﴿وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ﴾ أي واذكر قصتهما ﴿إِذْ يَحْكُمانِ﴾ بدل مما قبله ﴿الْحَرْثِ﴾ الزرع، وقيل: كرم تدلت عناقيده ﴿نَفَشَتْ﴾ رعت ليلا بلا راع، بأن انفلتت من حظيرتها، والنفش:
الرعي ليلا. ﴿وَكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ﴾ أي حاضرين، وفيه استعمال ضمير الجمع لاثنين أو كنا شاهدين عالمين حكم الحاكمين والمتحاكمين إليهما. وكان حكم داود: أن يتملك صاحب الزرع الأغنام، وحكم سليمان: تبادل المتحاكمين الشيء المملوك لمدة سنة، فينتفع صاحب الزرع بدرّ الغنم ونسلها وصوفها إلى أن يعود الحرث كما كان بإصلاح صاحب الغنم، ثم يردها إلى صاحبها.
﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ﴾ الضمير يعود للفتوى الصادرة. وكان حكم داود وسليمان باجتهاد، ثم رجع داود إلى حكم سليمان ﴿وَكُلاًّ آتَيْنا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ أي آتينا كلا منهما حكما أي نبوة، وعلما بأمور الدين.
﴿يُسَبِّحْنَ﴾ يقدسن الله معه، إما بلسان الحال، أو بصوت يتمثل له، أو بخلق الله فيها صوتا بلغة معينة. ﴿وَالطَّيْرَ﴾ أي وكذلك سخرنا الطير له للتسبيح معه، بأمره به في وقت الراحة ﴿وَكُنّا فاعِلِينَ﴾ أي تسخير التسبيح معه، فكنا فاعلين لأمثاله، فليس ببدع منا، وإن كان عجبا عندكم أي مجاوبة الجبال والطير لسيدها داود ﴿صَنْعَةَ لَبُوسٍ﴾ المراد هنا الدروع؛ لأنها تلبس، وهو أول من صنعها، وكان قبلها صفائح. واللبوس في الأصل: السلاح بأنواعه ﴿لَكُمْ﴾ متعلق بقوله ﴿وَعَلَّمْناهُ﴾ أو متعلق بصفة للبوس. ﴿لِتُحْصِنَكُمْ﴾ لتحميكم وتمنعكم وتصونكم الصنعة ﴿مِنْ بَأْسِكُمْ﴾ بدل اشتمال بإعادة الجار، وبأسكم: حربكم مع أعدائكم، البأس: الحرب ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ﴾ يا أهل مكة ﴿شاكِرُونَ﴾ نعمتي، بتصديق الرسول، فإن شكركم لي يكون بذلك. وقوله ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ﴾؟ أمر في صورة الاستفهام للمبالغة والتقريع.
﴿وَلِسُلَيْمانَ﴾ أي وسخرنا له ﴿الرِّيحَ عاصِفَةً﴾ الريح العاصف: هي الشديدة الهبوب.
وكانت رخاء أي لينة خفيفة في نفسها طيبة، كما جاء في آية أخرى، فقد جمعت بين الوصفين، فهي لينة طيبة، وتسرع في جريها كالعاصف ﴿إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ هي الشام
[ ١٧ / ٩٧ ]
﴿وَكُنّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ﴾ أي نعلم بكل شيء، فنجزيه على ما تقتضيه الحكمة، وقد علم الله تعالى بأن ما يعطيه سليمان يدعوه للخضوع لربه.
﴿وَمِنَ الشَّياطِينِ﴾ أي وسخرنا له ﴿مِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ﴾ أي يدخلون في البحر، فيخرجون منه الجواهر لسليمان، والغوص: النزول إلى أعماق البحار لاستخراج اللؤلؤ.
﴿وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذلِكَ﴾ أي سوى الغوص أو غيره، كبناء المدن والقصور واختراع الصائع الغريبة، كقوله تعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ﴾ [سبأ ١٣/ ٣٤]. ﴿وَكُنّا لَهُمْ حافِظِينَ﴾ أن يزيغوا عن أمره، أو يفسدوا ما عملوا؛ لأنهم كانوا إذا فرغوا من عمل أفسدوه إن لم يشتغلوا بغيره.