منها ما يخص العرب في روعة بيانه وبلاغة أسلوبه وجزالة ألفاظه أو نظمه، سواء في اختيار الكلمة القرآنية أو الجملة والتركيب ونظم الكلام، ومنها ما يشمل العرب وغيرهم من عقلاء الناس بالإخبار عن المغيبات في المستقبل، وعن الماضي البعيد من عهد آدم ﵇ إلى مبعث محمد ﷺ، وبالتشريع المحكم الشامل لكل شؤون الحياة العامة والخاصة. وأكتفي هنا بإيجاز مظاهر الإعجاز وهي عشرة كما ذكر القرطبي (^١):
أ-النظم البديع المخالف لكل نظم معهود في لسان العرب وفي غيره، لأن نظمه ليس من نظم الشعر في شيء.
_________________
(١) تفسير القرطبي: ٧٣/ ١ - ٧٥، وانظر دلائل الإعجاز في علم المعاني، للإمام عبد القاهر الجرجاني: ص ٢٩٤ وما بعدها، إعجاز القرآن للباقلاني: ص ٣٣ - ٤٧، إعجاز القرآن للرافعي: ص ٢٣٨ - ٢٩٠، تفسير المنار: ١٩٨/ ١ - ٢١٥
[ ١ / ٣٠ ]
٢ - الأسلوب المخالف لجميع أساليب العرب.
٣ - الجزالة التي لا تصح من مخلوق بحال، وتأمل ذلك في سورة ﴿ق، وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ وقوله سبحانه: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ إلى آخر سورة الزمر، وكذلك قوله سبحانه: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ غافِلًا عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ﴾ إلى آخر سورة [إبراهيم ٤٢/ ١٤].
٤ - التصرف في لسان العرب على وجه لا يستقل به عربي، حتى يقع منهم الاتفاق من جميعهم على إصابته في وضع كل كلمة وحرف موضعه.
٥ - الإخبار عن الأمور التي تقدمت في أول الدنيا إلى وقت نزوله على قلب النّبي الأمي ﷺ، فأخبر بما كان من قصص الأنبياء مع أممها، والقرون الخالية في دهرها، وذكر ما سأله أهل الكتاب عنه، وتحدوه به من قصة أهل الكهف، وشأن موسى والخضر ﵉، وحال ذي القرنين، فجاءهم النبي ﷺوهو أمي من أمة أمية، ليس لها بذلك علم، بما عرفوا من الكتب السالفة، فتحققوا صدقه.
٦ - الوفاء بالوعد، المدرك بالحس في العيان، في كل ما وعد الله سبحانه، وينقسم: إلى أخباره المطلقة، كوعده بنصر رسوله ﵇، وإخراج الذين أخرجوه من وطنه. وإلى وعد مقيد بشرطه، كقوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق ٣/ ٦٥] و﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن ١١/ ٦٤] و﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق ٢/ ٦٥] و﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال ٦٥/ ٨] وشبه ذلك.
٧ - الإخبار عن المغيبات في المستقبل التي لا يطلع عليها إلا بالوحي، ولا يقدر عليه البشر، ولا سبيل لهم إليه، من ذلك ما وعد الله تعالى نبيه ﵇ أنه سيظهر دينه على الأديان، بقوله ﷿: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ
[ ١ / ٣١ ]
بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ، لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة ٣٣/ ٩]، ففعل ذلك. ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا: سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ، وَبِئْسَ الْمِهادُ﴾ [آل عمران ١٢/ ٣]. ومنه قوله تعالى: ﴿الم. غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ، وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ، سَيَغْلِبُونَ. فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم ١/ ٣٠ - ٣].
فهذه كلها أخبار عن الغيوب التي لا يقف عليها إلا رب العالمين، أو من أوقفه عليها رب العالمين، وقد عجز الزمان عن إبطال شيء منها، سواء في الخلق والإيجاد أم في بيان أخبار الأمم، أم في وضع التشريع السوي لكل الأمم، أم في توضيح كثير من المسائل العلمية والتاريخية، مثل ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ [الحجر ٢٢/ ١٥] وآية ﴿أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقًا﴾ [الأنبياء ٣٠/ ٢١]، وآية ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ﴾ [الذاريات ٤٩/ ٥١] وآية ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ﴾ [الحجر ١٩/ ١٥] وآية إثبات كروية الأرض: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ [الزمر ٥/ ٣٩] والتكوير: اللف على الجسم المستدير. واختلاف مطالع الشمس في آية ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾ إلى قوله ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس ٣٨/ ٣٦ - ٤٠].
٨ - ما تضمنه القرآن من العلم الذي هو قوام جميع الأنام، في الحلال والحرام، وفي سائر الأحكام، فهو يشتمل على العلوم الإلهية، وأصول العقائد الدينية وأحكام العبادات، وقوانين الفضائل والآداب، وقواعد التشريع السياسي والمدني والاجتماعي الموافقة لكل زمان ومكان.
٩ - الحكم البالغة التي لم تجر العادة بأن تصدر في كثرتها وشرفها من آدمي.
١٠ - التناسب في جميع ما تضمنه القرآن ظاهرا وباطنا، من غير اختلاف،
[ ١ / ٣٢ ]
قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ، لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء ٨٢/ ٤].
يظهر من بيان هذه الأوجه في إعجاز القرآن أنها تشمل الأسلوب والمعنى.
أما خصائص الأسلوب فهي أربعة:
الأولى-النسق البديع والنظم الغريب، والوزن العجيب المتميز عن جميع كلام العرب، شعرا ونثرا وخطابة.
الثانية-السمو المتناهي في جمال اللفظ، ورقة الصياغة، وروعة التعبير.
الثالثة-التآلف الصوتي في نظم الحروف ورصفها، وترتيبها، وصياغتها، وإيحاءاتها، بحيث تصلح خطابا لكل الناس على اختلاف المستويات الفكرية والثقافية، مع تسهيل سبيلها وحفظها لمن أراد، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر ١٧/ ٥٤].
الرابعة-تناسب اللفظ والمعنى، وجزالة اللفظ وإيفاء المعنى، ومناسبة التعبير للمقصود، والإيجاز والقصد دون أي تزيّد، وترسيخ المعاني بصور فنية محسوسة تكاد تلمسها، وتتفاعل معها، بالرغم من تكرارها بصورة جذابة فريدة.