أيوب ﵇ مثل أعلى ومشهور في الصبر على المحنة والبلاء، حتى صار يضرب به المثل، فيقال: كصبر أيوب، وها هي قصته:
﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ.﴾. أي واذكر أيها الرسول للعبرة والعظة والتأسي خبر أيوب الذي أصابه البلاء في ماله وولده وجسده، حين دعا ربه، وقد مسّه الضر فقال: رب إني مسني الضر والعناء، وأنت أرحم الرحماء. وصف نفسه بما يقتضي الرحمة، ووصف ربه بغاية الرحمة، ولم يصرح بمطلوبه بطريق التلطف في السؤال، وإيمانه بأن ربه عليم به. والنداء: الدعاء.
وكان مرضه طويل الأمد، إلا أنه غير منفر للناس ولا مشوه للجسد؛ لأن الأنبياء معصومون، سالمون عن الأمراض المنفرة طبعا. وقد لازمته زوجته، وظلت تحنو عليه وتقوم بأمره.
وقد قال النبي ﷺ فيما رواه أحمد والبخاري والترمذي وابن ماجه عن سعد: «أشد الناس بلاء: الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلبا، اشتد بلاؤه».
قال الضحاك ومقاتل: بقي في البلاء سبع سنين وسبعة أشهر، وسبعة أيام، وسبع ساعات. قال ابن العربي: وهذا ممكن، ولكنه لم يصح في مدة إقامته خبر ولا في هذه القصة.
[ ١٧ / ١١٠ ]
﴿فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ﴾ أي أجبنا دعاءه، ورفعنا عنه ضره، وعافيناه.
﴿وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ أي وعوضناه عما فقد في الدنيا، فأعطيناه مثل أهله وزيادة مثل آخر، فقد ولد له من زوجته من الأولاد ضعف ما كان عنده.
﴿رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا، وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ﴾ أي أعطيناه التعويض عن المال والأهل والولد، وعافينا جسده، رحمة منا به، وتذكيرا للعابدين بالاقتداء به، والصبر كما صبر، ليثابوا كما أثيب، وحتى لا ييأس مؤمن من عفو الله ورحمته وفضله، ولا يطمع مؤمن في أنه لا يصاب بسوء أو مكروه، فالدنيا دار ابتلاء وامتحان.
وقال الزمخشري: أي لرحمتنا العابدين، وأنا نذكرهم بالإحسان، لا ننساهم، أو رحمة منا لأيوب وتذكرة لغيره من العابدين ليصبروا كما صبر، حتى يثابوا كما أثيب في الدنيا والآخرة.