب أنزله جلّ ذكره على نبي من أنبيائه قبله، فإنما أنزله ببعض المعاني التي يحوي جميعها كتابه الذي أنزله إلى نبينا محمد ﷺ، كالتوراة
_________________
(١) تفسير الطبري: ٦٥/ ١ - ٦٦
[ ١ / ٢٩ ]
التي هي مواعظ وتفصيل، والزبور الذي هو تمحيد وتمجيد، والإنجيل الذي هو مواعظ وتذكير، لا معجزة في واحد منها تشهد لمن أنزل إليه بالتصديق.
والكتاب الذي أنزل على نبينا محمد ﷺ يحوي معاني ذلك كله، ويزيد عليه كثيرا من المعاني التي سائر الكتب، غيره منها خال. ومن أشرف تلك المعاني التي فضل بها كتابنا سائر الكتب: نظمه العجيب، ووصفه الغريب، وتأليفه البديع الذي عجزت عن نظم مثل أصغر سورة منه الخطباء، وكلّت عن وصف شكل بعضه البلغاء، وتحيرت في تأليفه الشعراء، وتبلدت قصورا عن أن تأتي بمثله لديه أفهام الفهماء، فلم يجدوا له إلا التسليم والإقرار بأنه من عند الله الواحد القهار، مع ما يحوي مع ذلك من المعاني التي هي ترغيب وترهيب، وأمر وزجر، وقصص وجدل ومثل، وما أشبه ذلك من المعاني التي لم تجتمع في كتاب أنزل إلى الأرض من السماء.