واذكروا وقت قول موسى لقومه الذين هم أسلافكم: إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة- أى بقرة كانت- فلم يسرعوا إلى الامتثال، ولكن شدّدوا فشدد الله عليهم، وقالوا: أتهزأ بنا يا موسى؟ قال: معاذ الله أن أكون من الذين يهزئون في موضع الجد، فلما رأوه جادّا قالوا: ادع لنا ربك يبين لنا ما سنها؟ فقال لهم. إنها بقرة ليست صغيرة ولا كبيرة، بل وسط بين هذا وذاك فافعلوا ما تؤمرون به، ولا تشددوا فيشدد الله عليكم، ولكنهم اليهود قالوا: ادع لنا ما لونها: إنها صفراء شديدة الصفرة تجلب السرور لمن يشاهدها، فلم يكتفوا بذلك، بل طالبوا بأوصاف تميزها أكثر، ولكنهم أحسوا بأنهم تشددوا وجاوزوا الحد المعقول فقالوا معتذرين: إن البقر كثير متشابه علينا، وهذه الأوصاف السابقة تنطبق على كثير، وإنا إن شاء الله لمهتدون إلى المطلوب.
فأجابهم الله أن البقرة المطلوبة لم يسبق لها عمل في حرث الأرض ولا سقيها، سليمة من العيوب ليس فيها لون مخالف، قالوا: الآن جئت بالبيان الواضح فطلبوها فلم يجدوها إلا عند يتيم صغير بارّ بأمه، فساوموه، فاشتط حتى اشتروها بملء جلدها ذهبا، وما كان امتثالهم قريب الحصول.
واذكروا إذ قتلتم- والخطاب لليهود المعاصرين، لأنهم أبناء السابقين ومعتزون بنسبهم وراضون عن فعلهم- واذكروا وقت قتل آبائكم نفسا حرم الله قتلها، ثم تخاصموا وتجادلوا وأنكروا على الله فعلهم كما ينكرون اليوم ما عندهم من أوصاف النبي ﷺ والله مظهر ما تكتمونه.
[ ١ / ٤٦ ]
فقلنا: اضربوه ببعضها فضربوه فأحياه الله وأخبر عن القتلة كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى
يوم القيامة فيأخذ كلّ جزاء عمله، وكذلك يريكم الله آياته الواضحة الدالة على صدق القرآن والنبي حيث يخبر بالمغيبات كي تعقلوا فتؤمنوا بالنبي وتصدقوا بالقرآن.
يريد الله أن يسجل عليهم ذنبين:
الأول: وقوفهم موقف المستهزئ المعاند المجادل المتشدد المنكر الحق الصريح، وجزاءه على كل هذا لعلهم يتعظون.
الثاني: قتل النفس البريئة والإنكار، وإنما أخره لأن الأول ديدنهم وطبيعتهم التي لا يتخلفون عنها.
وفي القصة عبرة للمتشددين وتسلية للنبي ﷺ وتسجيل على اليهود بعض قبائحهم وخاصة قلبهم للحقائق.