ثانيًا: الإجارة:
اشتقاق الإجارة من الأجر وهو العوض، قال تعالى: ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ (الكهف: ٧٧)، ومنه سمي الثواب أجرًا؛ لأن الله تعالى يعوّض العبد به على طاعته، أو يعطيه الصبر على مصيبته.
مشروعية الإجارة:
الأصل في جواز الإجارة الكتاب والسنة والإجماع:
- أمّا الكتاب: فهو قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (الطلاق: ٦)، وقال تعالى: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ * قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ (القصص: ٢٦، ٢٧).
وروى ابن ماجه في سننه عن عتبة بن الندر قال: كنّا عند رسول الله -ﷺ- فقرأ: ﴿طَس﴾ (النمل: ١) حتى إذا بلغ قصة موسى قال: «إنّ موسى -﵇- آجرَ نفسَه ثماني حجج أو عشرًا على عِفّة فرجه، وطعام بطنه» قال تعالى: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ (الكهف: ٧٧)
[ ٢٨٦ ]
هذا يدل على جواز أخذ الأجر على إقامته.
وأمّا السنة: فثبت «أنّ رسول الله -ﷺ، وأبا بكر استأجرَا رجلًا من بني الدَّيْل هاديًا خريتًا» والخريت: الماهر بالهداية، هذا الحديث أخرجه البخاري.
وروى البخاري عن أبي هريرة -﵁- أنّ رسول الله -ﷺ- قال: «قال الله -﷿-: ثلاثة أنا خَصمهم يوم القيامة: رجل أعطَى بي ثم غدر، ورجل باع حرًّا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا فاستوفَى منه ولم يوفّه أجره».
والأخبار في هذا كثيرة.
وأجمع أهل العلم في كلّ عصر وكل مصر على جواز الإجارة، إلّا ما يُحكى عن عبد الرحمن بن الأصم أنّه قال: لا يجوز ذلك؛ لأنه غرر، يعني: أنه يعقد على منافع لم تخلق، وهذا غَلَط لا يمنع انعقاد الإجماع الذي سبق في الأعصار، وصار في الأمصار، والعبرة أيضًا دالة عليها، فإن الحاجة إلى المنافع كالحاجة إلى الأعيان، فلمّا جاز العقد على الأعيان وجب أن تجوز الإجارة على المنافع، ولا يخفى ما بالناس من الحاجة إلى ذلك، فإنه ليس لكل أحد دار يملكها، ولا يقدر كل مسافر على بعير أو دابة يملكها، ولا يلزم أصحاب الأملاك إسكانهم وحملهم تطوعًا.
وكذلك أصحاب الصنايع يعملون بأجر، ولا يمكن عمل ذلك كل أحد، ولا يجد متطوعًا به، فلا بد من الإجارة لذلك، بل ذلك مما جعله الله طريقًا للرزق، حتى إنّ أكثر المكاسب بالصنائع، وما ذكره من الغرر لا يلتفت إليه، مع ما ذكرنا من الحاجة، فإن العقد على المنافع لا يمكن بعد وجودها؛ لأنها تتلف بمضي الساعات، فلا بد من العقد عليها قبل وجودها؛ كالسلم في الأعيان.
[ ٢٨٧ ]
الإجارة نوع من البيع:
والإجارة نوع من البيع؛ لأنها تمليكٌ من كل واحد منهما لصاحبه، فهي بيع المنافع، والمنافع بمنزلة الأعيان؛ لأنه يصح تمليكها في حال الحياة وبعد الموت، وتضمن باليد والائتلاف، ويكون عوضها عَيْنًا ودَيْنًا، وإنما اختصت باسم كما اختص بعض البيوع باسم؛ كالصرف والسّلَم، إذا ثبت هذا فإنها تنعقد بلفظ الإجارة والقِراء؛ لأنهما موضوعان لها.
وهل الإجارة تنعقد بلفظ البيع؟ فيه وجهان:
أحدهما: تنعقد به؛ لأنها بيع، فانعقدت بلفظه كالصرف.
والثاني: لا تنعقد به؛ لأن فيها معنًى خاصًّا، فافتقرت إلى لفظ يدل على ذلك المعنى؛ ولأن الإجارة تضاف إلى العين التي يضاف إليها البيع إضافة واحدة، فاحتيج إلى لفظٍ يعرف ويفرّق بينهما؛ كالعقود المتباينة؛ ولأنه عقد يخالف البيعَ في الحكم والاسم، فأشبه النكاح، ولا تصح الإجارة إلّا من جائز التصرف؛ لأنه عقد تمليك في الحياة، فأشبه البيع، وإذا وقعت الإجارة على مدة معلومة بأجرة معلومة، فقد ملك المستأجر المنافع، وملكت عليه الأجر كاملةً في وقت العقد، إلّا أن يشترط أجلًا.
الرهن:
الرهن في اللغة: الثبوت والدوام، يقال: ماء راهن، أي: راكد، ونعمة راهنة: أي: ثابتة دائمة، وقيل: هو من الحبس، قال الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (المدثر: ٣٨)، والرهن في الشرع: المال الذي يجعل وثيقة بالدَّيْن؛ ليستوفى من ثمنه إن تعذّر استيفاؤه ممن هو عليه.
[ ٢٨٨ ]
مشروعية الرهن:
الرهن جائز بالكتاب والسنة والإجماع:
- أمّا الكتاب: فقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (البقرة: ٢٨٣)، والرهان جمع رهن، والرهن جمع الجمع. قاله الفراء في (معاني القرآن).
وقال الزجاج: يحتمل أن يكون جمع رهن.
- وأمّا مشروعية الرهن بالسنة: فروت عائشة -﵂-: «أن رسول الله -ﷺ- اشترى طعامًا من يهودي ورهنه درعه» متفق عليه. أخرجه البخاري وأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه والإمام أحمد في (المسند).
وروى أبو هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونًا، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهونًا، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة» رواه البخاري.
وعن أبي هريرة -﵁- أنّ رسول الله -ﷺ- قال: «لا يغلق الرهن» أخرجه ابن ماجه والإمام مالك والبيهقي.
وأما الإجماع: فأجمع المسلمون على جواز الرهن في الجملة.
الرهن في الحضر:
يجوز الرهن في الحضر كما يجوز في السفر، قال ابن المنذر: لا نعلم أن أحدًا يخالف في ذلك إلّا مجاهدًا، قال: ليس الرهن إلّا في السفر؛ لأن الله تعالى شَرط السفر في الرهن، بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (البقرة: ٢٨٣).
[ ٢٨٩ ]
يقول ابن قدامة: ولنا أنّ النبي -ﷺ- اشترى من يهودي طعامًا ورهنه درعه وكان بالمدينة؛ ولأنها وثيقة تجوز في السفر فجازت في الحضر؛ كالضمان، فأما ذكر السفر فإنه خرج مخرج الغالب؛ لكون الكاتب يعدَم في السفر غالبًا، ولهذا لم يشترط عدم الكاتب، وهو مذكور معه أيضًا.
حكم الرهن:
والرهن غير واجب، لا نعلم فيه مخالفًا؛ لأنه وثيقة بالدَّين، فلم يجب كالضمان والكفاية، وقول الله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (البقرة: ٢٨٣) إرشاد لنا لا إيجاب علينا؛ بدليل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ (البقرة: ٢٨٣)؛ ولأنه أُمِرَ به عند إعواذ الكتابة، يعني: الحاجة إلى الكتابة، والكتابة غير واجبة، فكذلك بدلها يكون غير واجب.
ولا يخلو الرهن من أحوال:
أحدها: أن يقع بعد الحق، فيصح بالإجماع؛ لأنه دين ثابت تدعو الحاجة إلى أخذ الوثيقة به، فجاز أخذها به.
الحال الثاني: أن يقع الرهن مع العقد الموجب للدّين.
ما الحكم إذا تعدّى المرتهن في الرهن:
إذا تعدى المرتهن في الرهن أو فرّط في الحفظ في الرهن الذي عنده حتى يتلف، فإنه يضمن، وأما إن تلف من غير تعدٍّ منه ولا تفريط فلا ضمانَ عليه، وهو من مال الراهن. عن سعيد بن المسيب أنّ رسول الله -ﷺ- قال: «لا يغلق الرهن، لصاحبه غنمُه، وعليه غرمه».
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
[ ٢٩٠ ]