قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣) وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (٥٤) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (٥٥) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧)
أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ (٥٩)
[ ١٢ / ٢٣٦ ]
ذكر المفسرون في سبب نزول قوله- تعالى- قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ. روايات منها: ما رواه محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر عن أبيه عمر بن الخطاب قال: لما اجتمعنا على الهجرة. تواعدت أنا وهشام بن العاص بن وائل السّهمى وعيّاش بن أبى ربيعة بن عتبة، فقلنا: الموعد أضاة بنى غفار- أى: غدير بنى غفار- وقلنا: من تأخر منا فقد حبس فليمض صاحبه فأصبحت أنا وعياش بن عتبة، وحبس عنا هشام، وإذا به قد فتن فافتتن، فكنا نقول بالمدينة: هؤلاء قد عرفوا الله﷿- وآمنوا برسوله ﷺ، ثم افتتنوا لبلاء لحقهم لا نرى لهم توبة، وكانوا هم- أيضا- يقولون هذا في أنفسهم.
فأنزل الله﷿- في كتابه: قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ.. إلى قوله- تعالى- أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ.
قال عمر: فكتبتها بيدي، ثم بعثتها إلى هشام. قال هشام: فلما قدمت على خرجت بها إلى ذي طوى فقلت: اللهم فهمنيها، فعرفت أنها نزلت فينا، فرجعت فجلست على بعيري فلحقت برسول الله ﷺ «١» .
والأمر في قوله- تعالى-: قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ موجه إلى الرسول ﷺ وإضافة العباد إلى الله- تعالى- للتشريف والتكريم.
والإسراف: تجاوز الحد في كل شيء، وأشهر ما يكون استعمالا في الإنفاق، كما في قوله- تعالى-: يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا.
_________________
(١) راجع تفسير القرطبي ج ١٥ ص ٢٦٨، تفسير الآلوسى ج ٢٤ ص ١٥.
[ ١٢ / ٢٣٧ ]
والمراد بالإسراف هنا: الإسراف في اقتراف المعاصي والسيئات، والخطاب للمؤمنين المذنبين. وعدى الفعل «أسرفوا» بعلى، لتضمنه معنى الجناية، أى جنوا على أنفسهم.
والقنوط: اليأس، وفعله من بابى ضرب وتعب. يقال: فلان قانط من الحصول على هذا الشيء، أى يائس من ذلك ولا أمل له في تحقيق ما يريده.
والمعنى: قل- أيها الرسول الكريم- لعبادي المؤمنين الذين جنوا على أنفسهم بارتكابهم للمعاصي، قل لهم: لا تيأسوا من رحمة الله- تعالى- ومن مغفرته لكم.
وجملة «إن الله يغفر الذنوب جميعا» تعليلية. أى: لا تيأسوا من رحمة الله- تعالى- لأنه هو الذي تفضل بمحو الذنوب جميعها. لمن يشاء من عباده المؤمنين العصاة.
إِنَّهُ- سبحانه- هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ أى: هو الواسع المغفرة والرحمة لمن يشاء من عباده المؤمنين، فهم إن تابوا من ذنوبهم قبل- سبحانه- توبتهم كما وعد تفضلا منه وكرما، وإن ماتوا دون أن يتوبوا، فهم تحت رحمته ومشيئته، إن شاء غفر لهم، وإن شاء عذبهم، ثم أدخلهم الجنة بفضله وكرمه.
أما غير المؤمنين، فإنهم إن تابوا من كفرهم ودخلوا في الإسلام، غفر- سبحانه- ما كان منهم قبل الإسلام لأن الإسلام يجبّ ما قبله.
وإن ماتوا على كفرهم فلن يغفر الله- تعالى- لهم، لقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ.
قال الإمام الشوكانى: واعلم أن هذه الآية أرجى آية في كتاب الله، لاشتمالها على أعظم بشارة، فإنه أولا: أضاف العباد إلى نفسه لقصد تشريفهم، ومزيد تبشيرهم. ثم وصفهم بالإسراف في المعاصي.. ثم عقب على ذلك بالنهى عن القنوط من الرحمة.. ثم جاء بما لا يبقى بعده شك ولا يتخالج القلب عند سماعه ظن فقال: إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ..
فالألف واللام قد صيرت الجمع الذي دخلت عليه للجنس الذي يستلزم استغراق أفراده، فهو في قوة إن الله يغفر كل ذنب كائنا ما كان، إلا ما أخرجه النص القرآنى وهو الشرك.
ثم لم يكتف بما أخبر به عباده من مغفرة كل ذنب، بل أكد ذلك بقوله جَمِيعًا فيا لها من بشارة ترتاح لها النفوس.. وما أحسن تعليل هذا الكلام بقوله: إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.. «١» .
وقال الجمل في حاشيته ما ملخصه: وفي هذه الآية من أنواع المعاني والبيان أشياء حسنة،
_________________
(١) راجع تفسير فتح القدير للشوكانى ج ٤ ص ٤٧٠.
[ ١٢ / ٢٣٨ ]
منها إقباله عليهم، ونداؤهم، ومنها: إضافتهم إليه إضافة تشريف، ومنها: الالتفات من التكلم إلى الغيبة، في قوله: مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، ومنها: إضافة الرحمة لأجل أسمائه الحسنى، ومنها: إعادة الظاهر بلفظه في قوله: إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ ومنها: إبراز الجملة من قوله: إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ مؤكدة بإن، والفصل، وبإعادة الصفتين اللتين تضمنتهما الجملة السابقة.
وقال عبد الله بن مسعود وغيره: هذه أرجى آية في كتاب الله تعالى «١» .
وبعد أن فتح- سبحانه- لعباده باب رحمته فتحا واسعا كريما.. أتبع ذلك بحضهم على التوبة والإنابة إليه، حتى يزيدهم من فضله وإحسانه فقال: وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ.
أى قل لهم- أيها الرسول الكريم- لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا، وارجعوا إليه بالتوبة والإنابة، وأخلصوا له العبادة، من قبل أن ينزل بكم العذاب الذي لا تستطيعون دفعه ثم لا تجدون من ينجيكم منه.
فأنت ترى أن الآية الأولى بعد أن فتحت للعصاة باب رحمة الله على مصراعيه، جاءت الآية الثانية فحثتهم على التوبة الصادقة النصوح، حتى تكون رحمة الله- تعالى- بهم أكمل وأتم وأوسع، فإن التوبة النصوح سبب في تحويل السيئات إلى حسنات.
كما قال- تعالى-: إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ، وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا «٢» .
ثم أمرهم باتباع أوامر القرآن الكريم ونواهيه فقال: وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ.
أى: واتبعوا هذا القرآن الكريم، الذي هو أحسن ما أنزله- سبحانه- إليكم، بسبب ما اشتمل عليه من هدايات سامية، ومن تشريعات حكيمة. ومن آداب قويمة.
فإن اتباع ما اشتمل عليه هذا القرآن من توجيهات. يؤدى إلى السعادة في الدنيا والآخرة.
وقوله: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ متعلق بالأمر بالاتباع، وإرشاد إلى وجوب الامتثال بدون تأخير أو تسويف.
_________________
(١) حاشية الجمل على الجلالين ج ٣ ص ٦٠٥.
(٢) سورة الفرقان الآية ٧٠.
[ ١٢ / ٢٣٩ ]
أى: سارعوا إلى اتباع إرشادات وتشريعات وآداب هذا القرآن، من قبل أن ينزل بكم العذاب فجأة وبدون مقدمات، بحيث لا تشعرون بإتيانه إلا عند نزوله.
فالآية الكريمة تقرير وتأكيد لما قبلها: من الدعوة إلى المسارعة بالتوبة وبالعمل الصالح.
وقوله: أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ في موضع المفعول لأجله بتقدير مضاف محذوف.
أى: اتبعوا ما أمرناكم به، واحذروا ما نهيناكم عنه، كراهة أن تقول نفس يوم القيامة يا حَسْرَتى أى: يا ندامتي عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ أى: بسبب تفريطي وتقصيرى في طاعة الله، وفي حقه- تعالى-.
وأصل الجنب والجانب: الجهة المحسوسة للشيء، وأطلق على الطاعة على سبيل المجاز، حيث شبهت بالجهة. بجامع تعلق كل منهما- أى الجانب والطاعة- بصاحبه. إذ الطاعة لها تعلق بالله- تعالى-. كما أن الجهة لها تعلق بصاحبها.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: لم نكرت «نفس» .؟ قلت: لأن المراد بها بعض الأنفس وهي نفس الكافر. ويجوز أن يكون نفس متميزة من الأنفس: إما بلجاج في الكفر شديد، أو بعذاب عظيم، ويجوز أن يراد التكثير، كما قال الأعشى:
دعا قومه حولي فجاءوا لنصره وناديت قوما بالمسناة غيبا
ورب بقيع لو هتفت بجوه أتانى كريم ينفض الرأس مغضبا
وهو يريد: أفواجا من الكرام ينصرونه، لا كريما واحدا.. «١» .
وجملة: وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ في محل نصب على الحال. أى: فرطت في جنب الله وطاعته، والحال أنى لم أكن إلا من الساخرين بدينه، المستهزئين بأتباع هذا الدين الحق.
قال قتادة: لم يكفه أنه ضيع طاعة الله حتى سخر من أهلها.
ثم ذكر- سبحانه- مقالة أخرى مما تقوله تلك النفس فقال: أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي إلى طاعته واتباع دينه لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ للشرك والمعاصي، ومن الذين صانوا أنفسهم عما يغضبه- سبحانه- ولا يرضيه.
ثم ذكر- سبحانه- مقالة ثالثة لها فقال: أَوْ تَقُولَ هذه النفس حِينَ تَرَى الْعَذابَ. في الآخرة لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً أى رجعة إلى الدنيا فَأَكُونَ فيها
_________________
(١) تفسير الكشاف ج ٤ ص ١٣٦.
[ ١٢ / ٢٤٠ ]
مِنَ الْمُحْسِنِينَ لأقوالهم وأفعالهم، وعقائدهم، بحيث أخلص العبادة لله- تعالى- وأطيعه في السر والعلن.
وهكذا يصور القرآن الكريم أحوال النفوس في الآخرة، تصويرا مؤثرا بليغا، يحمل كل عاقل على الإيمان الصالح الذي ينفعه في ذلك اليوم الهائل الشديد.
وقوله- سبحانه-: بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ رد منه﷿- على هذا القائل: لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ وتكذيب له في هذه الدعوى.
والمراد بالآيات: الحجج والبراهين الدالة على حقيقة دين الإسلام، وعلى رأسها آيات القرآن الكريم.
أى ليس الأمر كما ذكرت أيها النادم على ما فرط منه، من أن الله لم يهدك إلى الطريق القويم، بل الحق أن الله- تعالى- قد أرشدك إليه عن طريق إرسال رسوله، وإنزال كتابه، ولكنك كذبت رسوله، واستكبرت عن سماع آيات الله وعن اتباعها، وكنت في دنياك من الكافرين بها، الجاحدين لصدقها، فأصابك ما أصابك من عذاب في الآخرة بسبب أعمالك القبيحة في الدنيا.
قال الشوكانى: وجاء- سبحانه- بخطاب المذكر في قوله: «جاءتك، وكذبت واستكبرت، وكنت» لأن النفس تطلق على المذكر والمؤنث. قال المبرد: تقول العرب.
نفس واحد. أى، إنسان واحد.. «١» .
ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن أحوال الكافرين والمؤمنين يوم القيامة، وعن مظاهر قدرة الله- تعالى- وعن تلقين الله- تعالى- لنبيه ﷺ الجواب الذي يرد به على المشركين. وعن أحوال الناس عند النفخ في الصور.. قال- تعالى-.