بدأ الحق ﷾ بعض السور المكية أو المدنية القرآنية ببعض حروف التهجي أو الحروف المقطعة، منها البسيط المؤلف من حرف واحد، وذلك في سور ثلاث: صاد وقاف والقلم، إذ افتتحت الأولى بحرف: ﴿أَحْرَصَ﴾ والثانية بحرف: ﴿بَرْقٌ﴾، والثالثة بحرف: ﴿ن﴾.
ومنها فواتح عشر سور مؤلفة من حرفين، سبع منها متماثلة تسمى:
الحواميم، لابتدائها بحرفي: ﴿لَحْمَ﴾، وهي سور: غافر، وفصلت، والشورى، والزخرف، والدخان، والجاثية، والأحقاف، وتتمة العشر: هي سور: طه، وطس، ويس.
ومنها فواتح ثلاث عشرة سورة مركبة من ثلاثة أحرف، ست منها بدئت بالم وهي سور: البقرة، وآل عمران، والعنكبوت، والروم، ولقمان، والسجدة. وخمس منها بلفظ الر: وهي سور: يونس وهود ويوسف وإبراهيم والحجر. واثنتان منها بدئت بطسم، وهما سورتا الشعراء والقصص.
ومنها سورتان افتتحتا بأربعة أحرف، وهما سورة الأعراف وفاتحتها ﴿المص﴾ وسورة الرعد وفاتحتها ﴿المر﴾.
ومنها سورة واحدة افتتحت بخمسة حروف هي سورة مريم ومستهلها:
﴿كهيعص﴾. فصارت مجموعة الفواتح القرآنية تسعا وعشرين، وهي على ثلاثة عشر شكلا، وحروفها أربعة عشر، وهي نصف الحروف الهجائية (^١) وقد اختلف أهل التأويل المفسرون في بيان المقصود من فواتح السور (^٢)،
_________________
(١) مباحث في علوم القرآن للدكتور صبحي الصالح: ص ٢٣٤ وما بعدها.
(٢) تفسير القرطبي: ١٥٤/ ١ وما بعدها.
[ ١ / ٣٨ ]
فقال جماعة: هي سرّ الله في القرآن، ولله في كل كتاب سر، وهي مما استأثر الله بعلمه، فهو من المتشابه الذي نؤمن به، على أنه من عند الله، دون تأويل ولا تعليل، لكنه أمر مفهوم عند النّبي ﷺ.
وقال جماعة: لا بد أن يكون لذكره معنى وجيه، والظاهر أنه إيماء إلى إقامة الحجة على العرب وتثبيته في أسماعهم وآذانهم، بعد أن تحداهم القرآن على أن يأتوا بمثله، علما بأن القرآن مؤتلف من حروف هي التي منها بناء كلامهم.
فكأنه يقول لهم: كيف تعجزون عن الإتيان بمثله أو بمثل سورة منه؟ مع أنه كلام عربي، مكون من حروف هجائية، ينطق بها كل عربي: أمي أو متعلم، وهم أساطين البيان وفرسان الفصاحة والبلاغة، ويعتمدون على هذه الحروف في الكلام: نثره وشعره وخطابته وكتابته، وهم يكتبون بهذه الحروف، ومع هذا فقد عجزوا عن مجاراة القرآن الذي نزل على محمد ﷺ، فقامت الحجة عليهم أنه كلام الله، لا كلام بشر، فيجب الإيمان به، وتكون الفواتح الهجائية تقريعا لهم وإثباتا لعجزهم أن يأتوا بمثله.
لكنهم لما عجزوا عن معارضة القرآن، كانوا مكابرين معاندين في عدم الإيمان به، وقالوا ببلاهة وسخف، وسطحية وسذاجة عن محمد والقرآن: محمد ساحر، شاعر، مجنون، والقرآن: أساطير الأولين. وذلك كله آية الإفلاس، ومظهر الضعف، وفقد الحجة، وكذب المعارضة والممانعة، وكفر المقلّدة، والعكوف على التقاليد العتيقة البالية، والعقائد الوثنية الموروثة الخرقاء.
والرأي الثاني هو رأي جماهير المفسرين والمحققين من العلماء، وهو المعقول المقتضي فتح الأسماع، واستماع القرآن، والإقرار بأنه كلام الله تعالى.