فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٥٠) قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢) أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُرابًا وَعِظامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣) قالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (٥٤)
فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ (٥٥) قالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧) أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلاَّ مَوْتَتَنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٥٩)
إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٠) لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ (٦١)
[ ١٢ / ٨٤ ]
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: علام عطف قوله: فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ؟
قلت هو معطوف على قوله- تعالى- قبل ذلك: يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ والمعنى: يشربون فيتحادثون على الشراب كعادة الشاربين.
قال الشاعر:
وما بقيت من اللذات إلا أحاديث الكرام على المدام
فيقبل بعضهم على بعض يَتَساءَلُونَ عما جرى لهم وعليهم في الدنيا. إلا أنه جيء به ماضيا على عادة الله في أخباره «١» .
أى: أن هؤلاء العباد المخلصين، بعد أن أعطاهم الله ما أعطاهم من النعم، أقبل بعضهم على بعض يَتَساءَلُونَ فيما بينهم عن ذكرياتهم، وإذا بواحد منهم يقول لإخوانه- من باب التحدث بنعمة الله:
إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ أى: إنى في الدنيا كان لي صديق ملازم لي، ينهاني عن الإيمان- بالبعث والحساب، ويقول لي- بأسلوب التهكم والاستهزاء:
أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ أى: أإنك- أيها الرجل- لمن المصدقين بأن هناك بعثا وحسابا، وثوابا وعقابا، وجنة ونارا.
ثم يضيف إلى ذلك قوله: أَإِذا مِتْنا وانتهت حياتنا في هذه الدنيا، ووضعنا في قبورنا وَكُنَّا تُرابًا وَعِظامًا أى: وصارت أجسادنا مثل التراب ومثل العظام البالية. أَإِنَّا لَمَدِينُونَ أى: أإنا بعد كل ذلك لمبعوثون ومعادون إلى الحياة مرة أخرى، ومجزيون بأعمالنا. فقوله- تعالى-: لَمَدِينُونَ من الدين بمعنى الجزاء، ومنه قوله- تعالى-: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ والاستفهام: للاستبعاد والإنكار من ذلك القرين للبعث والحساب.
_________________
(١) تفسير الكشاف ج ٤ ص ٤٤.
[ ١٢ / ٨٥ ]
وهنا يعرض هذا المؤمن على إخوانه، أن يشاركوه في الاطلاع على مصير هذا القرين الكافر بالبعث فيقول لهم: هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ أى: هل أنتم مطلعون معى على أهل النار لنرى جميعا حال ذلك القرين الذي حكيت لكم حاله؟ والاستفهام للتخصيص، أى: هيا صاحبونى في الاطلاع على هذا القرين الكافر.
فَاطَّلَعَ ذلك الرجل المؤمن ومعه إخوانه على أهل النار. فرآه في سواء الجحيم، أى: فرأى ذلك الرجل الذي كان قرينه وصاحبه الملازم له في الدنيا، ملقى به في «سواء الجحيم» أى: في وسط النار، وسمى الوسط سواء لاستواء المسافة منه إلى باقى الجوانب.
قال الآلوسى: واطلاع أهل الجنة على أهل النار، ومعرفة من فيها، مع ما بينهما من التباعد غير بعيد بأن يخلق الله- تعالى- فيهم حدة النظر، ويعرفهم من أرادوا الاطلاع عليه.
ولعلهم- إن أرادوا ذلك- وقفوا على الأعراف. فاطلعوا على من أرادوا الاطلاع عليه من أهل النار. وقبل: إن لهم طاقات في الجنة ينظرون منها من علو إلى أهل النار، وعلم القائل بأن القرين من أهل النار، لأنه كان منكرا للبعث «١» .
ثم يحكى القرآن بعد ذلك ما قاله ذلك الرجل المؤمن لقرينه في الدنيا بعد أن رآه في وسط الجحيم فيقول. قالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ، وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ.
وقوله: تَاللَّهِ قسم فيه معنى التعجب، وإِنْ مخففة من الثقيلة. واللام في قوله: لَتُرْدِينِ هي الفارقة بين إن المخففة والنافية، والجملة جواب القسم، وتردين:
أى تهلكني يقال: أردى فلان فلانا إذا أهلكه. وردى فلان- من باب رضى- إذا هلك.
والْمُحْضَرِينَ من الإحضار، يقال: أحضر المجرم ليلقى جزاءه، وهذا اللفظ يستعمل عند الإطلاق في الشر، إذ يدل على السوق مع الإكراه والقسر.
أى: قال الرجل المؤمن لقرينه الملقى في وسط جهنم. وحق الله- تعالى- لقد كدت أيها القرين أن تهلكني بصدك إياى عن الإيمان بالبعث والحساب ولولا نعمة ربي علىّ، حيث عصمنى من طاعتك، ووفقني للإيمان لكنت اليوم من الذين أحضروا للعذاب مثلك ومثل أشباهك، ولساقنى ملائكة العذاب إلى هذا المصير الأليم الذي أنت فيه اليوم، فحمدا لله- تعالى- على الإيمان والهداية.
وقوله- تعالى-: أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ. إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ بيان لما
_________________
(١) تفسير الآلوسى ج ٢٣ ص ٩٢.
[ ١٢ / ٨٦ ]
يقوله هذا الرجل المؤمن لأصحابه الذين معه في الجنة، وبعد أن انتهى من كلامه مع قرينه.
وهذا الكلام يقوله على سبيل التلذذ والتحدث بنعمة الله عليهم.
والاستفهام للتقرير، والفاء للعطف على مقدر يستدعيه المقام، والمعطوف عليه محذوف.
والمعنى: أنحن مخلدون في هذا النعيم، ولن يلحقنا موت مرة أخرى بعد موتتنا الأولى التي لحقتنا في الدنيا، ولن يصيبنا شيء من العذاب كما أصاب غيرنا؟
إننا لنشعر جميعا بأننا لن نموت مرة أخرى، وسنبقى في هذا النعيم الدائم بفضل الله ورحمته.
وبعضهم يرى أن هذا السؤال من أهل الجنة للملائكة حين يذبح الموت.
قال القرطبي: قوله: أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ. إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولى: هو من قول أهل الجنة للملائكة حين يذبح الموت، ويقال: «يا أهل الجنة خلود بلا موت، ويا أهل النار خلود بلا موت» «١» .
والإشارة في قوله- تعالى-: إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ لما سبق الإخبار به من نفى الموت والعذاب عن أهل الجنة. وهذا القول- أيضا- حكاية لما يقوله ذلك المؤمن لمن معه في الجنة، أى: إن هذا النعيم الدائم الذي نحن فيه- يا أهل الجنة- لهو الفوز العظيم، الذي لا يدانيه فوز، ولا يقاربه فلاح.
ثم يقول لهم- أيضا-: لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ أى: لمثل هذا العطاء الجزيل، والنعيم المقيم، فليعمل العاملون، لا لغير ذلك من الأعمال الدنيوية الزائلة الفانية.
ثم ساق- سبحانه- ما يدل على البون الشاسع. بين النعيم المقيم الذي يعيش فيه عباد الله المخلصون. وبين الشقاء الدائم الذي يعيش فيه الكافرون، فقال- تعالى-: