اختلف العلماء في البسملة، أهي آية من الفاتحة وغيرها من السور أم لا؟ على ثلاثة أقوال:
فقال المالكية والحنفية: ليست البسملة بآية من الفاتحة ولا غيرها، إلا من سورة النمل في أثنائها،
لحديث أنس ﵁ قال: «صليت مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان ﵃، فلم أسمع أحدا منهم،
_________________
(١) وأما حديث «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم أقطع» فهو ضعيف، رواه عبد القادر الرهاوي في الأربعين عن أبي هريرة.
[ ١ / ٤٦ ]
يقرأ: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾» (^١) أي أن أهل المدينة كانوا لا يقرءون البسملة في صلاتهم في مسجد المدينة، إلا أن الحنفية قالوا: يقرأ المنفرد: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾، مع الفاتحة، في كل ركعة سرا، فهي قرآن، لكنها ليست بعض السورة، وإنما هي للفصل بين السور. وقال المالكية: لا يقرؤها في الصلاة المكتوبة، جهرا كانت أو سرا، لا في الفاتحة، ولا في غيرها من السور، ويجوز قراءتها في النافلة. وقال القرطبي: الصحيح من هذه الأقوال قول مالك، لأن القرآن لا يثبت بأخبار الآحاد، وإنما طريقه التواتر القطعي الذي لا يختلف فيه (^٢)، لكن هذا غير ظاهر، لأنه ليس بلازم تواتر كل آية.
وقال عبد الله بن المبارك: إنها آية من كل سورة،
لما رواه مسلم عن أنس قال: بينا رسول الله ﷺ ذات يوم بين أظهرنا إذا أغفى إغفاءة، ثم رفع رأسه متبسما، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: «نزلت علي آنفا سورة» فقرأ: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. إِنّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ. فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ. إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر ١/ ١٠٩ - ٣ -].
وقال الشافعية والحنابلة: البسملة آية من الفاتحة، يجب قراءتها في الصلاة، إلا أن الحنابلة قالوا كالحنفية: يقرأ بها سرا، ولا يجهر بها. وقال الشافعية: يسرّ بها في الصلاة السرية، ويجهر بها في الصلاة الجهرية، كما يجهر في سائر الفاتحة.
ودليلهم على كونها آية في الفاتحة:
ما رواه الدارقطني عن أبي هريرة عن النّبي ﷺ قال: «إذا قرأتم: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾، فاقرؤوا ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾، إنها أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني، و﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ أحد آياتها» وإسناده صحيح.
_________________
(١) رواه مسلم وأحمد.
(٢) تفسير القرطبي: ٩٣/ ١
[ ١ / ٤٧ ]
ودليل الجهر بها لدى الشافعية:
ما روى ابن عباس ﵄ «أن النّبي ﷺ جهر ب ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾» (^١) ولأنها تقرأ على أنها آية من القرآن، بدليل أنها تقرأ بعد التعوذ، فكان سنتها الجهر كسائر الفاتحة.
وتردد قول الشافعي في كون البسملة آية في سائر السور، فمرة قال: هي آية من كل سورة، ومرة قال: ليست بآية إلا في الفاتحة وحدها، والأصح أنها آية من كل سورة كالفاتحة، بدليل اتفاق الصحابة على كتبها في أوائل كل سورة، ما عدا سورة براءة، مع العلم بأنهم كانوا لا يكتبون في المصاحف ما ليس من القرآن. وبغض النظر عن الخلاف الفقهي السابق، اتفقت الأمة على أن البسملة آية في سورة النمل، وعلى جواز كتب البسملة في أول كل كتاب من كتب العلم والرسائل، فإن كان الكتاب ديوان شعر فمنعه الشعبي والزهري، وأجازه سعيد بن جبير وأكثر المتأخرين (^٢).