وحين نتأمل سوف نرى كلمة الإحسان قد جاءت في السنة المشرفة في قول الرسول الأكرم -ﷺ- تبين المرحلة العليا في تجويد الإسلام والإيمان، فلما سئل الرسول -﵊- وذكر الإسلام وذكر الإيمان وسئل عن الإحسان قال: «أن تعبد الله كأنك تراه؛ فإن لم تكن تراه فإنه يراك» فسوف نعرف كثيرًا من هذه المعاني حين نستعرض ما جاء في السنة المشرفة، وفيها الكثير من المعاني، هيا إذًا لنقتبس من نور المصطفى -ﷺ- ما يضيء للدنيا الطريق:
روى البخاري بسنده عن أبي هريرة -﵁- قال: «جاء رجل إلى رسول الله -ﷺ- فقال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: ثم أمك، قال: ثم من؟ قال: ثم أمك، قال: ثم من؟ قال: ثم أبوك»، فترى أنه -ﷺ- أوصى هذا الصحابي بأمه المرة تلو المرة، ثم جاء الأب في المرتبة الأخيرة، وما ذلك لم بذلته الأم من تعب ومن مشقة كما رأينا في الآيات: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ أو كما قال ربنا: ﴿وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ ثم إنها ضعيفة فتحتاج إلى مزيد من الرعاية.
[ ٥٠ ]
سوف نجد أيضًا في ما رواه الإمام البخاري من حديث سعد بن أبي وقاص أنه نزلت فيه آيات من القرآن، قال: حلفت أم سعد إلا تكلمه أبدًا حتى يكفر بدينه ولا تأكل ولا تشرب، قالت: زعمت أن الله وصاك بوالديك وأنا أمك وأنا آمرك بهذا، قال: مكثت ثلاثًا حتى غشي عليها من الجهد أي من المشقة والتعب، فقام ابن لها يقال له عمارة فسقاها، فجعلت تدعو على سعد، فأنزل الله -﷿- في القرآن هذه الآية: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي﴾ وفيها: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ (لقمان: ١٥).
إذًا الطاعة والبر والإحسان إنما يكون في طاعة الله لا معصية الله، وأعظم المعاصي وأكبرها وأشدها جرمًا هو الكفر بالله والإشراك بالله فهذا لا طاعة فيه لأحد.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: «أقبل رجل إلى نبي الله -ﷺ- فقال: أبياعك على الهجرة والجهاد؛ أبتغي الأجر من الله، قال: فهل من والديك أحدٌ حي؟ قال: نعم، بل كلاهما، قال: فتبتغي الأجر من الله؟ قال: نعم، قال: فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما»، وفي هذا بيان لعظم صحبة الأبوين بالإحسان كليهما.
وهناك أيضًا حديث عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ- قال: «لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى ابن مريم، وصاحب جريج، وكان جريج رجل عابد فاتخذ صومعة، فكان فيها فأتته أمه وهو يصلي فقالت: يا جرير فقال: يا رب أمي وصلاتي -يعني: كيف أختار بينهما- فأقبل على صلاته فانصرفت، فلما كان من الغد أتته وهو يصلي فقالت: يا جريج، فقال: يا رب أمي وصلاتي، فأقبل على صلاته فانصرفت، فلما كان من الغد أتته وهو يصلي، فقالت: يا جريج،
[ ٥١ ]
فقال: أي رب أمي وصلاتي، فأقبل على صلاته فقالت: اللهم لا تمته حتى ينظر إلى وجوه المومسات -أي: المشتغلات بأمر الزنا- فتذاكر بنو إسرائيل جريج وعبادته، وكانت امرأة بغي يتمثل بحسنها فقالت: إن شئتم لأفتننه لكم، قال: فتعرضت له فلم يلتفت إليها، فأتت راعيًا كان يأوي إلى صومعته، فأمكنته من نفسها، فوقع عليها فحملت، فلما ولدت قالت: هو لجريج، فأتوه فاستنزلوه وهدموا صومعته، وجعلوا يضربونه، فقال: ما شأنكم؟ قالوا: زنيت بهذه البغي فولدت منك، فقال: أين الصبي؟ فجاءوا به فقال: دعوني حتى أصلي فصلى، فلما انصرف أتى الصبي فطعن في بطنه وقال: يا غلام، من أبوك؟ قال: فلان الراعي، قال: فأقبلوا على جريج يقبلونه ويتمسحون به، وقالوا: نبني لك صومعتك من ذهب، قال: لا أعيدوها من طين كما كانت ففعلوا».
ففي هذا الحديث نرى ما كان من أمر هذا العابد وأنه فضل صلاته على إجابة دعوة أمه لجبر خاطرها، فلما غضبت منه دعت عليه بهذه الدعوة؛ أن ينظر إلى وجوه المومسات، فتحقق هذا وحدث، وجاءت هذه البغي وفعلت ما فعلت؛ لكنه لأنه حفظ الله -﷾-؛ فلم يقترب منها ولم يرتكب المعصية، وإنما لاذ بدينه وإيمانه، ولكن هذه المرأة الفاجرة جاءت إلى راعٍ يأتي إلى هذه الصومعة ففعلت معه ما فعلت، وحملت بهذا الصبي، فارتكبت عدة جرائم: ارتكبت جريمة الزنا وجريمة الكذب وجريمة البهتان وادعت زورًا وظلمًا أن هذا الصبي هو ابن لجريج، ولكن الله -﷿- عنده الفرج وهو ولي الصالحين؛ لم يترك عبده هذا لجرم هؤلاء المجرمين، إنما أنطق هذا الصبي فذكر أن فلانًا الراعي هو أبوه، فأقبل القوم على جريج -كما جاء في الحديث- يقبلونه ويتمسحون به، وقالوا: نبني لك صومعتك من ذهب، قال: لا أعيدوها من طين كما كانت ففعلوا، الشاهد في الحديث -كما رأينا- هو ما في طاعة الأم من فضل ومن خير ومن بركة.
[ ٥٢ ]
وعند الترمذي عن ابن مسعود -﵁- قال: «سألت رسول الله -ﷺ- فقلت: يا رسول الله، أي الأعمال أفضل؟ قال: الصلاة لميقاتها، قلت: ثم ماذا يا رسول الله؟ قال: بر الوالدين، قلت: ثم ماذا يا رسول الله؟ قال: الجهاد في سبيل الله، ثم سكت عني رسول الله -ﷺ-، ولو استزدته لزادني».
في هذا الحديث ترى أن بر الوالدين يأتي قبل الجهاد في سبيل الله، وقد سبق أن رأينا الرسول -ﷺ- نصح هذا الذي طلب منه أن يهاجر وأن يجاهد أن يعود إلى أبويه فيحسن صحبتهما.
ويروي أيضًا الإمام الترمذي عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه قال: قال رسول الله -ﷺ-: «ألا أحدثكم بأكبر الكبائر؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله وعقوق الوالدين، قال: وجلس وكان متكئًا، فقال: وشهادة الزور -أو قول الزور- فما زال رسول الله -ﷺ- يقولها حتى قلنا: ليته سكت».
ففي هذا الحديث بيان لجريمة عقوق الوالدين، وأن عقوق الوالدين من أكبر الكبائر، ويأتي بعد الإشراك بالله، وكما رأينا في الوصية بالوالدين والإحسان إليهما أن ذلك يأتي بعد الأمر بعبادة الله وإخلاص العبادة لله، هنا أيضًا هذا الأمر في عقوق الوالدين يأتي بعد الإشراك بالله.
بل إن الرسول -ﷺ- يوصي بالمحافظة على كرامة الأبوين؛ ذلكم في الحديث الذي رواه الترمذي عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله -ﷺ-: «من الكبائر أن يشتم الرجل والديه، قالوا: يا رسول الله، وهل يشتم الرجل والديه؟ قال: نعم، يسب أب الرجل فيشتم أباه، ويشتم أمه فيسب أمه» فعلى الإنسان أن يحافظ على كرامة والديه بمحافظته على ألا يسب أحدًا وألا يشتم أحدًا؛ لأنه إذا فعل ذلك هذا الذي شُتم لن يسكت، إنما سوف يشتم الرجل والديه ويشتم أمه، وهكذا.
[ ٥٣ ]
ويقول رسول الله -ﷺ- تعظيمًا لقدر الأبوين وأن الابن مهما بذل فلن يستطيع أن يوفيهما حقهما يقول -ﷺ-: «لا يجزي ولد والدًا إلا أن يجده مملوكًا فيشتريه فيعتقه».
بل إن جريمة قطيعة الرحم -وفي مقدمة ذلك ما يفعله بعض الأبناء بالآباء حين يقاطعون آباءهم وينسون مودتهم وينشغلون عنهم بأبنائهم وأزواجهم- وفي هذا يروي الإمام الترمذي بسنده عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: قال رسول الله -ﷺ-: «لا يدخل الجنة قاطع» قال ابن أبي عمر: قال سفيان: يعني قاطع رحم، فنسأل الله السلامة والعافية.
بل إن الرسول -ﷺ- أراد من الأبناء أن يواصلوا بر آبائهم حتى بعد وفاتهم، وفي هذا يروي الإمام مسلم بسنده عن عبد الله بن عمر؛ أن رجلًا من الأعراب لقيه بطريق مكة، فسلم عليه عبد الله وحمله على حمار كان يركبه، وأعطاه عمامة كانت على رأسه، فقال ابن دينار، وكان مع ابن عمر: فقلنا له: أصلحك الله، إنهم الأعراب وإنهم يرضون باليسير، فقال عبد الله: إن أبا هذا كان ودًّ لعمر بن الخطاب، وإني سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «إن أبر البر صلة الولد أهل ود أبيه».
وما زلنا نواصل الحديث من خلال أحاديث رسول الله -ﷺ-، ومن ذلك ما ذكره صاحب (الترغيب والترهيب) في كتاب البر والصلة الترغيب في بر الوالدين وصلتهما وتأكيد طاعتهما والإحسان إليهما وبر أصدقائهما من بعدهما، مما ذكر الإمام المنذري في هذا الباب وفي هذا الكتاب ذكر حديث أبي سعيد -﵁-: «أن رجلًا من أهل اليمن هاجر إلى رسول الله -ﷺ- فقال: هل لك أحد باليمن؟ قال: أبواي، قال: أذنا لك؟ قال: لا، قال: فارجع إليهما فاستأذنهما، فإن أذنا لك فجاهد، وإلا فبرهما».
[ ٥٤ ]
وعن أبي هريرة -﵁- قال: «جاء رجل إلى النبي -ﷺ- يستأذنه في الجهاد فقال: أحيّ والداك؟ قال: نعم، قال: ففيهما فجاهد».
وقريب من ذلك ما روي عن أنس -﵁- قال: «أتى رجل رسول الله -ﷺ- إن أشتهي الجهاد ولا أقدر عليه -ربما لظروفه الصحية أو لعدم قدرته المالية- فقال له الرسول -ﷺ-: هل بقي من والداك أحد؟ قال: أمي، قال: قابل الله في برها فإن فعلت ذلك فأنت حاج ومعتمر ومجاهد» يقول الإمام الحافظ المنذري: رواه أبو يعلى والطبراني في (الصغير) و(الأوسط)، وإسنادهما جيد؛ ميمون بن نجيح وثقه ابن حبان، وبقية رواته ثقات مشهورون.
وأيضًا في هذا الباب وفي هذا السياق يروي عن طلحة بن معاوية السلمي -﵁- قال: «أتيت النبي -ﷺ- فقلت: يا رسول الله، إني أريد الجهاد في سبيل، قال: أمك حية؟ قلت: نعم، قال النبي -ﷺ-: الزم رجلها فثم الجنة» أي فهناك الجنة عند رجلها.
وعن معاوية بن جاهمة: «أن جاهمة جاء إلى النبي -ﷺ- فقال: يا رسول الله، أردت أن أغزو وقد جئت أستشيرك، فقال: هل لك من أم؟ قال: نعم، قال: فالزمها فإن الجنة عند رجلها».
وما إلى ذلك من هذه الأحاديث التي تبين أن التزام الأم والتزام الوالدين والقيام بحقهما لا يقل عن الجهاد في سبيل الله -﷾- بل ربما كان هذا أفضل من الجهاد.
والمقصد من هذا الجهاد الذي ذكره رسول الله -ﷺ- هو الجهاد غير المفروض، فإن الجهاد إما فرض عين وإما فرض كفاية، فرض العين هو الجهاد الواجب على كل فرد من الأفراد وعلى كل مسلم من المسلمين، وله أسبابه المذكورة في كتب الفقه، أما غير الجهاد المفروض فهو الجهاد الكفائي الذي إذا قام به البعض سقط
[ ٥٥ ]
الفرض عن الباقين، فالمقصد من هذا الجهاد الذي ذكره رسول الله -ﷺ- وأراد هؤلاء الصحابة أن يخرجوا فيه هو الجهاد الكفائي.
أيضًا، في طاعة الأبوين وطاعة الأب وطاعة الأم يروي عن أبي الدرداء -﵁-: "أن رجلًا أتاه فقال: إن لي امرأة وإن أمي تأمرني بطلاقها، فقال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «الوالد أوسط أبواب الجنة، فإن شئت فأضِع هذا الباب أو احفظه» " قال الترمذي: حديث صحيح، ورواه ابن حبان في صحيحه، ولفظه: "أن رجلًا أتى أبا الدرداء فقال: إن أبي لم يزل بي حتى زوجني وإنه الآن يأمرني بطلاقها؟ قال: ما أنا بالذي آمرك أن تعق والديك ولا بالذي آمرك أن تطلق امرأتك! غير أنك إن شئت حدثتك بما سمعت من رسول الله -ﷺ- سمعته يقول: «الوالد أوسط أبواب الجنة» فحافظ على ذلك الباب إن شئت أو دعه قال: فأحسب عطاء قال: فطلقها".
وعن ابن عمر -﵄- قال: "كان تحتي امرأة أحبها، وكان عمر يكرها، فقال لي: طلقها فأبيت فأتى عمر رسول الله -ﷺ- فذكر ذلك له، فقال لي رسول الله -ﷺ-: «طلقها» ".
والمقصد من ذلك أن هذا التفريق لهذه المرأة من وجهة نظر الأب ومن وجهة نظر الأم ربما كان لأسباب وجيهة، تقتضي من هذا الابن أن يستجيب لأوامرهما وأن يلبي رغبتهما، وأن يكون بارًّا بهما، وأن هذا الابن إنما كان يريد هذه الزوجة تغليبًا لهواها لا من باب العقل، ولكن الأب ولكن الأم وهما غالبًا يريدان السعادة لأبنائهما لا يمكن أن يتصور أن يأمر الأب أو تأمر الأم بأن يطلق الابن امرأته هكذا دون أسباب قائمة على الرأي السديد، فعلى الابن أن يكون بارًّا بهما وأن يستجيب لما ينصحان به في هذا الجانب.
[ ٥٦ ]
من فضائل بر الوالدين: ما نقرؤه في حديث أنس بن مالك -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «من سره أن يمد له في عمره ويزاد في رزقه فليبر والديه وليصل رحمه».
وعن معاذ بن أنس -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «من بر والديه طوبى له -أي: الجنة له- زاد الله في عمره».
وفي المقابل نقرأ عن ثوبان -﵁- قال رسول الله -ﷺ-: «إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه، ولا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر» ومن المعلوم أن في مقدمة هذا البر في هذا الباب بر الوالدين.
وعن سلمان -﵄- أن رسول الله -ﷺ- قال: «لا يرد القضاء إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر».
ورغبة من رسول الله -ﷺ- في أن يلتزم الأبناء جانب البر يقول فيما رواه أبو هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «رغم أنفه ثم رغم أنفه ثم رغم أنفه، قيل: من يا رسول الله؟ قال: من أدرك والديه عند الكبر أو أحدهما ثم لم يدخل الجنة» رواه مسلم.
ومعنى: «رغم أنفه» أي: لصق بالرغام وهو التراب وهو من باب الدعاء ومن باب التعجب من حال هذا الابن الذي عاش ما عاش مع والديه، ثم مات الوالدان أو مات أحداهما أو أدرك هو والديه عند الكبر أو أحدهما، ثم لم يقم ببرهما والإحسان إليهما؛ ليكون ذلك سببًا في دخول الجنة.
وأيضًا في هذا السياق عن جابر -يعني ابن سمرة ﵁- قال: «صعد النبي -ﷺ- فقال: آمين آمين آمين، قال: أتاني جبريل -﵊- فقال: يا محمد، من أدرك أحد أبويه فمات فدخل النار فأبعده الله فقل: آمين فقلت: آمين، فقال: يا محمد
[ ٥٧ ]
من أدرك شهر رمضان فمات فلم يغفر له فأدخل النار فأبعده الله، فقل: آمين فقلت: آمين قال: ومن ذكرتَ عنده فلم يصلِّ عليك فمات فدخل النار فأبعده الله فقل: آمين فقلت: آمين» فصلوات الله وسلامه على رسول الله -ﷺ.
وعن ابن عمر -﵄- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «انطلق ثلاثة نفر ممن كان قبلكم حتى آواهم المبيت إلى غار، فدخلوا فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار، فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم، قال رجل منهم: اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران وكنت لا أغبق قبلهما أهلًا ولا مالًا -ومعنى لا أغبق قبلهم أهلًا ولا مالًا أي: ما كنت أقدم عليهما أحد في شرب نصيبهم من اللبن الذي يشربانه، والغبوق هو شرب آخر النهار- فنأى بي طلب شجر يومًا فلم أرح عليهم حتى ناما، فحلبت لهما غبوقهما، فوجدتهما نائمين فكرهت أن أغبق قبلهما أهلًا أو مالًا، فلبست والقدح على يدي أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر، فاستيقظا فشرب غبوقهما، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة، فانفرجت شيئًا لا يستطيعون الخروج» وتتابع زملاؤه في الدعاء كل منهما يذكر أمرًا فيه طاعة لله، فكان هذا من الأسباب التي أدت إلى انفراج هذه الصخرة، وأن هؤلاء الثلاثة خرجوا يمشون بفضل الله -﷾.
بل إن الإسلام ليجعل القيام بالإحسان إلى الوالدين حق واجب على الأبناء حتى لو كان هؤلاء الآباء على الكفر والشرك، فهذه أسماء بنت أبي بكر الصديق -﵄- قالت: قدمت علي أمي وهي مشركة في عهد رسول الله -ﷺ- فاستفتيت رسول الله -ﷺ- قلت: قدِمت علي أمي وهي راغبة -أي أتت راغبة في زيارتي- أفأصل أمي؟ قال: «نعم صِلي أمك».
[ ٥٨ ]
وعن عبد الله بن عمرو -﵄- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «رضا الله في رضا الوالد، وسخط الله في سخط الوالد» وعن ابن عمر -﵄- قال: «أتى النبي -ﷺ- رجلٌ فقال: إني أذنبت ذنبًا عظيمًا فهل لي من توبة؟ فقال: هل لك من أم؟ قال: لا قال: فهل لك من خالة؟ قال: نعم، قال: فبرها» رواه الترمذي واللفظ له.
وعن أبي أسيد مالك بن ربيعة الساعدي -﵁- قال: «بينا نحن جلوس عند رسول الله -ﷺ- إذ جاء رجل من بني سلمة فقال: يا رسول الله، هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ قال: نعم الصلاة عليهما، -أي: الدعاء لهما- والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما».
وعن أبي بردة قال: قدمت المدينة فأتاني عبد الله بن عمر فقال: أتدري لما أتيتك؟ قال: قلت: لا، قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «من أحب أن يصل أباه في قبره فليصل إخوان أبيه بعده» وإنه كان بين أبي عمر وبين أبيك إخاء وود، فأحببت أن أصل ذاك.
هذه إذًا جملة من هدي النبوة ترشدنا إلى كيف يكون الأبناء على درجة عالية من الإحسان إلى آبائهم، ومن القيام ببرهم وطاعتهم؛ سواء كان ذلك في حياتهم أو بعد مماتهم، وقد سبق أن ذكرنا بعض الأحاديث في الترهيب من عقوق الوالدين، ونضيف إلى ذلك ما روي عن المغيرة بن شعبة -﵁- عن النبي -ﷺ- أنه قال: «إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنعًا وهات، وكره قيل وقال وكثرة السؤال».
[ ٥٩ ]
وعن ابن عمر -﵄- عن رسول الله -ﷺ- قال: «ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، ومدمن الخمر، والمنان عطاءه، وثلاثة لا يدخلون الجنة: العاق لوالديه، والديوث، والرجلة» أي المرأة التي تتشبه بالرجال. رواه النسائي والبزار واللفظ له، بإسنادين جيدين، والحاكم وقال: صحيح الإسناد.
أرأيتم كيف جاء الإحسان إلى الوالدين في كتاب الله، وفي سنة رسول الله -ﷺ-؛ ليكون ذلك معلمًا لبني الإنسان ولأمة الإسلام خاصة، في كيف تنتشر السعادة في ربوع هذه الأمة، حين يقوم الأبناء بالإحسان إلى الآباء، ويقوم الآباء أيضًا بالإحسان إلى الأبناء؛ لتتواصل الأجيال قائمة على منهج البر والإحسان؛ لترفرف السعادة على مجتمعات المسلمين.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
[ ٦٠ ]