لم ينزل القرآن جملة واحدة، كما نزلت التوراة على موسى والإنجيل على عيسى ﵉، لئلا يثقل كاهل المكلفين بأحكامه، وإنما نزل على قلب النّبي الكريم ﷺ بالوحي بواسطة جبريل ﵇، منجّما أي مفرقا على وفق مقتضيات الظروف والحوادث والأحوال، أو جوابا للوقائع والمناسبات أو الأسئلة والاستفسارات.
فمن الأول: قوله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة ٢٢١/ ٢]، نزلت في شأن مرثد الغنوي الذي أرسله النّبي ﷺ إلى مكة، ليحمل منها المستضعفين المسلمين، فأرادت امرأة مشركة اسمها (عناق) وكانت ذات مال وجمال، أن تتزوجه، فقبل بشرط موافقة النّبي ﷺ، فلما سأله نزلت الآية، ونزل معها آية ﴿وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة ٢٢١/ ٢].
ومن الثاني: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى﴾ [البقرة ٢٢٠/ ٢]، و﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ [البقرة ٢٢٢/ ٢]، و﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ﴾ [النساء ١٢٧/ ٤]، و﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ﴾ [الأنفال ١/ ٨].
وقد بدأ نزوله في رمضان في ليلة القدر، قال الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ، هُدىً لِلنّاسِ، وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ﴾
[ ١ / ١٥ ]
[البقرة ١٨٥/ ٢]، وقال سبحانه: ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ، إِنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ [الدخان ٣/ ٤٤]، وقال تعالى: ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ..﴾.
[القدر ١/ ٩٨]. واستمر نزول القرآن في مدى ثلاث وعشرين سنة إما في مكة وإما في المدينة وإما في الطريق بينهما أو في غيره من الأماكن.
وكان نزوله إما سورة كاملة كالفاتحة والمدثر والأنعام، أو عشر آيات مثل قصة الإفك في سورة النور، وأول سورة المؤمنين، أو خمس آيات، وهو كثير، أو بعض آية، مثل: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء ٩٥/ ٤] بعد قوله تعالى:
﴿لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء ٩٥/ ٤] ومثل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ، إِنْ شاءَ، إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة ٢٨/ ٩]، فإنه نزل بعد: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ، فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا﴾ [التوبة ٢٨/ ٩].
وتعددت حكمة إنزال القرآن منجما، بسبب المنهج الإلهي الذي رسم به طريق الإنزال، كما قال تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النّاسِ عَلى مُكْثٍ، وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء ١٠٦/ ١٧].
من هاتيك الحكم: تثبيت قلب النّبي ﷺ وتقوية فؤاده ليحفظه ويعيه، لأنه كان أميّا لا يقرأ ولا يكتب، قال الله تعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا:﴾
﴿لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً، كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ، وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان ٣٢/ ٢٥].
ومنها: مراعاة مقتضيات التدرّج في التشريع، وتربية الجماعة، ونقلها على مراحل من حالة إلى حالة أحسن من سابقتها، وإسبال الرحمة الإلهية على العباد، فإنّهم كانوا في الجاهلية في إباحية مطلقة، فلو نزّل عليهم القرآن دفعة واحدة، لعسر عليهم التكليف، فنفروا من التطبيق للأوامر والنواهي.
[ ١ / ١٦ ]
أخرج البخاري عن عائشة ﵂ قالت: «إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل، فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام، نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا ندع الخمر أبدا، ولو نزل: لا تزنوا، لقالوا: لا ندع الزنا» (^١).
ومنها: ربط نشاط الجماعة بالوحي الإلهي: إذ إن اتصال الوحي بالنّبي ﷺ يساعده على الصبر والمصابرة، وتحمل المشاق والمصاعب وأنواع الأذى التي كابدها من المشركين، كما أنه وسيلة لتقوية العقيدة في نفوس الذين أسلموا، فإذا نزل الوحي علاجا لمشكلة، تأكد صدق النّبي ﷺ في دعوته، وإذا أحجم النّبي عن جواب مسألة، ثم جاءه الوحي، أيقن المؤمنون بصدق الإيمان واطمأنوا إلى سلامة العقيدة، وأمان الدّرب الذي سلكوه، وزادت ثقتهم بالغايات والوعود المنتظرة التي وعدهم الله بها: إما بالنصر على الأعداء أو المشركين في الدنيا، وإما بالفوز بالجنة والرضا الإلهي، وتعذيب الكفار في نار جهنم.