الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
فأولًا: إظهار فساد عقائد المشركين:
المشركون أشركوا مع الله آلهة أخرى في العبادة، فنهاهم الله عن ذلك، قال تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: ٢٢). عن ابن عباس قال: "الأنداد هو الشرك، أخفى من دبيب النمل على صَفاة سوداء، في ظلمة الليل، وهو أن تقول: والله، وحياتك يا فلان، وحياتي، ويقول: لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص البارحة، ولولا البط في الدار لأتى اللصوص، وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت، وقول الرجل: لولا الله وفلان".
وفي الحديث: «نعم القوم أنتم لولا أنكم تُنَدِّدون -أي: تجعلون لله أندادًا- تقولون: ما شاء الله وشاء فلان» بإسناد حسن.
عن الحارث الأشعري أن نبي الله -ﷺ- قال: «إن الله -﷿- أمر يحيى بن زكريا -﵇- بخمس كلمات أن يعمل بهن، وأن يأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن؛ أولهن: أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، فإن مثل ذلك مثل رجل اشترى عبدًا مِن خالص ماله بورق -يعني بفضة- أو ذهب، فجعل يعمل ويؤدي غلته إلى غير سيده، فأيكم يَسُره أن يكون عبده كذلك، وإن الله خلقكم ورزقكم فاعبدوه ولا تشركوا به شيئًا » إلى آخر الحديث.
- المشركون لا يمتثلون لأوامر الله:
المشركون لم يوحدوا الله -﷾- في العبادة، فهذا هو ملك بابل نمروذ بن كنعان طلب من إبراهيم -﵇- دليلًا على وجود الرب الذي يدعو إليه، فقال إبراهيم -﵇-: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ عندئذ قال النمروذ: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ بمعنى
[ ١٤٧ ]
أن أوتي بالرجلين استحقا القتل، فآمر بقتل أحدهما فيُقتل وآمر بالعفو عن الآخر فلا يقتل، فذلك معنى الإحياء والإماتة.
والظاهر -والله أعلم- أنه ما أراد هذا؛ لأنه ليس جوابًا لما قال إبراهيم، ولا في معناه؛ لأنه غير مانع لوجود الصانع، وإنما أراد أن يدعي لنفسه هذا المقام عنادًا ومكابرة، ويوهم أنه الفاعل لذلك وأنه هو الذي يحيي ويميت، كما اقتدى به فرعون في قوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ (القصص: ٣٨).
ولهذا قال له إبراهيم -﵇- لما ادعى هذه المكابرة: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾، أي: إذا كنت كما تدعي من أنك تحيي وتميت، فالذي يحيي ويميت هو الذي يتصرف في الوجود، في خلق ذواته وتسخير كواكبه وحركاته، فهذه الشمس تبدو كل يوم من المشرق، فإن كنت إلهًا كما ادعيت أنك تحيي وتميت فأت بها من المغرب، فلما علم عجزه وانقطاعه وأنه لا يقدر على المكابرة في هذا المقام بُهت، وأصبح لا يستطيع أن يتكلم وقامت عليه الحجة، ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، أي: لا يلهمهم حجة ولا برهانًا، بل حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد.
بيّن الله هذا في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (البقرة: ٢٥٨).
المشرك إن مات على شركه لا يغفر الله له. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ (النساء: ٤٨).
[ ١٤٨ ]
وعن أنس بن مالك عن النبي -ﷺ- قال: «الظلم ثلاثة: فظلم لا يغفره الله، وظلم يغفره الله، وظلم لا يتركه الله؛ فأما الظلم الذي لا يغفره الله فالشرك، وأما الظلم الذي يغفره الله فظلم العباد لأنفسهم فيما بينهم وبين ربهم، وأما الظلم الذي لا يتركه فظلم العباد بعضهم بعضًا، حتى يدين -أي: يقتص- أو يجازي لبعضهم من بعض»
- الشرك بالله دليل ضعف عقول المشركين:
قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (الأعراف: ١٨٩، ١٩٠).
يخبر الله تعالى أنه خلق جميع الناس من آدم -﵇- وأنه خلق منه زوجه حواء، وجعل منها زوجها ليألفها ويسكن بها، فلا ألفة بين روحين أعظم مما بين الزوجين، ولهذا ذكر تعالى أن الساحر ربما توصل بكيده إلى التفرقة بين المرء وزوجه.
يخبر الله -﷾- أن ذلك الرجل لما وطئ زوجته وجامعها حملت حملًا خفيفًا، وذلك أول الحمل، لا تشعر المرأة بثقل الحمل في بدايته، فالمرأة لا تجد له ألمًا لأن ما حملته النطفة، النطفة يعني قليلة، ثم العلقة ثم المضغة. ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ أي: استمرت به، أي: استمرت بالحمل. فلما صارت ذات ثقل، يعني: أصبح الحمل ثقيلًا دعوا الله ربهما لئن آتيتنا يا رب بشرًا سويًا لنكونن من الشاكرين.
﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أنكر
[ ١٤٩ ]
الله سبحانه على المشركين الذين عبدوا مع الله غيره من الأنداد والأصنام والأوثان، وهي مخلوقة لله مربوبة مصنوعة، لا تملك شيئًا من الأمر ولا تضر ولا تنفع ولا تنتصر لعابديها، بل هي جماد لا تتحرك ولا تسمع ولا تبصر، وعابدوها أكمل منهم -أكمل من الأصنام التي يعبدونها- بسمعهم وبصرهم وبطشهم.
ولهذا قال تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ (الأعراف: ١٩١) أي: أتشركون به مِن المعبودات -التي هي الأصنام- ما لا يخلق شيئًا ولا يستطيع ذلك، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ * مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج: ٧٣، ٧٤).
معنى هذا: أن الله أخبر أنه لو اجتمعت آلهتهم كلها ما استطاعوا خلق ذبابة، بل لو أَخذت الذبابة شيئًا من حقير المطاعم وطارت لما استطاعوا إنقاذ ذلك منها، فمَن هذه صفته وحاله كيف يُعبد ليرزق ويستنصر؛ ولهذا قال تعالى: ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ (النحل: ٢٠) أي: بل هم مخلوقون مصنوعون، كما قال الخليل -﵇- لقومه: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾ (الصافات: ٩٥).
ثم قال تعالى: ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا﴾ أي: لعابديهم. ﴿وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ (الأعراف: ١٩٢) يعني: ولا الأصنام تستطيع أن تنصر نفسها ممن أرادهم بسوء، يعني: إذا جاء واحد يكسر هذه الأصنام لا يستطيعون أن يمنعوه ولا أن يصدوه، كما كان الخليل -﵊- يكسر أصنام قومه ويهينها غاية الإهانة، كما أخبر تعالى عنه في قوله: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِين ِ﴾ (الصافات: ٩٣). وقال تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُون﴾ (الأنبياء: ٥٨).
[ ١٥٠ ]
وكما كان معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن جبل -﵄- وكانا شابين قد أسلما لما قدم رسول الله -ﷺ- المدينة فكانا يَعْدُوان في الليل على أصنام المشركين يكسرانها ويتلفانها، ويتخذانها حطبًا للأرامل ليعتبر قومهما بذلك.
فكان لعمرو بن الجموح -وكان سيدًا في قومه- له صنم يعبده ويُطيبه، فكانا يجيئان في الليل فينكسانه على رأسه ويلطخانه بالعذرة، فيجيء عمرو بن الجموح فيرى ما صُنع به فيغسله ويطيبه، ويضع عنده سيفًا ويقول له: انتصر، ثم يعودان إلى مثل ذلك، ويعودان إلى صنيعه أيضًا، حتى أخذاه مرة فقَرَناه -يعني: وضعاه- مع كلب ميت، ودلَّياه في حبل في بئر هناك، فلما جاء عمرو بن الجموح ورأى ذلك نظر فعلم أن ما كان عليه من الدين باطل، ثم أسلم فحسن إسلامه وقُتل يوم أُحد شهيدًا، ﵁ وأرضاه، وجعل جنة الفردوس مأواه.
قوله: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ﴾ (الأعراف: ١٩٣) يعني: أن هذه الأصنام لا تسمع دعاء من دعاها، وسواء عندها أو لديها من دعاها ومن دحاها. كما قال إبراهيم -﵇-: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ (مريم: ٤٢) ثم ذكر تعالى أن الأصنام عبيد مثل عابديها، أي: مخلوقات مثلهم، بل الناس أكمل منها؛ لأن الناس يسمعون، الناس يبصرون، يبطشون، يدافعون عن أنفسهم إذا تعرضوا للأذى، وتلك لا تفعل شيئًا من ذلك.
وقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ﴾ (الأعراف: ١٩٥) استنصِروا بهؤلاء الشركاء عليَّ فلا تؤخروني طرفة عين، واجهدوا جهدكم. ﴿إِنَّ وَلِيِّي اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ (الأعراف: ١٩٦) أي: الله حسبي وكافي هو نصيري وعليه متكلي وإليه ألجأ، وهو وليي في الدنيا والآخرة، وهو ولي كل صالح بعدي.
وهذا كما قال هود -﵇- لما قال له قومه: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِي * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (هود: ٥٤ - ٥٦).
[ ١٥١ ]
وكقول الخليل: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ * الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ (الشعراء: ٧٥ - ٧٨). وكقول إبراهيم -﵇- لأبيه وقومه: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (الزخرف: ٢٦ - ٢٨).
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ (الأعراف: ١٩٧) مؤكِّد لما تقدم إلا أنه بصيغة الخطاب وذلك بصيغة الغيبة. ولهذا قال: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ (الأعراف: ١٩٧).
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ (الأعراف: ١٩٨) كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾ (فاطر: ١٤). وقوله: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ أي: تراهم يقابلونك بعيون مصورة كأنها ناظرة وهي جماد، ولهذا عامَلهم معاملة مَن يعقل؛ لأنها على صور كالإنسان، كما قال تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ فعبر عن الأصنام بضمير من يعقل.