تلك جناية أخرى سيقت مقسم عليها من الله لأهمّيّتها:
والله لقد آتينا موسى التوراة وأتبعناه برسل يتبع بعضهم بعضا ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا «١» وهم: يوشع وداود وسليمان وعزيز وإلياس واليسع ويونس وزكريا ويحيى﵈- وآتينا عيسى ابن مريم البتول المعجزات الواضحة دليلا على صدقه وقويناه بجبريل، وقيل بالإنجيل، وخص عيسى بتأييد روح القدس لكرامته. ولقد آتينا- يا بنى إسرائيل- أنبياءكم ما آتيناهم، أفكلما جاءكم رسول بما لا تميل إليه نفوسكم إذ هي لا تميل إلى الخير أصلا كفرتم واستكبرتم؟! والخطاب لجميع اليهود لأنهم فعلوا ذلك قديما ورضى عنهم أولادهم، فالجميع مشتركون، فهم كذّبوا ببعض الأنبياء وقتلوا البعض الآخر.
ومن سوءاتهم الشنيعة قولهم للنبي ﷺ استهزاء منهم: قلوبنا في غطاء فلا تعى ما تقوله، ولا تفهم لكلامك معنى، فيرد الله عليهم: لستم كذلك ولكن الله طردكم من رحمته، وأبعدكم عن توفيقه بسبب كفركم وعصيانكم، فإيمانكم قليل جدا أو أنكم لا تؤمنون أصلا.
وقد كان اليهود وعندهم في التوراة وصف النبي ﷺ وبيان زمانه يمنّون أنفسهم بالنصر على المشركين وكانوا يقولون: اللهم انصرنا بالنبي المبعوث آخر الزمان الذي نجد نعته في التوراة.
فلما جاءهم النبي ﷺ وفي يمينه القرآن مصدقا لما عندهم في التوراة ومؤيدا بوصفه
_________________
(١) سورة المؤمنون الآية رقم ٤٤.
[ ١ / ٥٥ ]
المعروف عندهم كفروا واستكبروا، وآثروا الحياة الدنيا على الآخرة فلعنة الله عليهم أجمعين.
اليهود والمعاصرون للنبي ﷺ يعرفون حقّا أنه النبي المبشر به في التوراة الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ ولكنهم لم يؤمنوا حسدا وبغيا، فقد باعوا حظهم الحقيقي- وهو الإيمان بالله ورسوله- وأخذوا بدله كفرهم بما أنزل الله، وما دفعهم إلى ذلك إلا الحسد والبغي، فهم قد رجعوا بغضب من الله جديد، لكفرهم بالنبي ﷺ لأنه الله أنزل عليه الكتاب من فضله، وكانوا لجهلهم يدعون أنهم أحق، وباءوا بغضب على غضب سابق لكفرهم بالأنبياء قديما ولهم عذاب مهين.
وإذا قيل لهم: آمنوا بالقرآن قالوا: لا نؤمن به إنما نؤمن بالذي أنزل علينا في التوراة ونكفر بغيره، فيرد الله عليهم: إن القرآن هو الحق من عند الله المصدق للتوراة التي معكم لأنهما من عند الله فكيف تكفرون ببعض الكتب وتؤمنون ببعضها؟ والكل من عند الله، على أنكم لم تؤمنوا بالتوراة ففيها القتل محرم، وقد قتلتم الأنبياء بغير حق فلم قتلتموهم إن كنتم بالتوراة مؤمنين؟ فالحق أنكم لم تؤمنوا بأى كتاب أنزل فلا طمع في إيمانكم بالقرآن.