وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ (٩٢) وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قالُوا سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩٣) قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٩٤) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٩٥) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (٩٦)
قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧) مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ (٩٨)
«١»
_________________
(١) جعلتموه إلها معبودا.
[ ١ / ٤٠ ]
«١» [البقرة: ٢/ ٩٢- ٩٨] .
تالله لقد جاءكم يا بني إسرائيل موسى بالمعجزات القاطعة الدّالة على صدق نبوّته ورسالته، كالعصا واليد، وبقية الآيات التّسع: وهي الطوفان والجراد والقمّل والدّم والضّفادع، وفرق البحر، والسّنون (القحط) ولم تزدهم تلك الآيات إلا توغلا في الشّرك والوثنية، ولم تشكروا نعمة الله، وإنما على العكس قابلتموها بالجحود والإنكار، واتّخاذ العجل إلها معبودا من دون الله، والعجل: هو الذي صنعه لهم السّامري من حليّهم التي أخذوها من مصر، وجعلوه إلها يعبد، وهم ظالمون كافرون بوضع الشيء في غير موضعه، وأي ظلم أعظم من الإشراك بالله تعالى؟! واذكر أيها النّبي لليهود وقت أن أخذ الله على أصولهم العهد بأن يعملوا بما في التوراة، ويأخذوا بما فيها بقوة، فخالفوا الميثاق وأعرضوا عنه، حتى خوّفهم الله برفع جبل الطور فوقهم كأنه مظلّة إرهابا لهم، فقبلوه، ثم خالفوه، وقالوا: سمعنا وعصينا، ثم أوغلوا في المخالفة ووقعوا في الشّرك، واتخذوا العجل إلها، وخالط حبّه
_________________
(١) لو يطول عمره.
[ ١ / ٤١ ]
قلوبهم، فقل لهم أيها النّبي: بئس هذا الإيمان الذي يوجه إلى هذه الأعمال التي تفعلونها، كعبادة العجل، وقتل الأنبياء، ونقض الميثاق، إن كنتم تدعون الإيمان الصحيح برسالة موسى ﵇ وبالتوراة.
قل أيها النّبي لليهود: إذا صدقتم في ادّعائكم أن الآخرة والجنة لكم خالصة عند الله من دون الناس، وأن النار لن تمسّكم إلا أياما معدودات، وأنكم شعب الله المختار، فاطلبوا الموت الذي يوصلكم إلى ذلك النعيم الخالص الدائم الذي لا ينازعكم فيه أحد، إذ لا يرغب الإنسان عن السعادة ويختار الشقاء. قال ابن عباس: ولو تمنّوا الموت لشرق أحدهم بريقه. أخرج ابن جرير الطبري عن أبي العالية قال: قالت اليهود: لن يدخل الجنة إلا من كان هودا، فأنزل الله: قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً.. [البقرة: ٢/ ٩٤] .
ولن يتمنى الموت أحد منهم أبدا، بسبب ما اقترفوا من الكفر والفسوق والعصيان، كتحريف التوراة، وقتل الأنبياء والأبرياء، وإنكار رسالة النّبي محمد ﷺ، مع البشارة به في كتابهم، والله يعلم أنهم ظالمون في حكمهم بأن الدار الآخرة خالصة لهم.
وتالله لتجدن اليهود أحرص الناس على حياة طويلة، بل وأحرص من جميع الناس، حتى المشركين بالله، فإن أحدهم يتمنى أن يعيش ألف سنة أو أكثر- والعرب تضرب الألف مثلا للمبالغة في الكثرة- لأنه يتوقع عقاب الله في الآخرة، فيرى أن الدنيا خير من الآخرة، وما بقاؤه في الدنيا وإن طال بمبعده عن العذاب الأليم، والله عليم بما يصدر عنهم من أعمال، ومجازيهم عليه.
قل أيها النّبي: من كان عدوّا لجبريل، فهو عدوّ لوحي الله الذي يشمل التوراة وغيرها، فإن الله نزله بالوحي والقرآن على قلبك أيها النّبي بإذن الله وأمره، مؤيدا
[ ١ / ٤٢ ]
وموافقا لما تقدمه من الكتب، كالتوراة والإنجيل وغيرهما التي تدعوا إلى توحيد الله وأصول الأخلاق والعبادات، وهداية من الضلالة، وبشرى لمن آمن به بالجنة، فكيف يكون طريق الخير سببا للبغض والكراهية؟
أخرج الترمذي أن اليهود قالوا للنّبي ﷺ: إنه ليس نبي من الأنبياء إلا يأتيه ملك من الملائكة من عند ربّه بالرّسالة والوحي، فمن صاحبك حتى نتابعك؟ قال:
جبريل، قالوا: ذاك الذي ينزل بالحرب والقتال، ذاك عدوّنا! لو قلت: ميكائيل الذي ينزل بالقطر والرحمة تابعناك، فأنزل الله الآية، إلى قوله: لِلْكافِرِينَ.
من كان عدوّا لله بمخالفة أوامره، وعدم إطاعته، وللملائكة بكراهة العمل بما ينزلون به من وحي، وعدوّا للرّسل الكرام بتكذيبهم في رسالاتهم، وعدوّا لجبريل وميكائيل، بادّعاء أن جبريل يأتي بالإنذارات، فإن الله عدوّ لكل كافر، ومجازيه.