نأتي بعد ذلك إلى نقطة أخرى وهي: أن الله -﷾- قدر آجال الخلائق، بحيث إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون:
قال تعالى: ﴿إِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُون﴾ (يونس: ٤٩) وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إلَّا بِإِذْنِ الله كِتَابًا مُّؤَجَّلًا﴾ (آل عمران: ١٤٥) وفي (صحيح مسلم) عن عبد الله مسعود قال: «قالت أم حبيبة زوج النبي -ﷺ-: اللهم أمتعني بزوجي رسول الله وبأبي أبي سفيان، وبأخي معاوية، قال: فقال
[ ٧٣ ]
النبي -ﷺ-: قد سألتِ الله لآجال مضروبة، وأيام معدودة، وأرزاق مقسومة، لن يعجل شيئًا قبل حله، ولن يؤخر شيئًا عن حله، ولو كنتِ سألت اللهَ أن يعيذك من عذاب في النار وعذاب في القبر كان خيرًا وأفضلَ» الحديث في مسلم في القدر، باب بيان أن الآجال والأرزاق لا تزيد ولا تنقص عما سبق به القدر.
فالمقتول ميت بأجله، فعلم الله تعالى وقدر وقضى أن هذا يموت بسبب المرض، وهذا بسبب القتل، وهذا بسبب الهدم، وهذا بالحرق، وهذا بالغرق، إلى غير ذلك من الأسباب، والله سبحانه خلق الموت والحياة، وخلق سبب الموت والحياة. وعند المعتزلة المقتول مقطوع عليه أجله، ولو لم يقتل لعاش إلى أجله فكان له أجلان، وهذا باطل؛ لأنه لا يليق أن ينسب إلى الله تعالى أنه جعل له أجلًا يعلم أنه لا يعيش إليه ألبتة، أو يجعل أجله أحد الأمرين، كفعل الجاهل بالعواقب، ووجوب القصاص والضمان على القاتل، لارتكابه المنهي عنه ومباشرته السبب المحظور.
وعلى هذا يخرج قوله -ﷺ-: «صلة الرحم تزيد في العمر» أي: هي سبب طول العمر، وقد قدر الله أن هذا يصل رحمه، فيعيش بهذا السبب إلى هذه الغاية، ولولا ذلك السبب لم يصل إلى هذه الغاية، ولكن قدر هذا السبب وقضاه، وكذلك قدر أن هذا يقطع رحمه فيعيش إلى كذا كما حدث ذلك عند الحديث في القتل وعدمه.
فإن قيل: هل يلزم من تأثير صلة الرحم في زيادة العمر ونقصانه تأثير الدعاء في ذلك أم لا؟
الجواب: أن ذلك غير لازم لقوله -ﷺ- لأم حبيبة -﵂-: «قد سألت الله تعالى لآجال مضروبة» الحديث. فعلم أن الأعمار مقدرة لم يشرع الدعاء بتغييرها
[ ٧٤ ]
بخلاف النجاة من عذاب الآخرة، فإن الدعاء مشروع له، نافع فيه، ألا ترى أن الدعاء بتغيير العمر لما تضمن النفع الأخروي، شرع كما في الدعاء الذي رواه النسائي من حديث عمار بن ياسر -﵁- عن النبي -ﷺ- أنه قال: «اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق، أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي» حديث صحيح، أخرجه النسائي.
ويؤيد هذا ما رواه الحاكم في صحيحه من حديث ثوبان -﵁- عن النبي -ﷺ-: «لا يرد القدر إلا الدعاءُ، ولا يزيد في العمر إلا البِر، وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه» أخرجه أحمد في (المسند).
وفي الحديث رد على من يظن أن النذر سبب في دفع البلاء وحصول النعماء، وقد ثبت في الصحيحين عن النبي -ﷺ- أنه نهى عن النذر وقال: «إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل». أخرجه البخاري.
والدعاء يكون مشروعًا نافعًا في بعض الأشياء دون بعض، وكذلك هو، ولهذا لا يحب الله المعتدين في الدعاء، وكان الإمام أحمد -﵀- يكره أن يُدعى له بطول العمر، ويقول: هذا أمر قد فرغ منه.
وأما قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إلَّا فِي كِتَابٍ﴾ (فاطر: ١١) فقد قيل في الضمير المذكور في قوله تعالى: ﴿مِنْ عُمُرِهِ﴾ إنه بمنزلة قولهم: عندي درهم ونصفه؛ أي: ونصف درهم آخر، فيكون المعنى: ولا ينقص من عمر معمر آخر، وقيل: الزيادة والنقصان في الصحف التي في أيدي الملائكة، وحمل قوله تعالى: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَاب * يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَاب﴾ (الرعد: ٣٨ - ٣٩) على أن المحو والإثبات من الصحف التي
[ ٧٥ ]
في أيدي الملائكة، وأن قوله: ﴿وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَاب﴾ اللوح المحفوظ.
ويدل على هذا الوجه سياق الآية، وهو قوله: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَاب﴾ ثم قال: ﴿يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ﴾ أي: من ذلك الكتاب: ﴿وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَاب﴾ أي: أصله، وهو اللوح المحفوظ، وقيل: يمحو الله ما يشاء من الشرائع وينسخه، ويثبت ما يشاء فلا ينسخه، والسياق أدل على هذا الوجه من الوجه الأول، وهو قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلَّا بِإِذْنِ اللهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَاب﴾ (الرعد: ٣٨) فأخبر تعالى أن الرسول لا يأتي بالآيات من قبل نفسه، بل من عند الله، ثم قال: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَاب * يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ﴾ (الرعد: ٣٨ - ٣٩).
أي: أن الشرائع لها أجل وغاية تنتهي إليها ثم تنسخ بالشريعة الأخرى، فينسخ الله ما يشاء من الشرائع عند انقضاء الأجل، ويثبت ما يشاء، وفي الآية أقوال أخرى، والله أعلم بالصواب.
نأتي بعد ذلك إلى نقطة أخرى عن تفسير كلمة: "لا حول ولا قوة إلا بالله":
هذا دليل على إثبات القدر، الله -﷾- لا يكلف العباد إلا ما يطيقون، ولا يطيقون إلا ما كلفهم، والله -﷾- يعلم أن عباده يطيقون فوق ما كلفهم، لكنه سبحانه يريد بعباده اليسرَ والتخفيفَ، كما قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (البقرة: ١٨٥) قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ﴾ (النساء: ٢٨) وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (الحج: ٧٨) فلو زاد فيما كلفنا به لأطقناه، لكنه تفضل علينا ورحمنا وخفف عنا، ولم يجعل علينا في الدين من
[ ٧٦ ]
حرج، والله -﷾- أجرى كل شيء في كونه بمشيئته وعلمه وقضائه وقدره، يريد بقضائه القضاء الكوني لا الشرعي، فإن القضاء يكون كونيًّا وشرعيًّا.
فالقضاء الكوني ففي قوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ (فصلت: ١٢) والقضاء الديني الشرعي، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ ألَّا تَعْبُدُواْ إلَّا إِيَّاهُ﴾ (الإسراء: ٢٣) وكذلك الإرادة قد تكون كونية ودينية -وهذه قد سبق ذكرها- والأمر أيضًا يكون كونيًّا، ويكون شرعيًّا، فالأمر الكوني ففي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُون﴾ (يس: ٨٢) وكذا قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ (الإسراء: ١٦) والأمر الشرعي ففي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ (النحل: ٩٠) وقوله: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (النساء: ٥٨).
هذا وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
[ ٧٧ ]