بمعنى أن يستفاد من السنة النبوية في بيان الموضوع الذي تضمنته الآية تقريرا أو تفصيلا دون أن يكون في الحديث تفسير مباشر للآية.
فمثلا: عند قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤]؛ تذكر الأحاديث التالية:
(أ) عن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: (ناركم جزء من سبعين جزءا من نار جهنم) قيل: يا رسول الله؛ إن كانت لكافية قال. (فضلت عليهن بتسعة وستين جزءا، كلهن مثل حرها) (٢).
_________________
(١) قال القنوجي في (فتح البيان) ١: ٢١: "الثابت الصحيح من التفسير المرفوع إلى النبي -ﷺ- وإن كان المصير إليه متعينا، وتقدبمه متحتما؛ هو تفسير آيات قليلة بالنسبة إلى جميع القرآن".
(٢) أخرجه البخاري رقم (٣٢٦٥) في بدء الخلق: باب صفة النار وأنها مخلوقة، ومسلم رقم (٢٨٤٣) في الجنة وصفة نعيمها: باب في شدة حر نار جهنم.
[ ١ / ٦٠ ]
(ب) عن أي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: (إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم. واشتكت النار إلى رجمها فقالت: يا رب؛ أكل بعضي بعضا، فأذن لها بنفسين؛ نفس في الشتاء، ونفس في الصيف، فهو أشد ما تجدون من الحر، وأشد ما تجدون من الزمهرير) (١).
(جـ) عن أي هريرة -﵁- قال: كنا مع رسول الله -ﷺ- إذ سمع وجبة، فقال النبي -ﷺ-: (تدرون ما هذا؟) قال: قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: (هذا حجر رمي به في النار منذ سبعين خريفا فهو يهوي في النار الآن حتى انتهى إلى قعرها) (٢).
ونحوها من الأحاديث الواردة في صفة النار، وشدة حرارتها، والتخويف منها.
مثال آخر: عند قوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]، يذكر ما يقرر هذا الموضوع ويبينه من الأحاديث، ومن ذلك: ما جاء عن أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: (لا ترغبوا عن آبائكم، فمن رغب عن أبيه فهو كفر) (٣).
ومثال ثالث: عند قوله تعالى: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [التوبة: ٣٨]، يذكر ما ورد من الأحاديث في حقارة الدنيا، والتزهيد فيها، والترغيب في الآخرة، وأن نسبة الدنيا إلى الآخرة كنسبة ما يعلق بالإصبع إذا غُمِسَ في البحرِ إلى البحرِ كلِّه. وقد ورد في هذا المعنى أحاديثُ كثيرة.
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٥٣٧) في مواقبت الصلاة باب الإبراد بالظهر في شدة الحر، ومسلم رقم (٦١٧) في المساجد ومواضع الصلاة باب استحباب الإبراد بالظهر في شدة الحر، واللفظ للبخاري.
(٢) أخرجه مسلم رقم (٢٨٤٤) في الجنة وصفة نعيمها: باب في شدة حر نار جهنم وبعد قعرها.
(٣) أخرجه البخاري رقم (٦٧٦٨) في الفرائض: باب من ادعى الى غير أبيه، ومسلم رقم (٦٢) في الإيمان: باب بيان حال إيمان من رغب عن أبيه.
[ ١ / ٦١ ]
وبهذا يظهر أن دائرة البيان النبوي للقرآن الكريم بهذا النوع واسعة.
وقد توسع بعض المفسرين في هذا الباب حتى صارت تفاسيرهم أشبه بالكتب الجوامع، وقد انتقد الإمام الشوكاني هذا المسلك، فقال في صدر تفسير سورة الإسراء: "واعلم أنه قد أطال كثير من المفسرين كابن كثير والسيوطي وغيرهما في هذا الموضع بذكر الأحاديث الواردة في الإسراء على اختلاف ألفاظها، وليس في ذلك كثير فائدة، فهي معروفة في موضعها من كتب الحديث، وهكذا أطالوا بذكر فضائل المسجد الحرام والمسجد الأقصى، وهو مبحث آخر، والمقصود في كتب التفسير؛ ما يتعلق بتفسير ألفاظ الكتاب العزيز، وذكر أسباب النزول، وبيان ما يؤخذ منه من المسائل الشرعية، وما عدا ذلك فهو فضلة لا تدعو إليه حاجة" (١).