سورة البقرة أطول سورة في القرآن، وهي مدنية، قال عكرمة: «أول سورة أنزلت بالمدينة: سورة البقرة» (^١). وتعنى كغيرها من السور المدنية بالتشريع المنظم لحياة المسلمين في المجتمع الجديد بالمدينة، مجتمع الدين والدولة معا، فلا ينفصل أحدهما عن الآخر، وإنما هما متلازمان تلازم الجسد والروح، لذا كان التشريع المدني قائما على تأصيل العقيدة الإسلامية، ومبدؤها الإيمان بالله، وبالغيب، وبأن مصدر القرآن هو الله ﷿، والاعتقاد الجازم بما أنزل الله على رسوله وعلى الأنبياء السابقين، وبأن العمل الصالح ترجمان ذلك الإيمان، ويتمثل العمل بعقد صلة الإنسان مع ربه بواسطة الصلاة، وبتحقيق أصول التكافل الاجتماعي بواسطة الإنفاق في سبيل الله.
ويقتضي تقرير العقيدة التحدث عن صفات المؤمنين والكافرين والمنافقين، لعقد مقارنة بين أهل النجاة وبين أهل الدمار والهلاك. كما يقتضي التحدث عن قدرة الله ﷿، ببدء الخليقة وتكريم آدم أبي البشر بسجود الملائكة له، وترتيب المولى ما حدث معه وزوجه في الجنة، ثم الهبوط إلى الأرض.
_________________
(١) أسباب النزول للواحدي النيسابوري: ص ١١
[ ١ / ٦٨ ]
واستوجب التحذير الإلهي للمؤمنين التحدث في هذه السورة بما يزيد عن ثلثها عن جرائم بني إسرائيل، من الآية ٤٧ - ١٢٣، فهم كفروا بنعمة الله، ولم يقدّروا نجاتهم من فرعون، وعبدوا العجل، وطالبوا موسى ﵇ بطلبات على سبيل العناد والمكابرة والتحدي، وبالرغم من تحقيق مطالبهم المادية كفروا بآيات الله، وقتلوا الأنبياء بغير حق، ونقضوا العهود والمواثيق، فاستحقوا إنزال اللعنة وغضب الله عليهم، وجعلهم الله أذلاء منبوذين مطرودين من رحمته.
ثم انتقلت السورة من خطاب أهل الكتاب إلى خطاب أهل القرآن، بالتذكير بما هو مشترك بين قوم موسى وقوم محمد ﵉ من نسب إبراهيم والاتفاق على فضله، واستئصال كل مزاعم الخلاف على القبلة، وبيان الأساس الأعظم للدين وهو توحيد الألوهية، بتخصيص الخالق بالعبودية، وشكر الإله على ما أنعم به من إباحة الاستمتاع بطيبات الرزق وإباحة المحرّمات حال الضرورة، وبيان أصول البرّ في آية: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ﴾ [في البقرة ١٧٧/ ٢].
ثم أوضحت السورة أصول التشريع الإسلامي للمؤمنين به، في نطاق العبادات والمعاملات، من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت والجهاد في سبيل الله وتنظيم أحكام القتال، واعتماد الأشهر القمرية في التوقيت الديني، والإنفاق في سبيل الله، لأنه وسيلة للوقاية من الهلاك، والوصية للوالدين والأقربين، وبيان مستحقي النفقات، ومعاملة اليتامى ومخالطتهم في المعيشة، وتنظيم شؤون الأسرة في الزواج والطلاق والرضاع والعدة، والإيلاء من النساء، وعدم المؤاخذة بيمين اللغو، وتحريم السحر، والقتل بغير حق وإيجاب القصاص في القتلى، وتحريم أكل أموال الناس بالباطل، وتحريم الخمر والميسر والربا، وإتيان النساء في المحيض وفي غير مكان الحرث وإنجاب النسل، أي في الدبر.
[ ١ / ٦٩ ]
وتضمنت السورة آية عظيمة في العقيدة والأسرار الإلهية، وهي آية الكرسي، وحذرت من يوم القيامة الرهيب في آخر ما نزل من القرآن، وهي آية ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة ٢٨١/ ٢].
وتضمنت هذه السورة أطول آية في القرآن هي آية الدّين، التي أبانت أحكام الدّين من كتابة وإشهاد وشهادة وحكم النساء والرجال فيها، والرهان، ووجوب أداء الأمانة، وتحريم كتمان الشهادة.
وختمت السورة بالتذكير بالتوبة والإنابة إلى الله، وبالدعاء العظيم المشتمل على طلب اليسر والسماحة، ورفع الحرج والأغلال والآصار، وطلب النصرة على الكفار.
فالسورة كلها منهاج قويم للمؤمنين، ببيان أوصافهم، وأوصاف معارضيهم ومعاديهم من الكفار والمنافقين، وتوضيح مناهج التشريع في الحياة الخاصة والعامة، واللجوء في الخاتمة إلى الله والدعاء المستمر له في التثبيت على الإيمان، والإمداد بالإحسان والفضل الإلهي، وتحقيق النصر على أعداء الله والإنسانية.
ومن توجيهات السورة أن مناط السعادة في الدنيا والآخرة هو اتباع الدين، وأصول الدين ثلاثة: هي الإيمان بالله ورسوله، والإيمان باليوم الآخر، والعمل الصالح. والولاية العامة يجب أن تكون لأهل الإيمان والاستقامة، لكن الإكراه على الدين ممنوع.