عرض بعض المتأخرين لهذه المسألة (١)، ونصب فيها الخلاف بين العلماء على قولين:
١ - أن الرسول -ﷺ- فسَّر وبين لأصحابه كل معاني القرآن، كما بين لهم ألفاظه. ونسب هذا القول لشيخ الإسلام ابن تيمية.
٢ - أنه -ﷺ- لم يبين لأصحابه كل معاني القرآن.
وعند التأمل يبدو أن الخصومة مفتعلة، وأن الخلاف لفظي، وأن حاصل البحث يؤدي إلى أن النبي -ﷺ- بيَّن لأصحابه ما يحتاجون إليه في تفسير القرآن، وهذا البيان على صور يأتي بيانها -إن شاء الله- في المبحث الثالث.
وهل يتصور عاقل أن النبي -ﷺ- فسَّر للصحابة ألفاظ القرآن كلها كالجبل والماء، والأرض والسماء، مع علو شأنه في الفصاحة والبلاغة، وما اختص به من جوامع الكلم؟!.
إن مجرد تصور هذا القول كاف في إبطاله ورده، وكما قيل: توضيح الواضحات من المشكلات، وإذا كان هذا مما يأنف منه العقلاء من الأفراد (٢)، فكيف ينسب إلى سيد العباد، وأفصح من نطق بالضاد؟!.
ولأجل هذا فقد حاولت تتبع تسلسل البحث في هذه المسألة، فوجدت أن أول من نصب الخلاف في المسألة بذكر القولين المتقابلين، وأدلة كل قول؛ هو الدكتور/ محمد
_________________
(١) أوسع من تكلم عن المسألة -فيما وقفت عليه- د. محمد الذهبي في (التفسير والمفسرون) ١: ٤٩ - ٥٥، ومنه استفاد من كتب بعده في المسألة.
(٢) قال ابن الجوزي في مقدمة تفسيره (زاد المسير) ١: ٧: "ولم أغادر من الأقوال التي أحطت بها إلا ما تبعد صحته مع الاختصار البالغ، فإذا رأيت في فرش الآيات ما لم يذكر تفسيره فهو لا يخلو من أمرين: إما أن يكون قد سبق، وإما أن يكون ظاهرا لا يحتاج إلى تفسير".
[ ١ / ٣٩ ]
حسين الذهبي -﵀- في كتابه (التفسير والمفسرون)، وهو من المتأخرين (ت ١٣٩٧ هـ)، وتتابع الناس بعده -ممن كتب في المسألة- متابعين له بنصب الخلاف.
والذي ظهر لي أن عرضه للخلاف في المسألة بتلك الصورة غيرُ صحيح، وسببُ وقوعه في ذلك: الوهمُ في فهمِ عبارة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، فإنه فهم منها أنه يذهب إلى أن النبي -ﷺ- فسَّر القرآن كله، من أوله إلى آخره، وهذا لا يوافق عليه كما سيأتي. وبالتالي لست محتاجا لعرض الخلاف وأدلة كل قول، لأن الخلاف لا وجود له أصلا. وما ذكره -وكذا من جاء بعده من الباحثين- من أدلة أخذها من كلام شيخ الإسلام وحملها على المعنى الذي فهمه أن النبي -ﷺ- فسَّر القرآن كله؛ فليس فيها دلالة على ذلك، كما أجاب عنها في أثناء مناقشة القولين.
ويؤيد ما سبق أنني لم أجد -فيما وقفت عليه- أحدا قبل الدكتور الذهبي نصَّ على أن النبي -ﷺ- فسَّر القرآن كله، بالمعنى الذي فهمه الدكتور، ولم أجد أحدا قبله ساق الخلاف في المسألة كما ساقه في كتابه.
وما ورد عن ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، فليس فيه ما نسب إليهما من كون النبي -ﷺ- فسَّر القرآن كله بجمله وألفاظه، وبيَّن كل معاني القرآن كما بين ألفاظه -كما صرَّح بذلك بعض من كتب في المسألة (١) -، بل هو محمول على ما سبق، ولعل من المناسب أن أسوق بعض عباراتهما في هذا المقام:
١ - قال ابن تيمية: "يجب أن يعلم أن النبي -ﷺ- بين لأصحابه معاني القرآن كما بين لهم ألفاظه، فقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] يتناول هذا وهذا" (٢).
_________________
(١) انظر على سبيل المثال: د. محمد الذهبي في (التفسير والمفسرون) ١: ٤٩، ود. محمد إبراهيم عبد الرحمن في (التفسير النبوي للقرآن وموقف المفسرين منه) ص ٥٣.
(٢) مجموع الفتاوى ١٣: ٣٣١، وهذا النص في صدر مقدمته المشهورة في أصول التفسير. وقد استفدت في جمع النقول عن ابن تيمية وابن القيم من (شرح مقدمة ابن تيمية في أصول التفسير) د. مساعد الطيار.
[ ١ / ٤٠ ]
٢ - وقال -﵀-: " .. ثم إن الصحابة نقلوا عن النبي -ﷺ- أنهم كانوا يتعلمون منه التفسير مع التلاوة، ولم يذكر أحد منهم عنه قط أنه امتنع من تفسير آية.
قال أبو عبد الرحمن السلمي: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن -عثمان بن عفان -﵁-، وعبد الله بن مسعود -﵁-، وغيرهما- أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي -ﷺ- عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل (١) " (٢).
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق في (المصنف) ٣: ٣٨٠ رقم (٦٠٢٧) في فضائل القرآن: باب تعليم القرآن وفضله، وابن أبي شيبة في (المصنف) ٦: ١١٨ رقم (٢٩٩٢٠) في فضائل القرآن: باب في تعليم القرآن كم آية؟ وأحمد في (المسند) ٥: ٤١٠، وابن سعد في (الطبقات) ٦: ١٧٢، والطبري في تفسيره ١: ٧٤، والطحاوي في (شرح مشكل الآثار) ٤: ٨٣ من طرق عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن، بنحوه. وزاد ابن سعد في آخره: "وإنّه سيرث القرآن بعدنا قوم ليشربونه شرب الماء لا يجاوز تراقيهم، بل لا يجاوز هاهنا، ووضع يده على الحلق". وعندهم: أصحاب النبي -ﷺ- أو الذين كانوا يقرئوننا من غير تسمية، ورواية التعيين أعلها الإمام الدارقطني في (العلل) ٣: ٦٠. فائدة: ورد هذا المعنى عن عبد الله بن مسعود -﵁- قال: (كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن، والعمل بهن). أخرجه الطبري ١: ٧٤ من طريق الأعمش، عن شقيق، عن ابن مسعود -﵁-، وصححه ١: ٨٣. وأخرجه الطحاوي في (شرح مشكل الآثار) ٤: ٨٢، والحاكم ١: ٥٥٧، والبيهقي في (السنن الكبرى) ٣: ١١٩، كلهم من طريق شريك عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن عبد الله -﵁-. وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. وأقره الذهبي. وشريك؛ هو النخعي القاضي، يخطىء كثيرا، وقال الدارقطني: ليس بالقوي فيما يتفرد به. ينظر: تهذيب الكمال ١٢: ٤٦٢.
(٢) مجموع الفتاوى ١٣: ٣٠٨.
[ ١ / ٤١ ]
٣ - وقال -﵀-: "الصحابة" بلغوا عن النبي -ﷺ- لفظ القرآن ومعانيه جميعا كما ثبت ذلك عنهم، مع أن هذا مما يعلم بالضرورة عن عادتهم، فإن الرجل لو صنف كتاب علم في طب أو حساب أو غير ذلك، وحفظه تلامذته؛ لكان يعلم بالاضطرار أن هممهم تشوق إلى فهم كلامه ومعرفة مراده .. وهل يتوهم عاقل أنهم كانوا إنما يأخذون منه مجرد حروفه وهم لا يفقهون ما يتلوه عليهم ولا ما يقرؤونه، ولا تشتاق نفوسهم إلى فهم هذا القول، ولا يسألونه عن ذلك، ولا يبتدىء هو بيانه لهم! هذا مما يعلم بطلانه أعظم مما يعلم بطلان كتمانهم ما تتوفر الهمم والدواعي على نقله، ومن زعم أنه لم يبين لهم معاني القرآن أو أنه بينها وكتموها عن التابعين فهو بمنزلة من زعم أنه بين لهم النص على عليٍّ وشيئا آخر من الشرائع والواجبات، وأنهم كتموا ذلك، أو أنه لم يبين لهم معنى الصلاة والزكاة والصيام والحج ونحو ذلك مما يزعم القرامطة أن له باطنا يخالف الظاهر .. فقولنا بتفسير الصحابة والتابعين لعلمنا بأنهم بلغوا عن الرسول ما لم يصل إلينا إلا بطريقهم، وأنهم علموا معنى ما أنزل الله على رسوله تلقيا عن الرسول، فيمتنع أن نكون نحن مصيبين في فهم القرآن وهم مخطئون، وهذا يعلم بطلانه ضرورة عادة وشرعا" (١).
٤ - وقال -﵀-: " .. ومن المعلوم أن رغبة الرسول في تعريفهم معاني القرآن أعظم من رغبته في تعريفهم حروفه، فإن معرفة الحروف بدون المعاني لا تحصل المقصود إذ اللفظ إنما يراد للمعنى" (٢).
_________________
(١) بغية المرتاد ص ٣٣٠ - ٣٣٢.
(٢) مجموع الفتاوى ٥: ١٥٧. تنبيه: قال السيوطي في (الإتقان) ٢: ٥٦٩: "وقد صرح ابن تيمية -فيما تقدم وغيره- بأن النبي -ﷺ- بين لأصحابه تفسير جميع القرآن أو غالبه". ولم أجد هذا عن ابن تيمية، وقد سبق للسيوطي نقل كلام ابن تيمية من مقدمته في أصول التفسير -وقد سبق نقله- فلعله ذكر هذا بناء على فهمه، والله أعلم.
[ ١ / ٤٢ ]
٥ - وقال ابن القيم -﵀-: " .. فكما بلغ الرسول ألفاظ القرآن للأمة بلغهم معانيه، بل كانت عنايته بتبليغ معانيه أعظم من مجرد تبليغ ألفاظه، ولهذا وصل العلم بمعانيه إلى من لم يصل إليه حفظ ألفاظه، والنقل لتلك المعاني أشد تواترا وأقوى اضطرارا، فإن حفظ المعنى أيسر من حفظ اللفظ، وكثير من الناس يعرف صورة المعنى ويحفظها، ولا يحفظ اللفظ، والذين نقلوا الدين عنه علموا مراده قطعا لما تلا عليهم من تلك الألفاظ" (١).
٦ - وقال -﵀-: " .. فهذه الأحاديث تقرر نصوص القرآن، وتكشف معانيها كشفا مفصلا، وتقرب المراد، وتدفع عنه الاحتمالات، وتفسر المجمل منه، وتبينه وتوضحه لتقوم حجة الله به، ويعلم أن الرسول بيَّن ما أنزل إليه من ربه، وأنه بلغ ألفاظه ومعانيه بلاغا مبينا حصل به العلم اليقيني، بلاغا أقام الحجة، وقطع المعذرة، وأوجب العلم، وبينه أحسن البيان وأوضحه" (٢).
فهذه النقول عنهما محمولة على أنه -ﷺ- بين ما يحتاج إليه من كتاب الله ﷿، لا كما فهمه بعض المتأخرين أنه فسَّر القرآن كله للصحابة من أوله إلى آخره؛ بآياته وجمله وألفاظه، وكيف يتصور ذلك والقرآن نزل بلسان عربي مبين على أرباب العربية والفصاحة! فكان الصحابة يفهمون القرآن بمجرد سماعه غضا طريا من النبي -ﷺ-، وإنما بين مواضع الإشكال والإجمال مما يحتاج إلى بيانه.
والدليل على ذلك من كلام شيخ الإسلام نفسه أنه قال -في المقدمة نفسها-: "فإن قال قائل: فما أحسن طرق التفسير؟ فالجواب: أن أصح الطرق في ذلك: أن يفسر القرآن بالقرآن .. فإن أعياك ذلك؛ فعليك بالسنة فإنها شارحة للقرآن، وموضحة له .. وإذا لم نجد التفسير في القرآن ولا في السنة؛ رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة .. إذا لم تجد التفسير في
_________________
(١) الصواعق المرسلة ٢: ٦٣٦.
(٢) مختصر الصواعق المرسلة ص ٤٥٦، وانظر ما بعدها.
[ ١ / ٤٣ ]
القرآن ولا في السنة، ولا وجدته عن الصحابة، فقد رجع كثير من الأئمة في ذلك إلى أقوال التابعين" (١).
فهذا نص واضح أن من التفسير ما لا نجده في السنة، فكيف ينسب إليه القول بأن النبي -ﷺ- بين للأمة معاني القرآن كله، وفسَّره لهم كاملا؟!.
وأرى أن قوله السابق في مقدمته: "يجب أن يعلم أن النبي -ﷺ- بين لأصحابه معاني القرآن كما بين لهم ألفاظه" من جنس قوله -ﷺ-: (إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر ..) (٢) فالتشبيه في الحديث لوضوح الرؤية لا بالمرئي، وكذلك في كلام ابن تيمية التشبيه في وضوح البيان، فقد بين النبي -ﷺ- ألفاظ القرآن ومعانيه بيانا واضحا كافيا.
قال البقاعي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾ [النحل: ٤٤]: " (لتبين للناس) كافة بما أعطاك الله من الفهم الذي فقت فيه جميع الخلق، واللسان الذي هو أعظم الألسنة وأفصحها، وقد أوصلك الله فيه إلى رتبة لم يصل إليها أحد، (ما نزل) أي وقع تنزيله (إليهم) من هذا الشرع الحادي إلى سعادة الدارين، بتبيين المجمل، وشرح ما أشكل، من علم أصول الدين الذي رأسه التوحيد، ومن البعث وغيره" (٣).
_________________
(١) مقدمة شيخ الإسلام في أصول التفسير، وهي ضمن مجموع الفتاوى ١٣: ٣٦٣ وما بعدها. وانظر: (تفسير القرآن: أصوله وضوابطه) ص ٥٨.
(٢) أخرجه البخاري (٥٥٤) في مواقيت الصلاة: باب فضل صلاة العصر، و(٥٧٣) في مواقيت الصلاة: باب فضل صلاة الفجر، و(٤٨٥١) في تفسير القرآن: باب قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩)﴾، ومسلم (٦٣٣) في المساجد ومواضع الصلاة: باب فضل صلاتي الصبح والعصر، وغيرهما من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله -﵁-.
(٣) نظم الدرر ١١: ١٦٨.
[ ١ / ٤٤ ]
ومن المناسب هنا أن يذكر ما جاء عن ابن عباس -﵁- قال: (التفسير على أربعةِ أوجهٍ: وجهٌ تعرفه العربُ من كلامها، وتفسير لا يُعذر أحدٌ بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله) (١).
قال الإمام الطبري: "تأويل جميع القرآن على أوجهٍ ثلاثة:
أحدها: لا سبيل إلى الوصول إليه، وهو الذي استأثر الله بعلمه، وحَجب علمه عن جميع خلقه، وهو أوقاتُ ما كانَ من آجال الأمور الحادثة، التي أخبر الله في كتابه أنها كائنة، مثل: وقت قيام الساعة، ووقت نزول عيسى بن مريم، ووقت طلوع الشمس من مغربها، والنفخ في الصور، وما أشبه ذلك.
والوجه الثاني: ما خصَّ الله بعلم تأويله نبيَّه -ﷺ- دون سائر أمته، وهو ما فيه مما بعباده إلى علم تأويله الحاجةُ، فلا سبيل لهم إلى علم ذلك إلا ببيان الرسول -ﷺ- لهم تأويلَه.
والثالث منها: ما كان علمهُ عند أهل اللسان الذي نزل به القرآن، وذلك علم تأويل غريبه وإعرابه، لا يُوصَل إلى علم ذلك إلا من قِبَلهم" (٢).
_________________
(١) أخرجه الطبري ١: ٧٠ من طريق أبي الزناد عن ابن عباس، ولم يسمع منه. ينظر: تهذيب الكمال ١٤: ٤٨٢. وأخرجه الفريابي في (القدر) رقم (٤١٤) والطبراني في (مسند الشاميين) ٢: ٣٠٢ رقم (١٣٨٥) من طريق أبي حصين عثمان بن عاصم، عن أبي صالح باذام، عن ابن عباس -﵁-، بنحوه. وأبو صالح لم يسمع من ابن عباس كا سيأتي في بحث الحديث رقم (١٢١). ولعله يتقوى بمجموع الطريقين. وأخرجه ابن المنذر في تفسيره ١: ١٣١ (٢٥٥) من طريق محمد بن السائب الكلبي، عن ابن عباس!، والكلبي متهم بالكذب، كما سيأتي تفصيله في الحديث رقم (١٢١).
(٢) تفسير الطبري ١: ٨٧ - ٨٨.
[ ١ / ٤٥ ]
وقال أيضا: "مِن تأويل القرآن ما لا يُدرك علمُه إلا ببيان الرسول -ﷺ-، وذلك تفصيلُ جُمَلِ ما في آيِه من أمر الله ونَهيه، وحلاله وحرامه، وحدوده وفرائضه، وسائر معاني شرائع دينه، الذي هو مجُمَلٌ في ظاهر التنزيل، وبالعباد إلى تفسيره الحاجة؛ لا يُدرَك علمُ تأويله إلا ببيان من عند الله على لسان رسوله -ﷺ-" (١).
وقال الزركشي: "ينقسم القرآن العظيم إلى ما هو بيِّن بنفسه بلفظ لا يحتاج إلى بيان منه ولا من غيره، وهو كثير .. -وذكر أمثلة عليه- وإلى ما ليس ببين بنفسه، فيحتاج إلى بيان. وبيانه؛ إما فيه في آية أخرى، أو في السنة، لأنها موضوعة للبيان، قال تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] " (٢).
ومما يدل على أن النبي -ﷺ- لم يفسِّر القرآن كله؛ وجود الخلاف بين الصحابة ﵃ في معنى بعض ألفاظ القرآن، وإن كان أكثره يعود إلى اختلاف التنوع، ولو كان عندهم تفسير نبوي كامل لجميع ألفاظ القرآن لرجعوا إليه عند الاختلاف، واتفقوا عليه.
قال ابن تيمية -﵀-: "الخلاف بين السلف في التفسير قليل، وخلافهم في الأحكام أكثر من خلافهم في التفسير، وغالب ما يصح عنهم من الخلاف يرجع إلى اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد" (٣).
وقال أيضا: "وأما ما صح عن السلف أنهم اختلفوا فيه اختلاف تناقض فهذا قليل بالنسبة إلى ما لم يختلفوا فيه" (٤).
_________________
(١) تفسير الطبري ١: ٨٢.
(٢) البرهان ٢: ١٨٣ - ١٨٤.
(٣) مجموع الفتاوى ١٣: ٣٣٣.
(٤) المرجع السابق ٥: ١٦٢.
[ ١ / ٤٦ ]
ويؤيد ما سبق أيضا: دعاء النبي -ﷺ- لابن عباس -﵁- بقوله: (اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل) (١)، قال ابن الأثير: "النهي عن تفسير القرآن بالرأي لا يخلو إما أن يكون المراد به: الاقتصار على النقل والمسموع، وترك الاستنباط، أو المراد به: أمر آخر.
وباطل أن يكون المراد به: ألا يتكلم أحد في القرآن إلا بما سمعه، فإن الصحابة ﵃ قد فسروا القرآن، واختلفوا في تفسيره على وجوه، وليس كل ما قالوه سمعوه من النبي -ﷺ-، وإن النبي -ﷺ- دعا لابن عباس فقال: (اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل)، فإن كان التأويل مسموعا كالتنزيل؛ فما فائدة تخصيصه بذلك؟ " (٢).
وقد وقفت على نص نفيس لأحد كبار أئمة المحدثين، وهو الحافظ ابن حبان البستي، فقد قال: "الله جل وعلا ولَّى رسوله -ﷺ- تفسير كلامه، وبيان ما أنزل إليه لخلقه، حيث قال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] ومن أمحل المحال أن يأمر الله جل وعلا النبي المصطفى أن يبين لخلقه مراده -حيث جعله موضع الأمانة عن
_________________
(١) أخرجه أحمد في (المسند) ١: ٢٦٦، ٣١٤، ٣٢٨، ٣٣٥، وفي (فضائل الصحابة) رقم (١٨٥٦) (١٨٥٨) (١٨٨٢)، وابن سعد في (الطبقات) ٢: ٣٦٥، وابن حبان في صحيحه كما في الإحسان ١٥: ٥٣١ رقم (٧٠٥٥)، والحاكم في (المستدرك) ٣: ٥٣٤ كلهم من طريق عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄، بهذا اللفظ. وقال الحاكم: حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. وأقره الذهبي. وأصل الحديث في الصحيحين، وليس فيهما (علمه التأويل). ينظر: صحيح البخاري رقم (٧٥) (٣٧٥٦) (٧٢٧٠)، وصحيح مسلم رقم (٢٤٧٧)، ولفظ البخاري في المواضع الثلاثة: (اللهم علمه الكتاب)، ولفظ مسلم: (اللهم فقهه). قال السندي في حاشيته على مسند أحمد -كما في المسند المحقق ٤: ٢٢٦ -: "المراد بالتأويل: تأويل القرآن، فكان يسمى بحرا، وترجمان القرآن، والله تعالى أعلم".
(٢) جامع الأصول ٢: ٤.
[ ١ / ٤٧ ]
كلامه- ويفسر لهم؛ حتى يفهموا مراد الله جل وعلا من الآي التي أنزلها الله عليه، ثم لا يفعل ذلك رسول رب العالمين وسيد المرسلن، بل بأن عن مراد الله جل وعلا في الآي، وفسر لأمته ما يهم الحاجة إليه وهو سننه -ﷺ- فمن تتبع السنن حفظها وأحكمها؛ فقد عرف تفسير كلام الله جل وعلا وأغناه الله تعالى عن الكلبي وذويه. وما لم يبين رسول الله -ﷺ- لأمته معاني الآي التي أنزلت عليه مع أمر الله جل وعلا له بذلك، وجاز له ذلك، كان لمن بعده من أمته أجوز، وترك التفسير لما تركه رسول الله -ﷺ- أحرى، ومن أعظم الدليل على أن الله جل وعلا لم يرد بقوله: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ القرآنَ كلَّه: أن النبي -ﷺ- ترك من الكتاب متشابها من الآي، وآيات ليس فيها أحكام، فلم يبين كيفيتها لأمته، فلما فعل رسول الله -ﷺ- دَلَّ ذلك على أن المراد من قوله: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ كان بعض القرآن لا الكل" (١).
ويلزم من قال إن النبي -ﷺ- فسَّر جميع ألفاظ القرآن -كما فهمه بعض المعاصرين- أن جزءا كبيرا من سنة النبي -ﷺ- في بيان القرآن أضاعه الصحابة أو من بعدهم، أو كتموه عن الأمة إما كتمان رواية أصلا، أو كتمان نسبة بأن كانوا يفسرون القرآن بما سمعوه من النبي -ﷺ- ثم لا ينسبونه إليه، ولا يخفى شناعة هذه اللوازم وبشاعتها (٢).
_________________
(١) المجروحين ٢: ٢٥٥ - ٢٥٦.
(٢) من العجب ما قرره محمد إبراهيم سليم في كتابه (مرشد المفسرين والمحدثين) حيث قال ص ٣: "النبي -ﷺ- بيَّن القرآن كله للصحابة، ولاسيما ما أشكل عليهم، أو خفي عليهم المراد منه، ولكن لم ينقل إلينا عنه -ﷺ- كل ما يتعلق بآيات القرآن، وربما كان السبب في هذا أنهم كانوا لفهمهم الكثير من آياته بمقتضى فطرتهم اللغوية، وعلمهم بالشريعة؛ رأوا ألا حاجة لنقل ما يتعلق بتفسير القرآن، ظنا منهم أن من يأتي بعدهم فهو مثلهم أو يدانيهم، وأيضا فإن اشتغالهم بالجهاد والفتوحات ونشر الإسلام، لم يدع لهم وقتا للتفرغ للعلم والرواية".
[ ١ / ٤٨ ]
وأود أن أنبه بهذه المناسبة إلى ما ذكره غالب من تكلم في المسألة في سياق أدلة من قال: إن النبي -ﷺ- لم يفسِّر جميع القرآن، وهو ما جاء عن عائشة - ﵂ -، قالت: (ما كان النبي -ﷺ- يُفسِّر شيئًا من القرآن إلا آيًا بعَددٍ، علَّمهنّ إياه جبريلُ) (١).
_________________
(١) أخرجه الطبري في تفسيره ١: ٧٨ - ٧٩ في موضعين، وابن حبان في (الثقات) ٧: ٣٩٦، وابن القيسراني في (المؤتلف والمختلف) ١: ١٧١، من طريق جعفر بن محمد بن خالد الزبيري -ونسبه الطبري في الموضع الثاني إلى جده، وعند ابن حبان: محمد بن جعفر-، قال: حدثني هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة -﵂-. ثم قال الطبري ١: ٨٣ - أثناء بحثه ومناقشه في معنى الحديث-: " .. هذا مع ما في الخبر الذي رُوي عن عائشة من العلَّة التي في إسناده، التي لا يجوز معها الاحتجاجُ به لأحدٍ ممن علم صحيحَ سَند الآثار وفاسدَها في الدين. لأن راويه ممن لا يُعْرف في أهل الآثار، وهو: جعفر بن محمد الزبيري". وأخرجه البزار -كما في مختصر زوائده ٢: ٧٤ رقم (١٤٤٨) - من طريق محمد بن خالد بن عثمة، ثنا حفص -أظنه ابن عبد الله- عن هشام بن عروة، به. وأخرجه أبو يعلى في مسنده ٨: ٢٣ رقم (٤٥٢٨) من طريق معن القزاز، عن فلان بن محمد بن خالد، عن هشام بن عروة، به. ولفظه عندهما -البزار وأبي يعلى-: "كان لا يفسر شيئًا من القرآن برأيه إلا آيا بعدد علمهن إياه جبريل". وأورده الهيثمي في (مجمع الزوائد) ٦: ٣٠٣ وقال: "رواه أبو يعلى والبزار .. وفيه راو لم يتحرر اسمه عند واحد منهما، وبقية رجاله رجال الصحيح، أما البزار فقال: عن حفص أظنه ابن عبد الله عن هشام بن عروة، وقال أبو يعلى: عن فلان بن محمد بن خالد". ويبدو أن مدار الحديث على: جعفر بن محمد بن خالد، وقد تصحف عند البزار إلى حفص فظنه ابن عبد الله، كما أشار إلى ذلك الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على تفسير الطبري ١: ٨٤، وعند أبي يعلى خفيت (جعفر) على بعض الرواة فأداها: فلان بن محمد بن خالد، بدليل أن أبا يعلى رواه من طريق معن القزاز عن فلان بن محمد بن خالد، عن هشام بن عروة، به. وقد رواه الطبري ١: ٧٨ - ٧٩ من طريق معن نفسه، عن جعفر، به. =
[ ١ / ٤٩ ]
ومع ضعف الرواية؛ فقد تكلم الإمام الطبري -﵀- في توجيهها وشرحها، ومما قاله في ذلك:"من تأويل القرآن ما لا يُدرك علمُه إلا ببيان الرسول -ﷺ- وذلك تفصيل جُمَلِ ما في آيه من أمر الله ونَهْيه، وحلاله وحرامه، وحدوده وفرائضه، وسائر معاني شرائع دينه، الذي هو مجمَلٌ في ظاهر التنزيل، وبالعباد إلى تفسيره الحاجة، لا يُدرَك علمُ تأويله إلا ببيان من عند الله على لسان رسوله -ﷺ- .. ومن آي القرآن ما قد ذكرنا أن الله جل ثناؤه استأثرَ بعلم تأويله، فلم يُطلعْ على علمه مَلكًا مقربًا، ولا نبيًا مرسلا، ولكنهم يؤمنون بأنه من عنده، وأنه لا يعلم تأويله إلا الله.
فأما ما لابُدَّ للعباد من علم تأويله، فقد بيّن لهم نبيهم -ﷺ- ببيان الله ذلك له بوحيه مع جبريل، وذلك هو المعنى الذي أمره الله ببيانه لهم .. ولو كان تأويل الخبر عن رسول الله -ﷺ- أنه كان لا يفسر من القرآن شيئًا إلا آيًا بعَددٍ -هو ما يسبقُ إليه أوهامُ أهل
_________________
(١) = وجعفر هذا؛ قال عنه البخاري: لا يتابع في حديثه. وقال الأزدي: منكر الحديث. وقال الطبري: لا يُعْرف في أهل الآثار. وذكره ابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل) ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا. وذكره ابن حبان في (الثقات). وذكره الذهبي في الضعفاء. ينظر: تفسير الطبري ١: ٨٣ الجرح والتعديل ٢: ٤٨٧، الثقات ٦: ١٣٣، (المغني في الضعفاء) للذهبي ١: ١٣٤، لسان الميزان ٢: ١٥٥. ثم وقفت عليه في (تاريخ بغداد) للخطيب ١٣: ٢٥٣، وفي (تاريخ دمشق) لابن عساكر ٤٣: ٢٤٧ من طريق أيى عمرو بن العلاء، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂، قالت: ما فسر رسول الله -ﷺ- من القرآن إلا آيات يسيرة، قوله: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ قال: (شكركم). لكن في سنده. أحمد بن الحسن المقرىء، ولقبه: دبيس، قال الدارقطني: ليس بثقة، وقال الخطيب: منكر الحديث، وذكره الذهبي في الضعفاء. ينظر: تاريخ بغداد ٤: ٨٨ المغني في الضعفاء ١: ٣٦، لسان الميزان ١: ٢٥٧. والحديث أورده ابن كثير في تفسيره ١: ١٤ وقال: "حديث منكر غريب"، والسيوطي في (الإتقان) ٢: ٥٧٠ وقال: "حديث منكر".
[ ١ / ٥٠ ]
الغباء من أنه لم يكن يفسّر من القرآن إلا القليل من آيِهِ واليسيرَ من حروفه؛ كان إنما أُنزلَ إليه -ﷺ- الذكرُ ليَتركَ للناس بيانَ ما أنزل إليهم، لا ليبين لهم ما أُنزل إليهم.
وفي أمر الله جلّ ثناؤه نبيَّه -ﷺ- ببلاغ ما أنزل إليه، وإعلامه إياه أنه إنما نزل إليه ما أنزل ليبين للناس ما نزل إليهم، وقيامِ الحجة على أنّ النبيّ -ﷺ- قد بلّغ وأدّى ما أمره الله ببلاغه وأدائِه على ما أمره به وصحةِ الخبر عن عبد الله بن مسعود بقيله: كان الرجل منا إذا تعلم عشرَ آيات لم يجاوزهُن حتى يعلم معانيهنّ والعملَ بهنّ؛ ما ينبىء عن جهل من ظنَّ أو توهَّم أنّ معنى الخبر الذي ذكرنا عن عائشة عن رسول الله -ﷺ-: (أنه لم يكن يفسر من القرآن شيئا إلا آيًا بعَددٍ)، هو أنه لم يكن يبين لأمته من تأويله إلا اليسير القليل منه" (١).
وعقب عليه ابن حبان بعد تخريجه، فقال: "ويشبه أن يكون معنى التفسير للآية بعينها، وأما سنته كلها فهي تفسير القرآن، قال الله ﷿ ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] " (٢).
وتكلم عليه ابن عطية الأندلسي، فقال: "ومعنى هذا الحديث في مغيبات القرآن، وتفسير مجمله، ونحو هذا مما لا سبيل إليه إلا بتوقيف من الله تعالى" (٣).
فالحاصل بعد هذا كله؛ أن النبي -ﷺ- بين للأمة ما تحتاج إليه في كتاب الله تعالى، وما مات حتى أكمل الله به الدين، وأتم به النعمة، ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، وحتى بلَّغ الرسالة حق البلاع امتثالا لأمر ربه تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧]، وبلاغه إياه يتضمن بلاغ ألفاظه، وبلاغ معانيه ببيان ما تحتاج الأمة إليه من ذلك. وقد قال -ﷺ- لأصحابه في
_________________
(١) تفسير الطبري ١: ٨٢ - ٨٣.
(٢) كتاب الثقات ٧: ٣٩٦.
(٣) (المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز) ١: ١٧، ونقله عنه القرطبي في تفسيره ١: ٣١ وغيره.
[ ١ / ٥١ ]
ذلك المحفل العظيم؛ في خطبة عرفة في حجة الوداع: (قد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله، وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟) قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء، وينكتها إلى الناس: (اللهم اشهد، اللهم اشهد)، ثلاث مرات (١).
وعن أي ذر -﵁- قال: تركنا رسول الله -ﷺ- وما طائر يقلب جناحيه في الهواء إلا وهو يذكرنا منه علما، قال: فقال -ﷺ-: (ما بقي شيء يقرب من الجنة، ويباعد من النار؛ إلا وقد بين لكم) (٢).
_________________
(١) أخرجه مسلم رقم (١٢١٨) في الحج: باب حجة النبي -ﷺ-. وهو جزء من حديث جابر -﵁- الطويل في صفة حجه -ﷺ-.
(٢) أخرجه بتمامه: الطبراني في (الكبير) ٢: ١٥٥ رقم (١٦٤٧)، قال: حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، ثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقرىء، ثنا سفيان بن عيينة، عن فطر، عن أبي الطفيل، عن أبي ذر -﵁- .. فذكره. وأخرجه البزار في مسنده (البحر الزخار) ٩: ٣٤١ رقم (٣٨٩٧) عن محمد بن عبد الله بن يزيد المقرىء، وابن حبان في صحيحه كما في الإحسان ١: ٢٦٧ رقم (٦٥)، أخبرنا الحسين بن أحمد بن بسطام، حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد، به، مقتصرا على الموقوف فقط. وأخرجه الدارقطني في (العلل) ٦: ٢٩٠، والذهبي في (تذكرة الحفاظ) ٣: ٨٢٩ من طريق يحيى بن أبي بكير، عن سفيان الثوري، عن فطر، به، مقتصرا على الموقوف فقط. وضعف الدارقطنيُ روايةَ الثوري هذه. وأخرجه أحمد ٥: ١٦٢، ووكيع في (الزهد) رقم (٥٢٢)، وعنه: ابن سعد في (الطبقات) ٢: ٣٥٤، كلهم من طريق فطر بن خليفة، عن منذر الثوري، عن أبي ذر -﵁- موقوفا بنحوه. ومنذر الثوري لم يدرك أبا ذر -﵁-، كما نص على ذلك البزار في مسنده ٩: ٣٤١. وقد جاءت الواسطة مبهمة فيما رواه أحمد ٥: ١٥٣، ١٦٢، والطيالسي في مسنده ١: ٣٨٥ رقم (٤٨١) من طريق الأعمش، عن منذر الثوري، عن أشياخ لهم، عن أبما ذر -﵁- موقوفا بنحوه.=
[ ١ / ٥٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = فالخلاصة أن الحديث يرويه عن أبي ذر -﵁- راويان:
(٢) مندر الثوري، بالوقف. وهو منقطع، وقد جاءت الواسطة في بعض الروايات مبهمة.
(٣) أبو الطفيل عامر بن واثلة. يرويه فطر، عن أبي الطفيل، وعن فطر يرويه راويان: (أ) سفيان الثوري، عن فطر، به، موقوفا. (ب) سفيان بن عيينة. ويرويه عنه: محمد بن عبد الله بن يزيد المقرىء. واختلف عليه، فرواه: البزار، والحسين بن أحمد بن بسطام، عنه، عن ابن عيينة، به، موقوفا. ورواه محمد بن عبد الله الحضرمي، عنه، عن سفيان، به، بزيادة المرفوع. وسئل عنه الدارقطني في (العلل) ٦: ٢٩٠، فقال: "يرويه ابن عيينة، عن فطر بن خليفة، عن أبي الطفيل، عن أبي ذر .. وغير ابن عيينة يرويه عن فطر، عن منذر الثوري، عن أبي ذر مرسلا وهو الصحيح. وقال شعبة والثوري وابن نمير: عن الأعمش، عن منذر الثوري، عن أشياخ لهم، عن أبي ذر". ومراده بالمرسل أي المنقطع على اصطلاحهم المعروف. ويبدو أن فطر بن خليفة قد اضطرب في الحديث؛ فقد أخرجه أحمد بن منيع، كما في (المطالب العالية) ٤: ٢١٤ قال: ثنا محمد بن عبيد الطنافسي، ثنا فطر -هو ابن خليفة-، عن أبي يعلى هو منذر الثوري، عن أبي الدرداء -﵁- فذكره بنحوه موقوفا عليه. وعقب عليه ابن حجر، فقال: "رواته ثقات، إلا أنه منقطع، واختلف على فطر". وأخرجه أبو يعلى في مسنده ٩: ٤٦ رقم (٥١٠٩) من طريق فطر بن خليفة، عن عطاء، قال: قال أبوالدرداء -﵁- .. فذكره موقوفا. وعطاء؛ هو ابن أبي رباح، لم يسمع من أبي الدرداء -﵁-. ولد عطاء سنة ٢٧ هـ بالجَنَد من بلاد اليمن، ونشأ بمكة؛ ومات أبو الدرداء -﵁- بالشام سنة ٣٢ هـ. وكذا لم يسمع فطرٌ من عطاء، كما في ترجمة فطر من (تهذيب التهذيب) ٤: ٥٠٧. وأورد الهبثميُ أثرَ أبي الدرداء هذا في (مجمع الزوائد) ٨: ٢٦٤، وقال: "رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح". والحديث المذكور في الأصل أورده الهيثمي في (مجمع الزوائد) ٨: ٢٦٤، وقال: "رجال الطبراني رجال الصحيح غير محمد بن عبد الله بن يزيد المقري، وهو ثقة". والحديث المرفوع له شواهد من الكتاب والسنة يطول المقام بذكرها.
[ ١ / ٥٣ ]