ذكر الله تعالى قصة الحكم بين المزارع والراعي، ثم ذكر النعم الجليلة المختصة بكل من داود وسليمان.
أما قصة الحكم كما قال أكثر المفسرين وكما ذكر الرازي: فهي أن راعي غنم رعت غنمه زرع فلاح ليلا، فاحتكما إلى داود ﵇، فحكم بالغنم لصاحب الحرث (الزرع) فقال سليمان-وهو ابن إحدى عشرة سنة-: غير هذا أرفق بهما، وأمر بتسليم الغنم إلى أهل الحرث، فينتفعون بألبانها وأولادها وأشعارها، وتسليم
[ ١٧ / ٩٨ ]
الحرث إلى أرباب الغنم، يتعهدونه بالمطلوب، حتى يعود إلى ما كان، ثم يترادّان. وكان حكمهما باجتهاد.
والحكم في شرعنا في رأي الإمام الشافعي: وجوب ضمان المتلف بالليل، إذ المعتاد ضبط الدواب ليلا، وكذلك قضى النبي ﷺ لما دخلت ناقة البراء حائطا (بستانا) وأفسدته،
فقال: «على أهل الأموال حفظها بالنهار، وعلى أهل الماشية حفظها بالليل» (^١).
وفي رأي الإمام أبي حنيفة: لا ضمان إلا أن يكون معها حافظ حارس؛
لقوله ﷺ: «جرح العجماء جبار» (^٢) أي أن ما تتلفه البهيمة هدر لا ضمان فيه.
أما النص القرآني في هذا الحكم فهو:
﴿وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ.﴾. أي واذكر أيها الرسول قصة داود وسليمان حينما حكما في زرع رعته ليلا غنم لآخرين، وكان الله عليما شاهدا بما حكم به داود وسليمان، لا تخفى عليه خافية.
ولكنه تعالى أفهم سليمان القضية والحكومة والفتوى الصحيحة الراجحة فكان رأيه هو الأصوب، مع أنه سبحانه آتى كلا من داود وسليمان النبوة وحسن الفصل في الخصومات والعلم والفهم والإدراك السليم للأمور، مما يدل على إقرار الحكمين في الجملة، وعلى أن خطأ المجتهد لا يقدح فيه، وإن كان الصواب واحدا، وهو ما قضى به سليمان، ودل قوله: ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ﴾ على إظهار ما تفضل الله عليه به في صغره.
_________________
(١) رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه عن حرام بن سعد بن محيّصة.
(٢) نص الحديث «العجماء جرحها جبار» رواه الجماعة (أحمد وأصحاب الكتب الستة) عن أبي هريرة ﵁.
[ ١٧ / ٩٩ ]
قال ابن العربي: لم يرد إذ جمعها في القول اجتماعهما في الحكم، فإن حاكمين على حكم واحد لا يجوز، وإنما حكم كل واحد منهما على انفراد بحكم، وكان سليمان هو الفاهم لها (^١).
أما نعم الله على داود ﵇ فهي:
١ - ﴿وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ، وَكُنّا فاعِلِينَ﴾ أي وسخر أي ذلل الله الجبال والطيور مسبحات مقدّسات الله مع داود لطيب صوته بتلاوة كتابه الزبور، وكان إذا ترنم به تقف الطير في الهواء فتجاوبه، وترد عليه الجبال تسبيحا، فيكون ذلك أكثر تأثيرا في مشاعره وعواطفه، فيستديم في التسبيح،
وقد وصف النبي ﷺ صوت أبي موسى الأشعري حين استمع لقراءته القرآن فقال فيما رواه أحمد والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة، والنسائي عن عائشة: «لقد أوتي مزمارا من مزامير آل داود».
وقدمت الجبال على الطير؛ لأن تسخيرها وتسبيحها أعجب وأدل على القدرة الإلهية، وأروع في الإعجاز؛ لأنها جماد، والطير حيوان إلا أنه غير ناطق.
ونطق الجبال والطير بأن يخلق الله فيها الكلام، كما خلقه في الشجرة حين كلم موسى ﵇، فإذا ذكر داود ربه ذكرت الجبال والطير ربها معه، لذا قال تعالى:
﴿وَكُنّا فاعِلِينَ﴾ أي قادرين على أن نفعل هذا، وإن كان عجبا عندكم.
ونظير الآية: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ، وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء ٤٤/ ١٧].
_________________
(١) أحكام القرآن: ١١٥٤/ ٣
[ ١٧ / ١٠٠ ]
٢ - ﴿وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ، فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ﴾ أي وعلمنا داود صناعة الدروع لباسا لكم، وكانت الدروع قبله صفائح وهو أول من جعلها حلقا، كما قال تعالى: ﴿وَأَلَنّا لَهُ الْحَدِيدَ أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ، وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ [سبأ ١١/ ٣٤] أي لا توسع الحلقة ولا تغلظ المسمار. وذلك لتحميكم وتمنعكم وتحرسكم من شدة الحرب في القتال من جرح وقتل وضرب، فهل أنتم شاكرون نعم الله عليكم بتعليمه داود ذلك من أجلكم؟ وهذا استفهام معناه الأمر للمبالغة والتقريع، أي اشكروا الله على هذه الصنعة. والبأس: الحرب.
وفيه دلالة على أن أول من عمل الدرع داود ﵇، ثم تعلم الناس منه، وتوارثوا الصنعة عنه، فعمّت النعمة كل المحاربين إلى آخر الدهر.
وأما نعم الله على سليمان ﵇ فهي كما قال قتادة: ورّث الله تعالى سليمان من داود ملكه ونبوته، وزاده أمرين: سخر له الريح والشياطين، فقال.
١ - ﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً.﴾. أي وسخرنا لسليمان الريح العاصفة الشديد السرعة والهبوب، وجعلناها طائعة منقادة له، مع كونها في نفسها رخاء أيضا أي لطيفة لينة، فهي تجري بأمره، وتخضع لحكمه، وتنقله إلى أجزاء الأرض المقدسة المباركة، وهي أرض الشام، فيخرج مع صحبه في الغداة حيث شاؤوا، ثم يرجعون في يومهم إلى منزله، أي أن تلك الريح كانت جامعة بين الأمرين: رخاء في نفسها، وعاصفة في عملها، مع طاعتها لسليمان ﵇ وهبوبها على حسب ما يريد.
﴿وَكُنّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ﴾ أي وكان الله عالما بكل شيء وعالما بتدبيره، فما آتاه الملك والنبوة، وما سخر له الريح بأمره إلا لعلمه بما فيه الحكمة والمصلحة
[ ١٧ / ١٠١ ]
والاستحقاق، فيشكر هو وقومه المنعم عليهم، ويعرفوا هذه المعجزات الظاهرة.
روي أنه كان له بساط من خشب، يوضع عليه كل ما يحتاجه من أمور المملكة، كالخيل والجمال والخيام والجند، ثم يأمر الريح أن تحمله، فتدخل تحته، ثم تحمله وترفعه، وتسير به وتظله الطير، لتقيه الحر إلى حيث يشاء من الأرض، فينزل، وتوضع آلاته، كما قال تعالى: ﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ﴾ [ص ٣٦/ ٣٨] وقال: ﴿غُدُوُّها شَهْرٌ، وَرَواحُها شَهْرٌ﴾ [سبأ ١٢/ ٣٤] (^١).
٢ - ﴿وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ﴾ أي وسخرنا له فئة من الشياطين تغوص في أعماق البحار لاستخراج اللؤلؤ والمرجان والجواهر ونحوها، والغوص:
النزول تحت الماء.
﴿وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذلِكَ﴾ أي ويؤدون له عملا غير ذلك كبناء المدن والقصور والمحاريب والتماثيل والقدور الراسيات ونحوها، كما قال تعالى:
﴿وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنّاءٍ وَغَوّاصٍ، وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ﴾ [ص ٣٨/ ٣٨] وقال: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ﴾ [سبأ ١٣/ ٣٤] وأما الصناعات فهي مثل الطواحين والقوارير والصابون.
﴿وَكُنّا لَهُمْ حافِظِينَ﴾ أي حافظين لأعمالهم، نحرسه من أن يناله أحدهم بسوء، وقد جعلنا له سلطة مطلقة عليهم، إن شاء أطلق، وإن شاء حبس منهم من يشاء، ولهذا قال في الآية السابقة: ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ﴾.
_________________
(١) تفسير ابن كثير ١٨٧/ ٣
[ ١٧ / ١٠٢ ]