قبل أن نخوض في أنواع البيان النبوي للقرآن وصوره؛ يحسن أن نعرف بمصطلح التفسير النبوي، ولم أجد (١) -فيما وقفت عليه- من تعرض لبحث هذا المصطلح سوى ما ذكره د. مساعد الطيار حيث عرفه في مقال له، فقال: "هو كل قول أو فعل صدر عن النبي -ﷺ- صريحا في إرادة التفسير" (٢).
ويؤخذ على هذا التعريف أمران:
١ - أنه أخرج التقرير النبوي، والتقرير المصادر من النبي -ﷺ- يضاف إليه، ولهذا يقال: فعل أو قال فلان كذا؛ فأقره النبي -ﷺ-، فيعد هذا تقريرا نبويا، كما يقال في الفعل: فعل نبوي، وهكذا في القول.
وبناء على ذلك لو ورد تقرير نبوي يفيد في تفسير آية من القرآن؛ فلا يعد هذا من التفسير النبوي على التعريف المذكور، والأظهر أنه داخل في التفسير النبوي لأنه صادر عن النبي -ﷺ-، وأفاد في تفسير شيء من القرآن، وسيأتي التمثيل عليه بعد قليل.
٢ - تقييده بالصريح، ومفهومه أن ما جاء عن النبي -﵁- وأفاد في تفسير القرآن على وجه غير صريح فليس من التفسير النبوي، وفيه نظر، والأقرب أن يدرج هذا في التفسير النبوي، لأنه صدر عن النبي -ﷺ-، وأفاد في بيان معنى القرآن، نعم هذا البيان النبوي للقرآن على درجات -كما سيأتي إن شاء الله- ويأتي في مقدمتها: البيان اللفظي الصريح،
_________________
(١) لفت نظري أثناء البحث أن موضوع التفسير بالسنة لم يحظ بالعناية اللائقة به من جهة التأصيل والتقعيد، حيث لم أقف على أية رسالة علمية في هذا الموضوع، ولعل أقسام التفسير وعلوم القرآن في جامعاتنا، وكذا المختصين في هذا العلم أن يلتفتوا إلى هذا الموضوع ويولوه العناية التي يستحقها، والله الموفق.
(٢) مقالات في علوم القرآن وأصول التفسير ص ١٣٩.
[ ١ / ٥٤ ]
لكن لا يلزم منه أن يكون غير الصريح خارجا عن دائرة البيان النبوي للقرآن، بل نجد أن فيما ورد عن النبي -ﷺ- ما يفيد في تفسير الآية، وبيان معناها، وصيغته غير صريحة، فهل يسوغ إخراجه من حيز البيان النبوي؟.
وبعد التأمل ظهر لي أن يقال في تعريف التفسير النبوي (١):
"ما ورد عن النبي -ﷺ- من قول أو فعل أو تقرير في بيان معاني القرآن".
والأمثلة على القول كثيرة، ومنها: ما جاء عن عدي بن حاتم -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: (إن المغضوب عليهم: اليهود، والضالين: النصارى) (٢).
وأما الفعل؛ فمن أمثلته:
١ - جاء في سياق حديث جابر -﵁- الطويل في صفة الحج: (.. حتى إذا أتينا البيت معه -ﷺ- استلم الركن فرمل ثلاثا ومشى أربعا، ثم نفذ إلى مقام إبراهيم -﵇-، فقرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]، فجعل المقام بينه وبين البيت .. كان يقرأ في الركعتن قل هو الله أحد، وقل يا أيها الكافرون) (٣).
_________________
(١) ومثله التفسبر بالسنة، وقد فرَّق د. مساعد الطيار بين (التفسير بالسنة) و(التفسير النبوي) في المرجع السابق، وذكر أن التفسير النبوي يلحظ فيه إضافته إلى النبي -ﷺ-، فقيده بالصريح، وأخرج منه التقرير النبوي -كما سبق-. وما ذكره له حظ من النظر، ولكن الأظهر -فيما أرى- عدم التفريق لأن السنة عبارة عما أضيف إلى النبي -ﷺ- من قول أو فعل أو تقرير، فالإضافة هنا إلى النبي -ﷺ-، ولهذا يقال: السنة النبوية، وحينما نقول: التفسير بالسنة؛ فالمراد بها -كما هو معلوم- السنة النبوية، فآل الأمر في التعبيرين- التفسير بالسنة، والتفسير النبوي- إلى إضافته إلى النبي -ﷺ- فكل ما ورد عن النبي -ﷺ- من قول أو فعل أو تقرير يفيد في تفسير القرآن وبيان معناه؛ فهو تفسير نبوي، وتفسير بالسنة النبوية، والله أعلم.
(٢) هو الحديث الأول من أحاديث الكتاب.
(٣) أخرجه مسلم رقم (١٢١٨) في الحج: باب حجة النبي -ﷺ-. وهو جزء من حديث جابر -﵁- الطويل في صفة حجه -ﷺ-.
[ ١ / ٥٥ ]
فهذا تفسير نبوي فعلي لقوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥].
٢ - قال جابر -﵁- في الحديث السابق: (.. حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتن، ولم يسبح بينهما شيئا، ثم اضطجع رسول الله -ﷺ- حتى طلع الفجر، وصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة فدعاه وكبره وهلله ووحده، فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا، فدفع قبل أن تطلع الشمس).
فهذا تفسير نبوي فعلي لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ [البقرة: ١٩٨].
وقال الشيخ الشنقيطي -﵀- في سياق بحثه لبعض مسائل الحج: "أفعاله -ﷺ- في حجته؛ تفسير لآيات الحج" (١).
٣ - عن ابن عباس -﵄- قال: لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] صعد النبي -ﷺ- على الصفا، فجعل ينادي: (يا بني فهر، يا بني عدي)، لبطون قريش، حتى اجتمعوا فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا لينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش، فقال: (أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقي؟) قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقا، قال: (فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد) فقال أبو لهب: تبا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟! فنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢)﴾ [المسد: ١ - ٢] (٢).
_________________
(١) أضواء البيان ٤: ٤٩٦.
(٢) أخرجه البخاري رقم (٤٧٧٠) في التفسير: باب قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ وفي مواضع أخرى، ومسلم رقم (٢٠٨) في الإيمان: باب قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾.
[ ١ / ٥٦ ]
فهذا تفسير نبوي فعلي لقوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤].
٤ - عن أنس -﵁- أن النبي -ﷺ- قرأ هذه الآية: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف: ١٤٣]، قال هكذا: وأمسك بطرف إبهامه على أنملة إصبعه اليمنى، قال: (فساخ الجبل، وخر موسى صعقا) (١).
وأما التقرير؛ فيبدو أن أمثلته قليلة جدا، ومنها: ما جاء عن عبد الله بن مسعود -﵁- قال: جاء حبر من اليهود، فقال: إنه إذا كان يوم القيامة جعل الله السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والماء والثرى على إصبع، والخلائق على إصبع، ثم يهزهن، ثم يقول: أنا الملك أنا الملك. فلقد رأيت النبي -ﷺ- يضحك حتى بدت نواجذه تعجبا وتصديقا لقوله، ثم قال النبي -ﷺ-: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧] (٢). فهذا تقرير نبوي يفيد في تفسير الآية.
ومن الأمثلة أيضا: ما جاء عن عمرو بن العاص -﵁- لما بعثه رسول الله -ﷺ- عام ذات السلاسل؛ قال: احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح، قال: فلما قدمنا على رسول الله -ﷺ- ذكرت ذلك له، فقال: (با عمرو، صليت بأصحابك وأنت جنب؟!) قال: قلت: نعم يا رسول الله، إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، وذكرت قول الله ﷿: ﴿ولَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]،
_________________
(١) انظر دراسة الحديث والكلام عليه برقم (٨٦) من أحاديث البحث.
(٢) أخرجه البخاري رقم (٧٥١٣) في التوحيد: باب كلام الرب ﷿ يوم القيامة، وفي مواضع أخرى، ومسلم رقم (٢٧٨٦) في صفة القيامة والجنة والنار.
[ ١ / ٥٧ ]
فتيممت ثم صليت. فضحك رسول الله -ﷺ- ولم يقل شيئا (١).
_________________
(١) أخرجه أحمد ٤: ٢٠٣، وأبو داود رقم (٣٣٤) في الطهارة: باب إذا خاف الجنب البرد أيتيمم؟، والدارقطني ١: ١٧٨ في التيمم رقم (١٢)، -ومن طريقه: ابن حجر في (تغليق التعليق) ٢: ١٨٩ - والحاكم ١: ١٧٧، والبيهقي في (الخلافيات) ٢: ٤٨٠ رقم (٨٢٤) من طريق يزيد بن أبي حبيب، عن عِمران بن أبي أَنَس، عن عبد الرحمن بن جُبير، عن عمرو -﵁-. قال البيهقي في (الخلافيات) ٢: ٤٨٠: "هذا مرسل، لم يسمعه عبد الرحمن بن جبير من عمرو بن العاص -﵁-". ومع ذلك فقد قال ابن حجر في (الفتح) ١: ٥٤١: "إسناده قوي". وأخرجه أبو داود رقم (٣٣٥) في الموضع السابق، وابن المنذر في (الأوسط) ٢: ٢٧ رقم (٥٢٨)، والدارقطني ١: ١٧٩ في التيمم رقم (١٣)، -ومن طريقه: ابن حجر في (تغليق التعليق) ٢: ١٨٨ - والحاكم ١: ١٧٧، والبيهقي في (السنن الكبرى) ١: ٢٢٦ وفي (الخلافيات) ٢: ٤٨٠ رقم (٨٢٥) من طريق يزيد بن أبي حبيب، عن عِمران بن أَبي أَنَس، عن عبد الرحمن بن جُبير، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص، أن عمرو بن العاص -﵁- .. فذكره، وفيه: أنه غسل مغابنه، وتوضأ وضوءه للصلاة. والحديث من هذا الوجه؛ صححه ابن حبان، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، وأقره الذهبي. وتكلم عليه الزيلعي في (نصب الراية) ١: ١٥٦ ثم قال في آخر بحثه: "والحاصل أن الحديث حسن أو صحيح". وللحديث طرق أخرى، ووقع فيه اختلاف. ينظر: تخريج أحاديث الكشاف للزيلعي ١: ٣٠٨ - ٣١٠. والحديث علقه البخاري -في كتاب التيمم: باب إذا خاف الجنب على نفسه المرض أو الموت أو خاف العطش تيمم- فقال: "ويذكر أن عمرو بن العاص أجنب في ليلة باردة، فتيمم، وتلا: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾، فذكر للنبي -ﷺ-، فلم يعنف". قال البيهقي في (السنن الكبرى) ١: ٢٢٦: "يحتمل أن يكون قد فعل ما نقل في الروايتين جميعا، غسل ما قدر على غسله، وتيمم للباقي". وقال النووي في (المجموع) ٢: ٢٨٣: "وهذا الذي قاله البيهقي متعين". وقوَّى ابن القيم -في (زاد المعاد) ٣: ٣٨٨ - الرواية الثانية على الأولى التي ذكر فيها التيمم.
[ ١ / ٥٨ ]
فأقره النبي -ﷺ- استدلاله بالآية في تلك الحادثة وهذا يفيد في فهم معناها.
وبعد بيان معنى التفسير النبوي، وذكر الأمثلة عليه؛ أنتقل إلى الحديث عن أنواع التفسير النبوي، فأقول -وبالله التوفيق-:
إن الوارد عن النبي -ﷺ- في بيان معاني القرآن متفاوت في درجات البيان، ويمكن تصنيفه إلى الدرجات التالية: