الحج عبادة معروفة، تنتظم من الإنسان قلبه وبدنه وماله، وليس ذلك لغيرها من العبادات، يقوم بها المستطيع من المسلمين في زمن معلوم، وأمكنة معلومة؛ امتثالًا لأمر الله، وابتغاء مرضاته، وتَبتدئ تلك العبادة بنية الحج خالصًا لله، مع التجرد من الثياب المخيطة، ومن صنوف الزينة والترف، وتنتهي بالطواف حول بيت الله الحرام.
[ ٢٢٩ ]
الحج قبل الإسلام:
الحج بمعنى زيارة أمكنة مخصوصة ابتغاء التقرب للإله المعبود صورة قديمة من صور العبادات، اتخذتها الشعوب والقبائل رمزًا لإجلال معبوداتهم وتقديسها، قام بها المصريون واليونانيون واليابانيون وغيرهم من الأمم القديمة إلى الهياكل المقدسة عندهم، وكانت كل أمة تتخذ في حجها ما يناسب تخيلها لعظمة معبودها، واستمرت الحال على هذا حتى هيأ الله الأمر لإبراهيم -﵇- وأمره ببناء البيت الحرام، قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (البقرة: ١٢٧).
وأمر الناس باتباع ملة إبراهيم. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (البقرة: ١٣٠).
جاء الإسلام هكذا مجددًا لدين إبراهيم -﵇، وهو الدين عند الله، فوجد القوم يحجون إلى الكعبة بما أحدثوا وغيّروا، فتركهم يحجون كما اعتادوا، وقصر الرسول -ﷺ- على الدعوة إلى إقرار التوحيد في القلوب، وإفراد الله بالعبادة والاستقامة، حتى أُخْرِج هو وصحبه من مكة موقع بيت الله الحرام، وحيل بينهم وبين القيام بفريضة الحج، وظلوا يكافحون في سبيل الله حتى تجلت منهم آثار التضحية الخالدة، وعُرف فيهم الشوق المُبَرِّح لزيارة بيت الله الحرام، الذي حُرموا النظر إليه والطواف به، فجاءتهم البشرى بأنهم سيدخلون المسجد الحرام إن شاء الله آمنين، محلقين رءوسهم ومقصرين.
وفي حرارة هذا الشوق وضوء هذه التضحية، أعاد الله عليهم ذكرى الحج، وأنزل آيات كثيرة، شرح بها أحكامه وبيّن أوقاته وآدابه، وأصح ما أفسد القوم فيه، ورده إلى عهده الأول مهد إبراهيم وإسماعيل -﵉- ومِن ذلك الحين قام المسلمون بتنفيذ فريضة الحج، الذي فرضه الله على الناس من عهد إبراهيم -﵇.
وقد تم على أيديهم تطهير البيت من هذه الأصنام، وأمر أصحاب العظمة الزائفة
[ ٢٣٠ ]
أن يقفوا مع الناس في عرفات، وأن يفيضوا من حيث أفاض الناس؛ تقريرًا لمبدأ المساواة الذي جعله الله بين عباده.
زمن الحج وحكمة اختياره:
عين الإسلام لأداء فريضة الحج أشهرًا معلومة من السنة العربية: شوال، ذو القعدة، ذو الحج، وشوال هو الشهر الذي يعقب رمضان، له في الوضع الإسلامي اعتباران قويان جديران بالتقدير والرعاية، وذلك لما لهما من أثر في استدامة التقويم الخُلقي، والتصفية الروحية، التي حصل عليها المسلم بالصيام والقيام في شهر رمضان، وأول هذين الاعتبارين أن شوال أول شهر من أشهر الحج، وثانيهما: أنه بشير بالأشهر الحرم: ذي القعدة، ذي الحجة، والمحرم.
وقد عُني القرآن الكريم بأشهر الحج عنايته بالحج، كما عني بالأشهر الحرم عنايته بتطهير النفس من المظالم، وكف العدوان والبغي، ولفت أنظار المؤمنين إلى ما لهذه الأشهر كلها من بواعث البر والتقوى، وبواعث الترفع بالنفس.
ففي أشهر الحج يقول الله: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (البقرة: ١٩٧).
حكمة الحج:
بيَّن القرآن الكريم حكمة الحج في قوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ* ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (الحج: ٢٧: ٢٩).
وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
[ ٢٣١ ]