لكن هذا الداعية ال ذي اجتمعت فيه هذه الصفات، كيف ينجح في دعوته؟ وكيف يؤدي رسالته؟ عليه أن يسلك الطريق الذي يضمن له النجاح، وهذا الطريق طرق وو سائل كثيرة متعددة، وهي تتطور بتطور الزمن، وفق ما يستجد من وسائل الاتصال وانتقاد الأفراد والجماعات، وما يتبع ذلك من تغير في العادات والتقاليد، فالله
[ ٣٥٤ ]
خلق الخلق لحكمة وغاية، وجميع المخلوقات عدا الإنس والجن منقادة لله عابدة له، أما الإنس والجن فلهما حرية الاختيار بين الإيمان والكفر والطاعة والمعصية، مع أنهما لم يخلقا أيضًا إلّا لعبادة الله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: ٥٦)، وعبادته سبحانه إنما تكون وفق ما شرع، بل إن العبادة في مفهومها الواسع تشمل حركات الإنسان وسكناته ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (الأنعام: ١٦٢، ١٦٣).
ولذلك لم يترك الله الإنسان سدى، إنما أرسل له الرسل وأنزل له الكتب، بدأ ذلك من آدم -﵇- إلى أن ختمت سلسلة النبوات بمحمد -ﷺ-، ووقف كل رسول يبلغ رسالة ربه، وعلى منهج هذا الرسول سار أتباعه ومن بعدهم، يدعون الناس إلى دين الله، فتنوّعت وسائل دعوتهم، فكان منها الاتصال المباشر بالأفراد فردًا فردًا، أو بعدة أفراد، وهي وسيلة ناجحة بها دخل في الإسلام الرعيل الأول كأبي بكر وعثمان والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة وأبي عبيدة، وغيرهم من السابقين للإسلام، وهذه الوسيلة في الدعوة قد تحتاج إلى معرفة سابقة بمن تدعوهم، فهم أصدقاء توثّقت بينهم وبين الداعية عرى الصداقة.
وقد بدأ رسول الله -ﷺ- دعوته في بيته، فآمنت به زوجه خديجة، ومولاه زيد بن حارثة، وابن عمه علي بن أبي طالب، وبدأ الدعوة سرًّا مع أصحابه وأصدقائه، ثم أمره الله أن يجهر بدعوته فقال له: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ (الحجر: ٩٤) وقال له: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (الشعراء: ٢١٤) وبدأ يجهر بدعوته، فلم يقف خطيبًا يلقي العبارات، إنما وقف كما قلنا فأثبت أنه صادق، فلما أقروا له بذلك قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد.
[ ٣٥٥ ]
وإذا كان الله قد وجه رسوله إلى أن تكون الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة فقال: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ (النحل: ١٢٥)، فإن هذا التوجيه القرآني يجمع كل أساليب الدعوة، فقد تقتضي الحكمة الاتصال بالأفراد كلّ على حدة، أو بمجموعة منهم كما كان من عرض رسول الله -ﷺ- نفسه على قبائل العرب، أو أن يقف خطيبًا يوجه الناس كما كان من مواقف رسول الله -ﷺ- على المنبر أو في موسم الحج في حجة الوداع، وقد يكون هذا من خلال موعظة يلقيها، أو درس يشرح فيه بعض أمور الدين، ولكل واحد من هذه بواعثه ودواعيه، ولا غنى لواحد منها عن الآخر.
ومن وسائل الدعوة: الاقتراب من المدعوين بالسؤال عنهم وزيارتهم وعيادتهم إذا كانوا مرضى، وبمساعدتهم إذا احتاجوا، فهكذا كان يفعل رسول الله -ﷺ-، وعلى هذا الهدي النبوي يقوم الدعاة بإنشاء المؤسسات الخيرية، بما فيها من رعاية الفقراء واليتامى، وبما فيها من إنشاء المساجد والمدارس ومساعدة طلاب العلم، ومن الوسائل الحديثة الكلمة المقروءة والمسموعة والمرئية في الصحافة والمجلات والكتب والكتيبات والنشرات، مما يستدعي تضافر الجهود ليمتلك الدعاة الوسائل التي تعينهم على ذلك، من المطابع عالية الجودة، والمتخصصين المهرة في الإعداد والإخراج، وللإعلام المسموع عبر الإذاعات والمواقع الإسلامية على شبكة المعلومات -الإنترنت- أثر كبير في توصيل رسالة الإسلام.
أما الإعلام المرئي في التلفزيون، وفي عهد السموات المفتوحة، فيما يعرف بالفضائيات، فيجب أن يحتل فيه الدعاة مكانًا مرموقًا، بنقل الخطب والدروس والندوات حيّة على الهواء، وعليهم أن يدرسوا كيفية الإعداد الجيد لما يلقى على
[ ٣٥٦ ]
الناس عبر هذه الوسائل، فليست المسألة مجرد معلومات تلقى، إنما هناك الاختيارات الجيدة، التي تتناسب مع ما عند الناس من قصور في فهم أو شطط في فكر، أو مشكلة تحتاج إلى الحل، وهناك الصوت وطريقة الإلقاء ومظهر الداعية في الإعلام المرئي، ومن خلال ذلك كله يتفنّن الداعية في تبليغ رسالته، من خلال ما يسوق من ترغيب وترهيب، وما يذكر من قصص يساق في أسلوب قشيب، وألوان من طريقة القرآن في جداله مع المخالفين له، ومن خلال عرض أساليب القرآن وطريقته في إقناع الآخرين.
وقد يحتاج الداعية إلى تبليغ رسالته لغير الناطقين بالعربية، فليكن هناك مجموعات تتخصّص، كل مجموعة في إجادة لغة من لغات أهل الأرض؛ لحمل رسالة الإسلام للعالمين، وليحققوا حكمة الله من اختيار رسوله -ﷺ- رحمة للعالمين.
فهل لنا أن نفعل؟! هذه رسالتنا نسأل عنها أمام الله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ (الزخرف: ٤٤).
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
[ ٣٥٧ ]