لقد طاشت سهام قوم إبراهيم حينما رأوا أصنامهم مكسّرة، بعد أن رجعوا من عيدهم، فقالوا على جهة البحث والإنكار: ﴿مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾. وهذا أمر متوقع، قدّره إبراهيم ﵇.
كما أنه قدر أنهم سيعرفون أنه هو المتهم بالتكسير، لحملته السابقة بالقول والنكير، وتسفيه الأحلام والعقول، وانتقاده اللاذع لعبادة الأصنام التي لا تضر ولا تنفع، ودعوته إلى عبادة الله الواحد الأحد الذي يمنح ويمنع، ويضر وينفع.
ولما بلغ الخبر نمروذ وأشراف قومه، أرادوا إثبات التهمة عليه بالبينة، فقالوا: ائتوا به على مرأى ومسمع من الناس، ليشهدوا عليه بما يقول، ليكون ذلك حجة عليه.
وفي هذا دليل على أنه ما كان يؤخذ أحد بدعوى أحد، وهكذا الأمر في شرعنا، وكل الشرائع.
ولكنهم ما أدركوا أن تلك المواجهة مع إبراهيم ﵇ أمام الناس في غير صالحهم، فقد كان إبراهيم قوي الحجة، وأراد تنبيه الأفكار إلى عبث عبادتهم، وقلة عقلهم، وكثرة جهلهم، فسألوه عمن فعل تلك الفعلة، فأجابهم بأن الفاعل هو كبيرهم، تعريضا بأن عبادتهم له وتعظيمهم إياه سبب للغيظ والغضب، مما حمله على تكسيرها، وتنبيها لهم بأن من لا يتكلم ولا يعلم لا يستحق أن يعبد، وكان قوله من المعاريض، وفي المعاريض مندوحة عن الكذب،
قال ﷺ فيما
[ ١٧ / ٨١ ]
رواه ابن عدي والبيهقي عن عمران بن حصين وهو ضعيف: «إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب»
وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال:
«إن إبراهيم ﵇ لم يكذب غير ثلاث: ثنتين في ذات الله قوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا﴾ وقوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾. وواحدة في شأن سارة إذ قال:
لسارة أختي، وذلك ليدفع بقوله مكروها».
ثم قال إبراهيم: سلوهم إن نطقوا، فإنهم يصدقون، وإن لم يكونوا ينطقون فليس هو الفاعل. ويتضمن هذا الكلام اعترافا بأنه هو الفاعل.
فقد احتج عليهم بأمرين: الأول: قوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا﴾ وشأن الكبير حماية الأتباع والصغار، أو لأنه غضب أن تعبد معه هذه الصغار، فكسرها.
والثاني: ﴿فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ﴾ ليقولوا: إنهم لا ينطقون ولا ينفعون ولا يضرون، فيقول لهم: فلم تعبدونهم؟ فتقوم عليهم الحجة منهم.
ولما ألزمهم بحجته أقروا بأنهم هم الظالمون بعبادة من لا ينطق بكلمة، ولا يملك لنفسه شيئا، فكيف ينفع عابديه، ويدفع عنهم البأس من لا يرد عن رأسه الفأس، ثم عادوا لجهلهم وعنادهم، فقالوا: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾.
-٣ -