الزكاة عبادة مالية، عُني بها الإسلام لكي يمد الغني يده إلى الفقير بما يسد حاجته، وإلى المصالح العامة بما يحققها، وهي واجبة على الغني فيما يَفْضُل عن حاجته، وحاجة من ينفق عليهم من ماله النقدي، وقِيَم أعيانه التجارية ومواشيه وثمار زرعه، بنسب معروفة عند المسلمين، يَقُوم مجموعها بحاجة الفقير ومصالحه، ولا ترهق أربابها، وزكاة النقود والتجارة تؤدى في كل عام مرة، وزكاة الزرع تؤدى في كل زرعة.
حكم الزكاة:
الزكاة ركن من أركان الإسلام الخمسة، وفرض من فروضه، وفرضت في المدينة في شوال السنة الثانية من الهجرة، بعد فرض صيام رمضان وزكاة الفطر، ولكن لا تجب على الأنبياء إجماعًا؛ لأن الزكاة طهرة لمن عساه أن يتدنس، والأنبياء مبرءون منه، ولأن ما في أيديهم ودائع لله، ولأنهم لا ملك لهم ولا يورثون أيضًا، وقرنت الزكاة بالصلاة في القرآن الكريم في اثنين وثمانين موضعًا، مما يدل على كمال الاتصال بينهما، وهي واجبة بكتاب الله تعالى وسنة رسوله -ﷺ- وإجماع الأمة.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (البقرة: ٨٣). وقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (التوبة: ١٠٣). وقوله سبحانه: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِه﴾ (الأنعام: ١٤١). وآي في القرآن الكريم سوى ذلك.
[ ٢٢٤ ]
وأما وجوب الزكاة بالسنة: فقوله -ﷺ-: «بني الإسلام على خمس» منها: إيتاء الزكاة. وعن أبي هريرة -﵁- قال: «كان رسول الله -ﷺ- ذات يوم جالسًا، فأتاه رجل فقال: يا رسول الله، ما الإسلام؟ قال: الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم شهر رمضان» أخرجه البخاري ومسلم.
وبعث النبي -ﷺ- معاذًا إلى اليمن فقال: «أعلمهم أن الله قد افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم» رواه الجماعة عن ابن عباس.
وأجمع المسلمون في جميع الأعصار على وجوب الزكاة، واتفق الصحابة -﵃- على قتال مانعيها، فمن أنكر فرضيتها كَفر وارتد إن كان مسلمًا، ناشئًا ببلاد الإسلام بين أهل العلم، وتجري عليه أحكام المرتدين، ويستتاب ثلاثًا، فإن تاب، وإلا قُتل.
ومن أنكر وجوبها جهلًا بها، إما لحداثة عهده بالإسلام، أو لأنه نشأ ببادية نائية بعيدة عن الأمصار عُرِّف وجوبها، ولا يُحْكَم بكفره لأنه معذور.
الزكاة بين الإطلاق والتقييد:
لقد ظل القرآن الكريم -في عهديه المكي والمدني- يدفع المؤمنين بأساليب قوية إلى الإنفاق في سبيل الله؛ لسد حاجة الفقير وإقامة المصالح، دون أن يحدد لهم الأنواع المالية التي منها ينفقون، والمقادير التي لها ينفقون، تاركًا ذلك إلى ما تخلقه دعوته السامية في قلوبهم مِن الشعور الإيماني الحي، والأريحية الكريمة التي تقتضيها الأخوة الدينية، وتتحقق بها المسئولية العامة المشتركة، وقد جاء في القرآن الكريم أنهم سألوا حين نزوله مرتين عن ما ينفقون، وكان الجواب في
[ ٢٢٥ ]
المرتين يصرفهم عن تحديد ما ينفقون، ويَكِلهم إلى أريحيتهم وشعورهم، أو يأخذ بهم إلى بيان موضع الإنفاق والبذل.
واقرأ إن شئت قول الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ (البقرة: ٢١٩). واقرأ منها مرة أخرى قول الله: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: ٢١٥).
ظل القرآن الكريم هكذا يأمر بالإنفاق دون تحديد لما ينفق منه، حتى إذا ما تركز المسلمون، واتسعت نطاق حياتهم بالهجرة إلى المدينة، وصاروا جماعة متميزة لها منهجها الخاص في الحياة، ولها هدفها الذي تعمل له، وتهيأت في ظل ذلك نفوسهم لقبول التحديد -أُعلنت فريضة الزكاة، وقرنت بالصلاة وشهادة التوحيد، وكانت ثلاثتها عنوان الدخول في الإسلام، وعنوان الأخوة الدينية. قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ (التوبة: ١١).
الجهات التي تصرف الزكاة لها:
وفيها نزلت آية كريمة حددت دائرة الزكاة، ومنعت أن يصرف شيء من الزكاة خارجها، وهي قوله تعالى ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة: ٦٠).
وبالنظر في الآية يتضح أن دائرة الاستحقاق في الصرف إليها من الزكاة تتألف من حلقتين؛ إحداهما: أفراد الزكاة، فينفقونها على الوجه الذي يرونه، وهذه الحلقة هي التي أضيفت الصدقات إليها في الآية الكريمة بكلمة "اللام" للفقراء
[ ٢٢٦ ]
والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم والغارمين وابن السبيل، والحلقة الأخرى: مصالح عامة تنتفع بها الأمة كلها، وهذه الحلقة هي التي أضيفت إليها الصدقات بكلمة: في الرقاب وفي سبيل الله.
أهمية الزكاة:
التفاوت بين الناس في الأرزاق والمواهب وتحصيل المكاسب أمر واقع طارئ، يحتاج في شرع الله إلى علاج، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ (النحل: ٧١)، أي: أن الله تعالى فضل بعضنا على بعض في الرزق، فأوجب على الغني أن يعطي الفقير حقًا واجبًا مفروضًا، لا تطوعًا ولا منة. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (المعارج: ٢٤، ٢٥).
وفريضة الزكاة أَولى الوسائل لعلاج ذلك التفاوت، وتحقيق التكافل أو الضمان الاجتماعي في الإسلام، فهي أولًا تصون المال، وتحصنه من تطلع الأعين وامتداد أيدي الآثمين والمجرمين. قال رسول الله -ﷺ-: "حصنوا أموالكم بالزكاة، وداووا مرضاكم بالصدقة، وأعدوا للبلاء الدعاء" رواه الطبري وأبو نعيم في (الحلية) عن ابن مسعود، ورواه أبو داود مرسلًا عن الحسن وهو ضعيف.
وأهمية الزكاة أنها عون للفقراء والمحتاجين، تأخذ بأيديهم لاستئناف العمل والنشاط إن كانوا قادرين، وتساعدهم على ظروف العيش الكريم إن كانوا عاجزين، فتحمي المجتمع من مرض الفقر، والدولة من الإرهاق والضعف، والجماعة مسئولة بالتضامن عن الفقراء وكفايتهم.
ومن أهمية الزكاة أيضًا أنها تطهر النفس من داء الشح والبخل، وتُعوِّد المؤمن البذل والسخاء؛ كي لا يقتصر على الزكاة، وإنما يساهم بواجبه الاجتماعي في
[ ٢٢٧ ]
تنمية ومساعدة الدولة بالعطاء عند الحاجة، وتجهيز الجيوش وصد العدوان، وفي إمداد الفقراء إلى حد الكفاية، إذ عليه أيضًا الوفاء بالنذور وأداء الكفارات المالية، بسبب الحنث في اليمين والظهار والقتل الخطأ، وانتهاك حرمة شهر رمضان، وهناك وصايا الخير والأوقاف والأضاحي، وصدقات الفطر وصدقات التطوع، والهبات ونحوها.
ومن أهمية الزكاة أنها تجب شكرًا لنعمة الله، حيث أنعم عليه بنعمة المال، إذ أنها تضاف إليه فيقال زكاة المال، والإضافة للسببية كصلاة الظهر وصوم الشهر وحج البيت.
عقاب مانع الزكاة:
لمانع الزكاة عقاب في الآخرة وعقاب في الدنيا، أما عقاب الآخرة فهو العذاب الأليم؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيم * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ (التوبة: ٣٤، ٣٥).
ولقوله -ﷺ-: «من آتاه الله مالًا فلم يؤد زكاته مُثل له شجاعًا أقرع، له زبيبتان، يُطَوِّقه يوم القيامة، يأخذ بلهزمتيه -يعني شدقيه- ثم يقول: أنا مالك أنا كنزك، ثم تلا: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (آل عمران: ١٨١»). رواه أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي عن أبي هريرة.
وأما العقاب الدنيوي للفرد بسبب الإهمال والتقصير فهو أخذها منه، والتعزير
[ ٢٢٨ ]
والتغريم المالي، وأَخْذ الحاكم شطر المال قهرًا عنه. قال رسول الله -ﷺ-: «من أعطاها -أي: الزكاة- مؤتجرًا فله أجرها، ومن منعها فإنا آخذوها وشطر إبله؛ عزمة من عزمات ربنا ﵎، لا يحل لآل محمد منها شيء». مِن حديث بَهْز بن حكيم عن أبيه عن جده. رواه أحمد والنسائي وأبو داود وقال: وشطر ماله، وهو حجة في أخذها من الممتنع ووقوعها موقعها.
فإن كان مانع الزكاة جاحدًا لوجوبها فقد كفر وقُتل، كما يقتل المرتد؛ لأن وجوب الزكاة معلوم من دين الله -﷿- ضرورة، فمن جحد وجوبها فقد كذَّب اللهَ تعالى، وكذَّب رسولَه -ﷺ- فحُكِم بكفره. وتقاتَل الجماعة مانعة الزكاة جحودًا، كما فعل الصحابة في عهد الخليفة الأول أبي بكر -﵃- قال أبو بكر: "والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله -ﷺ- لقاتلتهم على منعها". رواه الجماعة إلا ابن ماجه عن أبي هريرة.
وفي لفظ مسلم والترمذي وأبي داود: "لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونه". وبناء عليه قال العلماء بالاتفاق: إذا منع واحد أو جمعٌ الزكاة، وامتنعوا بالقتال، وجب على الإمام قتالهم، وإن منعها جهلًا بوجوبها أو بخلًا بها لم يكفر.