يعد الرسولُ -ﷺ- بلا خلاف- المفسرَ الأول، والمرجعَ المقدم في بيان معاني كلام الله تعالى، وذلك لأنه مؤيدٌ بالوحي، وهو أعلمُ الناس بربه جل وعلا، ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٣، ٤]، وبين الله تعالى أن مهمةَ الرسول الكريم: بيانُ هذا الذكر الحكيم، فقال جل وعلا: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾ [النحل: ٤٤].
قال ابن مسعود -﵁-: (ما من شيء إلا بُيِّن لنا في القرآن، ولكن فهمنا يقصر عن إدراكه، فلذلك قال تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾) (١).
وقال الإمام أحمد ﵀: "السنة عندنا آثار رسول الله -ﷺ-، والسنة تفسر القرآن، وهي دلائل القرآن" (٢).
وقال أبو عمرو بن العلاء -أحد القراء السبعة-: "الحديث يفسر القرآن" (٣).
وقال عبد الرحمن بن مهدي -﵀-: "الرجل إلى الحديث أحوج منه إلى الأكل والشرب، الحديث يفسر القرآن" (٤).
_________________
(١) أورده السيوطي في (مفتاح الجنة) ص ٥٨ رقم (١٠١)، وعزاه إلى ابن أبي حاتم.
(٢) أخرجه اللالكائى في (شرح أصول اعتقاد أهل السنة) ١: ١٥٦ رقم (٣١٧)، وابن أبي يعلى في (طبقات الحنابلة) ١: ٢٤١، وهو جزء من نص طويل في بيان عقيدة الإمام أحمد بن حنبل. فائدة: ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٢٠: ٢٤٩) أن الإمام أحمد له رسالة مشهورة في الرد على من يزعم الاستغناء بظاهر القرآن عن تفسير سنة رسول الله -ﷺ-.
(٣) ينظر: تهذيب الكمال ٣٤: ١٢٧.
(٤) أخرجه الخطيب في (تاريخ بغداد) ٢: ١٨٦، وفي (الكفاية) ص ١٦.
[ ١ / ٣٠ ]
وقال ابن أبي حاتم: "إن الله ﷿ ابتعث محمدا رسوله -ﷺ- إلى الناس كافة، وأنزل عليه الكتاب تبيانا لكل شيء، وجعله موضع الإبانة عنه، فقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، وقال ﷿: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [النحل: ٦٤]، فكان رسول الله -ﷺ- هو المبين عن الله ﷿ أمره، وعن كتابه معاني ما خوطب به الناس، وما أراد الله ﷿ به وعني فيه، وما شرع من معاني دينه وأحكامه وفرائضه وموجباته وآدابه ومندوبه وسننه التي سنها، وأحكامه التي حكم بها، وآثاره التي بثها، فلبث -ﷺ- بمكة والمدينة ثلاثا وعشرين سنه يقيم للناس معالم الدين، يفرض الفرائض، ويسن السنن، ويمضيى الأحكام، ويحرم الحرام، ويحل الحلال، ويقيم الناس على منهاج الحق بالقول والفعل، فلم يزل على ذلك حتى توفاه الله ﷿، وقبضه إليه" (١).
وقال ابن كثير في تفسير الآية: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ﴾ يعني: القرآن، ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ من ربهم، أي: لعلمك بمعنى ما أنزل عليك، وحرصك عليه، واتباعك له، ولعلمنا بأنك أفضل الخلائق وسيد ولد آدم، فتفصل لهم ما أجمل، وتبين لهم ما أشكل. ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي: ينظرون لأنفسهم فيهتدون، فيفوزون بالنجاة في الدارين" (٢).
وقال الشنقيطي﵀-: "المراد بالذكر في هذه الآية: القرآن (٣)، كقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩].
_________________
(١) الجرح والتعديل ١: ١ - ٢.
(٢) تفسير القرآن العظيم ٤: ٥٧٤، وينظر: تفسير الطبري ١٤: ٢٣٢.
(٣) قال ابن الجوزي في (زاد المسير) ٤: ٤٥٠ - في بيان معنى الذكر الوارد في الآية: "هو القرآن بإجماع المفسرين".
[ ١ / ٣١ ]
وقد ذكر سبحانه في هذه الآية حكمتين من حكم إنزال القرآن على النبي -ﷺ-:
إحداهما: أن يبين للناس ما نزل إليهم في هذا الكتاب من الأوامر والنواهي، والوعد والوعيد، ونحو ذلك. وقد بين هذه الحكمة في غير هذا الموضع أيضًا، كقوله: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [النحل: ٦٤]، وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١٠٥].
الحكمة الثانية: هي التفكر في آياته والاتعاظ بها، كما قال هنا: ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾. وقد بين هذه الحكمة في غير هذا الموضع أيضًا. كقوله: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ [ص: ٢٩]، وقوله: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]، وقوله: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد: ٢٤] إلى غير ذلك من الآيات" (١).
وقال الإمام الطبري -﵀-: "مما أنزل الله من القرآن على نبيه -ﷺ-؛ ما لا يُوصل إلى علم تأويله إلا ببيانِ الرسول -ﷺ-، وذلك تأويلُ جميع ما فيه: من وجوه أمره -واجبه ونَدْبِه وإرْشاده-، وصنوفِ نَهيه، ووظائف حقوقه وحدوده، ومبالغ فرائضه، ومقادير اللازم بعضَ خَلْقه لبعض، وما أشبه ذلك من أحكام آيهِ التي لم يُدرَك علمُها إلا ببيانِ رسولِ الله -ﷺ- لأمَّتهِ، وهذا وجهٌ لا يجوز لأحدِ القولُ فيه إلا ببيانِ رسولِ الله -ﷺ- له تأويلَه، بنصٍّ منه عليه، أو بدلالة قد نصَبها، دالَّةٍ أمَّتَه على تأويله" (٢).
وقال الشاطبي﵀-: "السنة إنما جاءت مبينة للكتاب وشارحة لمعانيه، ولذلك قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا
_________________
(١) أضواء البيان ٢: ٣٨٠.
(٢) تفسير الطبري ١: ٦٨.
[ ١ / ٣٢ ]
الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧]، وذلك التبليغ من وجهين: تبليغ الرسالة وهو الكتاب، وبيان معانيه، وكذلك فَعَل -ﷺ- فأنت إذا تأملت موارد السنة وجدتها بيانا للكتاب، هذا هو الأمر العام فيها .. فكتاب الله تعالى هو أصل الأصول، والغاية التي تنتهي إليها أنظار النظار، ومدارك أهل الاجتهاد" (١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀ -: "فإن قال قائل: فما أحسن طرق التفسير؟ فالجواب: إن أصح الطرق في ذلك أن يفسر القرآن بالقرآن، فما أجمل في مكان فإنه قد فُسِّر في موضع آخر، وما اختصر من مكان فقد بُسط في موضع آخر، فان أعياك ذلك فعليك بالسنة، فإنها شارحة للقرآن وموضحة له، بل قد قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي: كل ما حكم به رسول الله -ﷺ-؛ فهو مما فهمه من القرآن، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥)﴾ [النساء: ١٠٥]، وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾ [النحل: ٤٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٦٤)﴾ [النحل: ٦٤]، ولهذا قال رسول الله -ﷺ-: (ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه) (٢) يعنى السنة، والسنة أيضا تنزل عليه بالوحي كما ينزل
_________________
(١) الموافقات ٣: ٢٣٠
(٢) أخرجه أحمد ٤: ١٣١، وأبو داود رقم (٤٦٠٤) في السنة: باب في لزوم السنة، وابن حبان في صحيحه كما في الإحسان ١: ١٨٨ رقم (١٢)، والطحاوي في (شرح معاني الآثار) ٤: ٢٠٩، والطبراني في الكبير ٢٠: ٢٨٣ رقم (٦٦٩) (٦٧٠)، والبيهقي في السنن الكبرى ٩: ٣٣٢، والخطيب البغدادي في (الفقيه والمتفقه) ١: ٢٦٢ - ٢٦٤ رقم (٢٦٢) (٢٦٣)، من طريق عبد الرحمن ابن أبي عوف الجرشي، عن المقدام بن معدي كرب -﵁- مرفوعا، وفيه زيادة في آخره. وسنده صحيح.
[ ١ / ٣٣ ]
القرآن، لا أنها تتلى كما يتلى، وقد استدل الإمام الشافعي وغيره من الأئمة على ذلك بأدلة كثيرة ليس هذا موضع ذلك، والغرض أنك تطلب تفسير القرآن منه، فإن لم تجده فمن السنة" (١). ثم ذكر الرجوع إلى تفسير الصحابة والتابعين.
وعلى هذا المنهج كان عمل السلف الصالح من الصحابة -﵁- فمن بعدهم، كما قال عبيد الله بن أبي يزيد: (كان ابن عباس -﵁-، إذا سئل عن الأمر وكان في القرآن أخبر به، وإن لم يكن في القرآن فكان عن رسول الله -ﷺ- أخبر به، فإن لم يكن فعن أبي بكر وعمر -﵁-، فإن لم يكن قال فيه برأيه) (٢).
ويكفي في بيان عظمة السنة، وأهمية الرجوع إليها ما ذكره ابن تيمية قبل قليل من قوله -ﷺ-: (ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه)، قال ابن القيم -﵀- معلقا على الحديث-: "هذا هو السنة بلا شك" (٣).
وعن أيوب السختياني أن رجلا قال لمطرف بن عبد الله بن الشخير -وهو من كبار التابعين (ت ٩٥ هـ) -: لا تحدثونا إلا بالقرآن، فقال له مطرف: (والله ما نريد بالقرآن بدلا، ولكن نريد من هو أعلم بالقرآن منا) (٤).
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٣: ٣٦٣.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في (المصنف) ٤: ٥٤٥ في البيوع والأقضية: باب في القاضي ما ينبغي أن يبدأ به في قضائه، قال: حدثنا ابن عيينة، عن عبيد الله .. فذكره، وهذا سند صحيح. وأخرجه أيضا: ابن سعد في (الطبقات الكبرى) ٢: ٣٦٦، والدارمي رقم (١٦٦) في المقدمة: باب الفتيا وما فيه من الشدة، والحاكم في (المستدرك) ١: ١٢٧، والخطيب البغدادي في (الفقيه والمتفقه) ١: ٤٩٧ - ٤٩٨رقم (٥٤٢) (٥٤٣)، كلهم من طريق ابن عيينة، به، بنحوه.
(٣) التبيان في أقسام القرآن ص ١٥٦.
(٤) أخرجه أبو خيثمة في (كتاب العلم) ص ٤١ رقم (٩٧)، وابن عبد البر في (جامع بيان العلم) ص ٥٦٣.
[ ١ / ٣٤ ]
وقال مكحول الشامي -وهو من ثقات التابعين وفقهائهم- (ت ١١٣ هـ): (القرآن أحوج إلى السنة من السنة إلى القرآن) (١).
وعن حسان بن عطية -وهو أحد ثقات التابعين، مات بعد سنة ١٢٠ هـ- قال: "كان الوحي ينزل على رسول الله -ﷺ-، ويحضره جبريل بالسنة التي تفسر ذلك" (٢).
_________________
(١) أخرجه المروزي في (السنة) رقم (١٠٤)، وابن شاهين في (شرح مذاهب أهل السنة) رقم (٤٨)، وابن بطة في (الإبانة الكبرى) رقم (٨٩)، والخطيب في (الكفاية) ص ١٤، وأورده ابن عبد البر في (جامع ببان العلم) ص ٥٦٣، وعزاه إلى سعيد بن منصور. وجاء هذا عن الإمام الأوزاعي -راويه عن مكحول، وهو من كبار أتباع التابعين، وأئمة الفقه المشهورين، ت ١٥٧ هـ- أنه قال: "الكتاب أحوج إلى السنة من السنة إلى الكتاب". أورده ابن عبد البر في (جامع بيان العلم وفضله) ص ٥٦٣، وعلق عليه فقال: "يريد أنها تقضي عليه وتبين المراد منه، وهذا نحو قولهم: ترك الكتاب موضعا للسنة، وتركت السنة موضعا للرأي". وجاء أيضا عن حماد بن زيد -وهو من أتباع التابعين، مات سنة ١٧٩ هـ- قال: " إنما هو الكتاب والسنة، والكتاب أحوج إلى السنة من السنة إلى الكتاب" أخرجه الخطيب في (الفقيه والمتفقه) ١: ٢٣١ رقم (٢٣١).
(٢) أخرجه بهذا اللفظ: ابن عبد البر في (جامع بيان العلم) ص ٥٦٣، وذكره القرطبي في تفسيره ١: ٣٩. وأخرجه الخطيب في (الكفاية) ص ١٥، ولفظه: (كان جبرائيل ينزل على النبي -ﷺ- بالقرآن، والسنة تفسر القرآن). وأخرجه الدارمي رقم (٥٨٨) في المقدمة: باب السنة قاضية على كتاب الله، والمروزي في (السنة) رقم (١٠٢) (٤٠٢)، ونعيم بن حماد في زوائده على (الزهد) ص ٤٣٩ رقم (٩١)، وابن بطة في (الإبانة الكبرى) رقم (٩٢)، واللالكائى في (شرح أصول اعتقاد أهل السنة) ١: ٨٣ رقم (٩٩) والخطيب البغدادي في (الفقيه والمتفقه) ١: ٢٦٦ - ٢٦٧ رقم (٢٦٨) (٢٦٩) (٢٧٠)، وفي (الكفاية) ص ١٢ بنحوه. وصحح إسناده ابنُ حجر في (فتح الباري) ١٣: ٣٠٥.
[ ١ / ٣٥ ]
وقال يحيى بن أبي كثير -وهو من صغار التابعين الثقات الأثبات، ت ١٢٩ هـ- "السنة قاضية على الكتاب، وليس الكتاب بقاض على السنة" (١).
_________________
(١) أخرجه الدارمي رقم (٥٨٧) في المقدمة: باب السنة قاضية على كتاب الله، والمروزي في (السنة) رقم (١٠٣)، وابن شاهين في (شرح مذاهب أهل السنة) رقم (٤٧)، وابن بطة في (الإبانة الكبرى) رقم (٩٠) (٩١)، والخطيب في (الكفاية) ص ١٤. وأورده ابن قتيبة في (تأويل مختلف الحديث) ص ٣٨٠ وعلق عليه فقال: "أراد أنها مبينة للكتاب، منبئة عما أراد الله تعالى فيه". وأورده السيوطي في (مفتاح الجنة) ص ٩١، وعقب عليه فقال: "قال البيهقي: ومعنى ذلك أن السنة مع الكتاب أقيمت مقام البيان عن الله،كما قال الله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾، لا أن شيئًا من السنن يخالف الكتاب". قلت -القائل السيوطي-: "والحاصل أن معنى احتياج القرآن إلى السنة؛ أنها مبينة له، ومفصلة لمجملاته، لأن في لِوَجازته كنوز تحتاج إلى من يعرف خفايا خباياها فيبرزها، وذلك هو المنزل عليه -ﷺ-، وهو معنى كون السنة قاضية عليه، وليس القرآن مبينا للسنة ولا قاضيا عليها، لأنها بينة بنفسها إذ لم تصل إلى حد القرآن في الاعجاز والإيجاز، لأنها شرح له، وشأن الشرح أن يكون أوضح وأبين وأبسط من المشروح، والله أعلم". وجاء هذا عن الأوزاعي قال: "إن السنة جاءت قاضية على الكتاب، ولم يجيء الكتاب قاضيا على السنة". أخرجه الحاكم في (معرفة علوم الحديث) ص ٦٥. وقال الفضل بن زياد: سمعت أحمد بن حنبل -وسئل عن الحديث الذي روي أن السنة قاضية على الكتاب- قال: "ما أجسر على هذا أن أقوله، ولكن السنة تفسر الكتاب، وتعرف الكتاب، وتبينه). أخرجه الخطيب في (الكفاية) ص ١٤ - ١٥، وأورده ابن عبد البر في (جامع بيان العلم) ص ٥٦٤، والقرطبي في تفسيره ١: ٣٩. وجاء في (مسائل الإمام أحمد) رواية ابنه عبد الله رقم (١٥٨٦): "قال عبد الله: سألت أبي، قلت: ما تقول في السنة تقضي على الكتاب؟ قال: قد قال ذلك قوم منهم مكحول والزهري. قلت: فما تقول أنت؟ قال: أقول: السنة تدل على معنى الكتاب". وأخرجه الخطيب في (الفقيه والمتفقه) ١: ٢٣٠ - ٢٣١. وفهم ابن القيم من عبارة الإمام أحمد معنى الإنكار، فقال في (الطرق الحكمية) ص ١٠٧: "وقد أنكر الإمام أحمد على من قال: السنة تقضي على الكتاب، فقال: بل السنة تفسر الكتاب وتبينه".
[ ١ / ٣٦ ]
وقال الإمام الطبري -﵀-: "تأويلُ القرآن غيرُ مدرك إلا ببيان من جعل الله إليه بيان القرآن" (١).
وقال ابن تيمية -﵀-: "اتفق الصحابة والتابعون لهم بإحسان وسائر أئمة الدين؛ أن السنة تُفَسِّر القرآن، وتبينه، وتدل عليه، وتعبر عن مجمله" (٢).
وقال أيضا: "ومما ينبغي أن يعلم: أن القرآن والحديث إذا عرف تفسيره من جهة النبي -ﷺ- لم يحتج في ذلك إلى أقوال أهل اللغة، فإنه قد عرف تفسيره وما أريد بذلك من جهة النبي -ﷺ-، لم يحتج في ذلك إلى الاستدلال بأقوال أهل اللغة ولا غيرهم" (٣).
وقال الشاطبي -﵀-: "لا ينبغي في الاستنباط من القرآن الاقتصار عليه دون النظر في شرحه وبيانه، وهو: السنة" (٤).
وقال ابن الوزير اليمني (ت ٨٤٠ هـ) -في بيان أنواع التفسير-: "النوع الثالث: التفسير النبوي، وهو مقبول بالنص والإجماع" (٥) وساق الأدلة في ذلك.
وتتبع أقوال الأئمة في هذا يطول، ومن نظر في تعظيم السلف لسنة النبي -ﷺ- تعلما، وتعليما، وعملا؛ تبين له عظيم منزلتها، وشدة الحاجة إليها في بيان معاني القرآن وغيره، حتى قال حماد بن زيد -﵀-: "حرمة أحاديث رسول الله -ﷺ- كحرمة كتاب الله تعالى" (٦).
_________________
(١) تفسير الطبري ٢: ١٨١.
(٢) مجموع الفتاوى ١٧: ٤٣٢.
(٣) المرجع السابق ١٣: ٢٧، وذكر نحو ذلك في ٧: ٢٨٦.
(٤) الموافقات ٣: ٣٦٩.
(٥) إيثار الحق على الخلق ص ١٥٢.
(٦) أخرجه البيهقي في (المدخل إلى السنن الكبرى) ص ٣٩١ رقم (٦٩٠)، وعقب عليه فقال: "وإنما أراد في معرفة حقها، وتعظيم حرمتها، وفرض اتباعها"، وفي هذا المغني قال سليمان بن طرخان التيمي -وهو من ثقات التابعين ت ١٤٣ هـ-: " أحاديث رسول الله -ﷺ- كالتنزيل"، أخرجه الخطيب في الفقيه والمتفقه ١: ٢٦٥.
[ ١ / ٣٧ ]
والسنة النبوية -كما لا يخفى- يجب الرجوع إليها في تفسير القرآن وفي غيره، ومن هنا فيذكر هنا ما جاء في منزلة السنة، ووجوب الأخذ بها، وأنها المصدر الثاني من مصادر التشريع في الإسلام؛ من نصوص وآثار ونقول كثيرة، وهي قريبة مشهورة، ولم أر داعيا لحشدها والإطالة بسردها (١).
وأنبه بهذه المناسبة إلى التفريق بين مسألتين:
١ - منزلة السنة مع القرآن:
وهذه يتكلم عنها الأصوليون، ومن يبحث في حجية السنة ومكانتها، ونحو ذلك.
وفي هذا يقول ابن القيم: "السنن مع كتاب الله على ثلاث منازل:
المنزلة الأولى: سنة موافقة شاهدة بنفس ما شهد به الكتاب المنزل.
المنزلة الثانية: سنة تفسر الكتاب، وتبين مراد الله منه، وتقيد مطلقه.
المنزلة الثالثة: سنة متضمنة لحكم سكت عنه الكتاب فتبينه بيانا مبتدأ.
ولا يجوز رد واحدة من هذه الأقسام الثلاثة، وليس للسنة مع كتاب الله منزلة رابعة" (٢).
٢ - منزلة السنة في بيان القرآن، وأنواع ذلك البيان وصوره:
وهذه محل البحث هنا في هذا الفصل.
_________________
(١) ينظر: (الرسالة) للشافعي في مواضع كثيرة متفرقة، ويستفاد من الفهرس العلمي الذي صنعه الشيخ أحمد شاكر ﵀ ص ٦٦، (السنة) للمروزي، (جامع بيان العلم) لابن عبد البر ص ٥٥٨ وما بعدها، (الفقيه والمتفقه) للخطيب ١: ٢٥٧ وما بعدها، (الكفاية) للخطيب ص ٣ - ١٦، (مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة) للسيوطي، (حجية السنة) للدكتور/ عبد الغني عبدالخالق، (السنة ومكانتها من التشريع الإسلامي) للدكتور/ مصطفى السباعي ص ٣٧٥ وما بعدها.
(٢) (الطرق الحكمية) ص ١٠٧، وانظر معناه في (الرسالة) للإمام الشافعي ص ٩١ - ٩٢.
[ ١ / ٣٨ ]