دلائل صدق الأنبياء -﵈- في دعواهم، وتبليغ رسالة الله -﷾- إلى الناس:
من هذه الدلائل أن الرسل أخبروا الأمم بما سيكون من انتصارهم، وخذلان أولئك -أي: الأعداء- وبقاء العاقبة لهم. ومنها:
ما أحدثه الله لهم من نصرهم وإهلاك عدوهم إذا عرف الوجه الذي حصل عليه كغرق فرعون، وغرق قوم نوح، وبقية أحوالهم عرف صدق الرسول وصدق الرسل أجمعين -﵈-.
ومن هذه الدلائل أيضًا: أن من عرف ما جاء به الرسل من الشرائع وتفاصيل أحوالها تبين له أنهم أعلم بالخلق، وأنه لا يحصل مثل ذلك من كذاب جاهل، وأن فيما جاءوا به من الرحمة والمصلحة والهُدى والخير، ودلالة الخلق على ما ينفعهم، ومنع ما يضرهم ما يبين أن ادعاء الرسالة، وأن الإتيان بالشريعة من عند الله لا يصدر إلا عن راحم بار يقصد غاية الخير والمنفعة للخلق.
يعني: الرسل شرائعهم تدل على صدقهم في أنهم رسل من عند الله -﷾- حيث إن الشريعة مصدر الخير، مصدر السعادة، مصدر الحلول لكل المشكلات، فإذن دلائل نبوة الأنبياء متنوعة وكثيرة، وأنها لا تقتصر على المعجزات فقط، نعم المعجزات إحدى الدلائل التي تدل على صدق النبي -ﷺ- لكن دلائل صدقهم غير محصورة في هذا المعنى.
[ ١٢٨ ]
بيان أن إنكار رسالة النبي -ﷺ- طعن في الرب -﵎-:
بيان ذلك أنه إذا كان سيدنا محمد -ﷺ- ليس بنبي صادق بل ملِك ظالم، فقد تهيأ له أن يفتري على الله ويتقول عليه، ويستمر حتى يحلل ويحرم، ويفرض الفرائض، ويشرع الشرائع، وينسخ الملل، ويضرب الرقاب، ويقتل أتباع الرسل وهم أهل الحق، ويسبي نساءهم، ويغنم أموالهم وديارهم، ويتم له ذلك حتى يفتح الأرض وينسب ذلك كله إلى أمر الله له به ومحبته له، والرب تعالى يشاهده وهو يفعل بأهل الحق ما يفعل من افتراء عليه لمدة ثلاث وعشرين سنة وهو مع ذلك كله يؤيده، وينصره، ويعلي أمره، ويمكن له من أسباب النصر.
هذا إن كان الأمر كذلك، فهذا طعن في الرب -﵎- لأنه كيف يتركه الله -﷾- أن يفعل ذلك كله ولا يعاقبه، وسنة الله التي قد خلت من قبل أنه لا يترك أحدًا يفتري عليه ويكذب عليه، ولذلك يقول تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾ (الطور: ٣٠، ١٣).
هذا والله أعلم.
[ ١٢٩ ]