﴿وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ.﴾. أي والله لقد آتينا إبراهيم رشده، أي هديناه إلى ما فيه الخير والصلاح، من قبل موسى وهارون أو من قبل النبوة، ووفقناه إلى توحيد الله، ومعاداة عبادة الأصنام؛ لأنها لا تنفع ولا تضر، ولا تسمع ولا تبصر، وما هي إلا حجر أو معدن أو خشب صنعها أبوه أمامه بالقدوم، وكنا عالمين بأنه أهل للنبوة، وجامع لمحاسن الأخلاق. والرشد: إما النبوة وإما الأهلية للخير والصلاح في الدين والدنيا.
قال القرطبي: وعلى الأول أكثر أهل التفسير.
﴿إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ: ما هذِهِ التَّماثِيلُ..؟﴾ ﴿إِذْ﴾: إما أن يتعلق بآياتنا أو برشده، أو بمحذوف، أي اذكر من أوقات رشده هذا الوقت. أي آتيناه الرشد حين أنكر على قومه عبادة الأصنام من دون الله ﷿، فقال:
ما هذه التماثيل أي الأصنام التي أنتم مقيمون على عبادتها وتعظيمها؟
[ ١٧ / ٧٣ ]
وفي هذا القول تنبيه إلى ضرورة التأمل في شأنها، وأنها لا تغني عنهم شيئا، لكنهم لم يفعلوا، وأصروا على تقليد الأسلاف دون برهان، فقالوا:
﴿قالُوا: وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ﴾ أي لا حجة لنا سوى تقليد الآباء واتباع الأسلاف، وكفى بذلك ضعفا وسذاجة، فوبخهم إبراهيم ﵇ على ما يفعلون:
﴿قالَ: لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أي قال إبراهيم لأبيه وقومه: لا فرق بينكم وبين آبائكم، فأنتم وهم في ضلال بيّن واضح، على غير منهج الحق والطريق المستقيم. وهذا تنبيه إلى أن سوء الرأي لا يغيره تقادم الزمن، ومضي الأيام.
فتعجبوا من قوله وسألوه:
﴿قالُوا: أَجِئْتَنا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللاّعِبِينَ﴾ أي ما هذا الكلام الصادر عنك، أتقوله لاعبا هازلا مازحا أم محقا جادّا فيه، فإنا لم نسمع به قبلك؟ فأجابهم إبراهيم بعد إنكاره عبادة الأصنام بما يبين الحق، ويرشد إلى الإله المستحق للعبادة:
﴿قالَ: بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ﴾ أي قال إبراهيم:
إني أتكلم بالجد والحق، لا بالهزل واللعب، فإن الرب المستحق للعبادة هو مالك السموات والأرض الذي خلقها وكونها وأنشأها من العدم، على غير مثال سابق، وهو الخالق لجميع الأشياء، وهو الرب الذي لا إله غيره.
﴿وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ أي وأنا أشهد أنه لا إله غيره، ولا رب سواه. والخلاصة: أنه أظهر لهم أنه مجدّ في إظهار الحق الذي هو التوحيد بالقول أولا وهو ما قاله، ثم بالفعل ثانيا. لذا أقسم إبراهيم الخليل قسما أسمعه بعض قومه:
[ ١٧ / ٧٤ ]
﴿وَتَاللهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ أي وو الله لأجتهدن في كسر أصنامكم، وفي إلحاق الأذى بها، بعد أن تذهبوا إلى عيدكم، وكان لهم مجمع عيد يخرجون إليه كل سنة، ثم يعودون، فيسجدون للأصنام.
وقوله: ﴿بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ أي منطلقين ذاهبين. وسمع هذا القول رجل منهم، فحفظه، ثم أخبر عنه، وشاع ذلك في جماعة، وعليه قال تعالى:
﴿قالُوا: سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ [الأنبياء ٦٠/ ٢١].
ولم يخرج إبراهيم معهم معتذرا بأنه سقيم، وصمم على تنفيذ خطته عمليا، لعلهم يتركون عبادة الأصنام، حينما يتأملون أنها لا تستطيع دفع الأذى عن نفسها، والبرهان العملي أوقع في النفس، وأدعى إلى التأمل، وأشد صدمة للذهن.
﴿فَجَعَلَهُمْ جُذاذًا إِلاّ كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ أي فلما ذهبوا دخل على الأصنام، وأمامهم الأكل، فجعلهم قطعا فتاتا وحطاما، كسرها كلها إلا الصنم الكبير عندهم لم يكسره كما قال تعالى: ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ [الصافات ٩٣/ ٣٧] لعل هؤلاء الوثنيين يرجعون إلى الكبير الذي يلجأ إليه عادة، وقد علق إبراهيم الفأس على عنقه، أو في يده، فيتبين لهم أنه عاجز لا يستطيع فعل شيء، وأنهم بعبادة الأصنام مغرورون جاهلون.