أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١ - الإنذار الشديد الأكيد لأهل الكفر والعصيان الذين أنكروا النبوات بحال أهل القرى الظالمة الكافرة، حيث دمرها الله تعالى تدميرا شديدا بمن فيها، لظلمهم، والظلم: وضع الشيء في غير موضعه، وهم وضعوا الكفر موضع الإيمان.
٢ - عند دنوّ العذاب تقع الحيرة والاضطراب، وتحدث محاولات الفرار من
[ ١٧ / ٢٨ ]
القرية، فيركض أهلها هاربين منها، والركض: العدو بشدة الوط ء، فتناديهم الملائكة استهزاء: لا تركضوا ولا تفرّوا، وارجعوا إلى مواطن الترف والنعم التي كانت سبب بطركم، لعلكم تسألون شيئا من دنياكم، استهزاء بهم.
ولما قالت لهم الملائكة: ﴿لا تَرْكُضُوا﴾ ونادت: يا لثارات الأنباء! ولم يروا شخصا يكلمهم، عرفوا أن الله ﷿ هو الذي سلط عليهم عدوهم، بقتلهم النبي الذي بعث فيهم، فقالوا: ﴿يا وَيْلَنا إِنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ وهذا اعتراف منهم بأنهم ظلموا، حين لا ينفع الاعتراف.
وما زالوا يقولون: ﴿يا وَيْلَنا إِنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ حتى أصبحوا أثرا بعد عين، وجثثا هامدة لا حراك فيها، وتم استئصالهم، وحصدوا بالسيوف كما يحصد الزرع بالمنجل، وصاروا خامدين ميتين.
٣ - لما بيّن الله تعالى إهلاك أهل القرية لأجل تكذيبهم، أتبعه بما يدل على أنه فعل ذلك عدلا منه، ومجازاة على ما فعلوا، وهو خلق السموات والأرض بالعدل والقسط: ﴿ما خَلَقْناهُما إِلاّ بِالْحَقِّ﴾ [الدخان ٣٩/ ٤٤] فهو تعالى خلقها لفوائد دينية ودنيوية، أما الدينية: فليتفكر المتفكرون فيها، كما قال تعالى:
﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران ١٩١/ ٣] وأما الدنيوية: فلما يتعلق بها من المنافع التي لا تعدّ ولا تحصى.
وبما أن خلق السموات والأرض حق لا لعب فيه، فإن المعجزات التي ظهرت على يد النبي ﷺ هي حق أيضا لا لعب فيها، تقرر صحة نبوته، وترد على منكريها.
٤ - إن خلق السموات والأرض للتنبيه على أن لها خالقا قادرا يجب امتثال أمره، وأنه يجازي المسيء والمحسن، وليس خلقها ليظلم بعض الناس بعضا،
[ ١٧ / ٢٩ ]
ويكفر بعضهم، ويخالف بعضهم ما أمر به، ثم يموتوا ولا يجازوا، فذلك هو اللعب بعينه.
٥ - تعالى الله وتقدس وتنزه عن اتخاذ الزوجة والولد، فذلك من اللهو، ولو أراد الله أن يتخذ لهوا من زوجة أو ولد لاتخذه من عنده لا من عند الناس.
وهذا رد واضح على من قال: المسيح أو عزير ابن الله، والأصنام أو الملائكة بنات الله تعالى.
٦ - يبين الله تعالى الحق ومنهجه لدحر الباطل وزخارفه، والحق هنا:
القرآن، والباطل: الشيطان وكذب الكفار ووصفهم الله ﷿ بغير صفاته من الولد وغيره. وللكفار الويل، أي العذاب في الآخرة بسبب وصفهم الرب بما لا يجوز وصفه وهو اتخاذه سبحانه الولد.
٧ - إذا كان كل من في السموات والأرض لله خلقا وملكا، فكيف يجوز أن يشرك به ما هو عبده وخلقه؟! وأما الملائكة الذين ذكر المشركون أنهم بنات الله فلا يأنفون عن عبادة الله والتذلل له، ولا يعيون ولا يتعبون ولا يملون، وهم دائما في الليل والنهار يصلون ويذكرون الله وينزهونه دائما، لا يضعفون ولا يسأمون، يلهمون التسبيح والتقديس كما يلهمون النّفس. سئل كعب عن تسبيح الملائكة: أما لهم شغل عن التسبيح، أما يشغلهم عنه شيء؟ فقال: يا بان أخي، هل يشغلك شيء عن النّفس؟ إن التسبيح لهم بمنزلة النفس. وقد استدل بهذا من قال: إن الملائكة أفضل من بني آدم (^١).
وهذا دليل على استغناء الله تعالى عن طاعة الكفار؛ لأنه هو المالك لجميع
_________________
(١) تفسير القرطبي: ٢٧٨/ ١١
[ ١٧ / ٣٠ ]
المخلوقات، وإنما فائدة الطاعة تعود على الطائعين أنفسهم، فأجدر بهم أن يطيعوه، وأولى بهم أن يعبدوه، بل يجب عليهم طاعته والانقياد لحكمه؛ لأن كل المكلفين في السماء والأرض عبيده، وهو الخالق لهم، والمنعم عليهم بأصناف النعم.