اذكروا أيها اليهود المعاصرون النعم التي أنعم الله بها على آبائكم، وهي نعم عليكم أيضا بالتبع، اذكروها حتى تقوموا بشكرها وتلجأوا لبارئها.
١- فقد نجى الله آباءكم من فرعون وآله فإنه كان يذيقكم العذاب الشديد، يذبح أبناءكم الذكور ويترك بناتكم يحيون، فقد ورد أن فرعون رأى نارا أطلقت من بيت المقدس وأحاطت بمصر، وانزعج من هذه الرؤيا، وفسرت له بأنه سيخرج ولد من بنى إسرائيل يذهب ملكك على يديه فأخذ يقتل الذكور ويترك النساء، ومع هذا فقد نجى الله بنى إسرائيل من هذا العذاب المبين، وفي النجاة من الهلاك أو الهلاك اختبار من الله حتى يظهر شكر الناجي وصبر الهالك.
٢- واذكروا إذ جعلنا لكم في البحر طريقا يبسا سلكتموه حتى عبرتم سالمين وقد ترك فرعون وجنوده يغرقون وأنتم تنظرون إليهم.
وروى أنهم كانوا بلا كتاب يحتكمون إليه
، وقد وعد الله موسى أن ينزل عليه التوراة بعد أربعين يوما (ذو القعدة وعشر من ذي الحجة) .
وأمر موسى أن يذهب إلى جبل النور فيصوم الأربعين يوما، فذهب واستخلف هارون عليهم وأنزلت التوراة في الألواح، ولكن في هذه المدة اتخذتم العجل الذي صنعه لكم السامري (رجل كان منافقا فيهم) اتخذتموه إلها فعبدتموه، وظلمتم أنفسكم بهذا العمل الذي لا يليق.
٣- ثم عفا الله عنكم وقبل توبتكم كي تشكروا الله أيها اليهود المعاصرون، وشكره باتباع رسله والإيمان بكتبه ما دامت الحجة قائمة على صدقهم وخاصة محمد ﷺ.
٤- واذكروا وقت أن آتينا موسى الكتاب والتوراة الفارقة بين الحق والباطل والحلال والحرام رجاء أن تهتدوا بها وتسيروا عليها.
[ ١ / ٣٩ ]
٥- واذكروا وقت قول موسى لقومه الذين عبدوا العجل في مدة صومه وغيابه وهي أربعون يوما:
يا قوم إنكم باتخاذكم العجل إلها ظلمتم أنفسكم وأى ظلم بعد الإشراك بالله؟ فتوبوا إلى الله وارجعوا ذلكم خير لكم وأحسن عند بارئكم.
وكانت التوبة في شريعتهم أن يقتل البريء منهم المذنب.
وقد أرسل الله- سبحانه- سوداء حتى لا يرى بعضهم بعضا عند القتل فيرحمه وقد قتل منهم سبعون ألفا، وبعد ذلك تضرع موسى وهارون إلى الله فتاب عليكم إذ قبل توبة من قتل ومن لم يقتل، ولا غرابة في ذلك فالله هو التواب الرحيم بعباده.
واذكروا وقت أن قال آباؤكم لموسى: لن نؤمن بالله وأنك رسوله حتى نرى الله عيانا بلا حاجز، فأخذهم ربكم بعذابه فماتوا ومكثوا يوما وليلة والحي ينظر إلى الميت.
٦- ثم أحييناهم ليستوفوا آجالهم المقدرة لهم، كل ذلك لكي تشكروا- أيها اليهود المعاصرون- الله على ما أنعم به، وتعتبروا وتعتقدوا أن الله قادر على كل شيء، وشكر الله المطلوب منكم هو الإيمان بالله وكتبه وبمحمد ﷺ الذي أخبر عن هذا كله.
٧-
روى أن موسى كلف من الله بأن يرحل ببني إسرائيل لقتال قوم جبارين فخرج معهم فلما وصلوا إلى وادي التيه بين الشام ومصر ومكثوا فيه أربعين سنة حيارى تائهين فكان الله يظلهم بسحاب رقيق يقيهم حر الشمس.
٨- وكان ينزل عليهم الطعام مكونا من حلوى وطير مطهوّ وكان طعاما يقيهم غائلة الجوع، ولا علينا بعد ذلك بحث في أنه من أى نوع أو على أى شكل، ثم قيل لهم:
كلوا من هذه الطيبات ولا تدخروا شيئا منها، واشكروا الله، فلم يفعلوا شيئا مما أمروا به، وعصيانهم وكفرهم بهذه النعم لا يضيرنا، وما ظلمونا به ولكنهم ضروا أنفسهم حيث قطع الله عنهم هذه النعم وجزاهم على مخالفتهم، أنهم كانوا لأنفسهم ظالمين.
٩- واذكروا- أيضا- إذ قلنا لآبائكم: ادخلوا القرية المعلومة لكم فاسكنوا فيها وكلوا واشربوا أكلا واسعا لا حرج فيه وادخلوا الباب خاضعين مبتهلين إلى الله وحده وقولوا: يا ربنا دعاؤنا أن تحط عنا ذنوبنا وتغفر لنا سيئاتنا وسنزيد المحسنين منكم أكثر من هذا.
[ ١ / ٤٠ ]
أما الذين بدلوا ما أمرناهم به، وما امتثلوا أمر الله، بل قالوا حبة في شعرة، أى:
حنطة في زكائب من شعر، ودخلوا زاحفين على أستاههم غير خاضعين لله فإن جزاءهم أن الله أنزل عليهم عذابا شديدا من السماء وذلك بسبب فسقهم وخروجهم عن طاعة الله (قيل: هلك منهم سبعون ألفا) .
١٠- واذكروا يا بنى إسرائيل وقت أن طلب موسى﵇- السقيا لآبائكم وقت أن عطشوا في التيه واحتاجوا للماء فقال الله: يا موسى اضرب بعصاك الحجر المعهود فانفجر منه بأمر الله العيون، لكل جماعة منهم عين يشربون منها، وقيل لهم: كلوا واشربوا من عطاء الله ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون.