وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٦٠)
[ ١٤٣ ]
الاستسقاء: طلب السقيا عند عدم الماء أو حبس المطر، وذلك عن طريق الدعاء لله- تعالى- في خشوع واستكانة، وقد سأل موسى ربه أن يسقى بنى إسرائيل الماء بعد أن استبد بهم العطش، عند ما كانوا في التيه، فعن ابن عباس أنه قال: «كان ذلك في التيه، ضرب لهم موسى الحجر، فصارت منه اثنتا عشرة عينا من ماء، لكل سبط منهم عين يشربون منها «١» .
وهذه النعمة كانت نافعة لهم في دنياهم لأنها أزالت عنهم الحاجة الشديدة إلى الماء ولولاه لهلكوا، وكانت نافعة لهم في دينهم لأنها من أظهر الأدلة على وجود الله. وعلى قدرته وعلمه، ومن أقوى البراهين على صدق موسى﵇- في نبوته «٢» .
ومعنى الآية الكريمة: واذكروا يا بنى إسرائيل وقت أن أصاب آباءكم العطش الشديد وهم في صحراء مجدبة، فتوسل إلينا نبيهم موسى﵇- في خشوع وتضرع أن أمدهم بالماء الذي يكفيهم، فأجبناه إلى ما طلب، إذ أوحينا إليه أن اضرب بعصاك الحجر. ففعل، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا بمقدار عدد الأسباط، وصار لكل سبط منهم مشرب يعرفه ولا يتعداه إلى غيره، وقلنا لهم: تمتعوا بما من الله به عليكم من مأكول طيب ومشروب هنيء رزقكم الله إياه من غير تعب ولا مشقة، وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ فتتحول النعم التي بين أيديكم إلى نقم وتصبحوا على ما فعلتم نادمين.
وقوله تعالى: وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ يفيد أن الذي سأل ربه السقيا هو موسى﵇- وحده، لتظهر كرامته عند ربه لدى قومه، وليشاهدوا بأعينهم إكرام الله- تعالى- له، حيث أجاب سؤاله، وفجر الماء لهم ببركة دعائه.
واللام في قوله- تعالى- لِقَوْمِهِ للسببية، أى لأجل قومه.
والفاء في قوله- تعالى- فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ، عطفت الجملة بعدها على محذوف، والتقدير: فأجبناه إلى ما طلب، وقلنا اضرب بعصاك الحجر.
وال في الْحَجَرَ لتعريف الجنس أى اضرب أى حجر شئت بدون تعيين، وقيل للعهد، ويكون المراد حجرا معينا معروفا لموسى﵇- بوحي من الله تعالى. وقد أورد المفسرون في ذلك آثارا حكم المحققون بضعفها ولذلك لم نعتد بها.
والذي نرجحه أنها لتعريف الجنس، لأن انفجار الماء من أى حجر بعد ضربه أظهر في إقامة البرهان على صدق موسى﵇- وأدعى لإيمان بنى إسرائيل وانصياعهم للحق بعد
_________________
(١) وقيل كان الاستسقاء في البرية ولكن الآثار التي تدل على أنه كان في التيه أصح وأكثر.
(٢) تفسير ابن كثير ج ١ ص ١٠٠.
[ ١٤٤ ]
وضوحه، وأبعد عن التشكيك في إكرام الله لنبيه موسى﵇- إذ لو كان انفجار الماء من حجر معين لأمكن أن يقولوا: إن تفجير الماء كان لمعنى خاص بالحجر لا لكرامة موسى عند ربه- تعالى-.
والفاء في قوله تعالى: فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا كسابقتها للعطف على محذوف تقديره: فضرب فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا، وقد حذفت هذه الجملة المقدرة لوضوح المعنى.
وكانت العيون اثنتي عشرة عينا لأن بنى إسرائيل كانوا اثنى عشر سبطا، والأسباط في بنى إسرائيل كالقبائل في العرب. وهم ذرية أبناء يعقوب﵇- الاثنى عشر، ففي انفجار الماء من اثنتي عشرة عينا إكمال للنعمة عليهم، حتى لا يقع بينهم تنازع وتشاجر:
وقال- سبحانه-: فَانْفَجَرَتْ. وقال في سورة الأعراف فَانْبَجَسَتْ والانبجاس خروج الماء بقلة. والانفجار خروجه بكثرة، ولا تنافى بينهما في الواقع لأنه انبجس أولا. ثم انفجر ثانيا، وكذا العيون يظهر الماء منها قليلا ثم يكثر لدوام خروجه.
وقوله تعالى: قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ إرشاد وتنبيه إلى حكمة الانقسام إلى اثنتي عشرة عينا أى: قد عرف كل سبط من أسباط بنى إسرائيل مكان شربه، فلا يتعداه إلى غيره، وفي ذلك ما فيه من استقرار أمورهم، واطمئنان نفوسهم، وعدم تعدى بعضهم على بعض.
وقوله تعالى: كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ مقول لقول محذوف تقديره: وقلنا لهم: كلوا واشربوا من رزق الله.
وقد جمع- سبحانه- بين الأكل والشرب- وإن كان الحديث عن الشراب- لأنه قد تقدمه إنزال المن والسلوى، وقد قيل هنالك: كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ فلما أتبع ذلك بنعمة تفجير الماء لهم اجتمعت المنتان.
وقوله تعالى: وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ تحذير لهم من البطر والغرور واستعمال النعمة في غير ما وضعت له، بعد أن أذن لهم في التمتع بالطيبات، لأن النعمة عند ما تكثر قد تنسى العبد حقوق خالقه فيهجر الشريعة، ويعيث في الأرض فسادا. قال تعالى: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى.
والمعنى: ولا تسعوا في الأرض مفسدين، وتقابلوا النعم بالعصيان فتسلب عنكم.
قال ابن جرير﵀-: (وأصل العثا شدة الإفساد بل هو أشد الإفساد، يقال منه:
[ ١٤٥ ]
عثى فلان في الأرض: إذا تجاوز الحد في الإفساد إلى غايته، يعثى، عثا مقصورا، ويقال للجماعة يعثون..) «١» .
وبذلك تكون الآية الكريمة قد ذكرت بنى إسرائيل بنعمة جليلة، ونصحتهم بأن يعملوا على شكرها: وحذرتهم عاقبة الإفساد في الأرض وجحودهم النعمة واستبدالهم الذي هو أدنى بالذي هو خير:
ثم ذكرهم- سبحانه- بما كان منهم من جحود النعمة واستخفافهم بها وإيثارهم- بسوء اختيارهم- ما هو أدنى على ما هو خير، فقال تعالى: