هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلاَّ مَقْتًا وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلاَّ خَسارًا (٣٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ أَمْ آتَيْناهُمْ كِتابًا فَهُمْ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلاَّ غُرُورًا (٤٠) إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤١)
[ ١١ / ٣٥٣ ]
وقوله- تعالى-: هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ.. بيان لجانب من فضله- تعالى- على بنى آدم.
وخَلائِفَ جمع خليفة، وهو من يخلف غيره.
أى: هو- سبحانه- الذي جعلكم خلفاء في أرضه، وملككم كنوزها وخيراتها ومنافعها، لكي تشكروه على نعمه، وتخلصوا له العبادة والطاعة.
أو جعلكم خلفاء لمن سبقكم من الأمم البائدة، فاعتبروا بما أصابهم من النقم بسبب إعراضهم عن الهدى، واتبعوا ما جاءكم به رسولكم ﷺ.
وقوله فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ أى: فمن كفر بالحق الذي جاءه به الرسول ﷺ واستمر على ذلك، فعلى نفسه يكون وبال كفره لا على غيره.
وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا أى: لا يزيدهم إلا بغضا شديدا من ربهم لهم، واحتقارا لحالهم وغضبا عليهم
فالمقت: مصدر بمعنى البغض والكراهية، وكانوا يقولون لمن يتزوج امرأة أبيه وللولد الذي يأتى عن طريق هذا الزواج، المقتى، أى: المبغوض.
وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسارًا أى: ولا يزيدهم إصرارهم على كفرهم إلا خسارا وبوارا وهلاكا في الدنيا والآخرة.
فالآية الكريمة تنفر أشد التنفير من الكفر، وتؤكد سوء عاقبته، تارة عن طريق بيان أنه مبغوض من الله- تعالى-، وتارة عن طريق بيان أن المتلبس به، لن يزداد إلا خسرانا وبوارا.
ثم أمر الله- تعالى- رسوله ﷺ أن يتحدى هؤلاء المشركين، وأن يوبخهم على
[ ١١ / ٣٥٤ ]
عنادهم وجحودهم فقال: قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ
أى: قل- أيها الرسول الكريم- على سبيل التبكيت والتأنيب لهؤلاء المشركين.
أخبرونى وأنبئونى عن حال شركائكم الذين عبدتموهم من دون الله، ماذا فعلوا لكم من خير أو شر، وأرونى أى جزء خلقوه من الأرض حتى استحقوا منكم الألوهية والشركة مع الله- تعالى- في العبادة؟
إنهم لم يفعلوا- ولن يفعلوا- شيئا من ذلك، فكيف أبحتم لأنفسكم عبادتهم؟
وقوله أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ تبكيت آخر لهم. أى: وقل لهم: إذا كانوا لم يخلقوا شيئا من الأرض، فهل لهم معنا شركة في خلق السموات أو في التصرف فيها، حتى يستحقوا لذلك مشاركتنا في العبادة والطاعة.
وقوله: أَمْ آتَيْناهُمْ كِتابًا فَهُمْ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْهُ تبكيت ثالث لهم. أى: وقل لهم إذا كانوا لم يخلقوا شيئا من الأرض، ولم يشاركونا في خلق السموات، فهل نحن أنزلنا عليهم كتابا أقررنا لهم فيه بمشاركتنا، فتكون لهم الحجة الظاهرة البينة على صدق ما يدعون؟
والاستفهام في جميع أجزاء الآية الكريمة للإنكار والتوبيخ.
والمقصود بها قطع كل حجة يتذرعون بها في شركهم، وإزهاق باطلهم بألوان من الأدلة الواضحة التي تثبت جهالاتهم، حيث أشركوا مع الله- تعالى- ما لا يضر ولا ينفع، وما لا يوجد دليل أو ما يشبه الدليل على صحة ما ذهبوا إليه من كفر وشرك.
ولذا ختمت الآية الكريمة بالإضراب عن أوهامهم وبيان الأسباب التي حملتهم على الشرك، فقال- تعالى-: بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا.
أى: أن هؤلاء الشركاء لم يخلقوا شيئا لا من الأرض ولا من السماء، ولم نؤتهم كتابا بأنهم شركاء لنا في شيء، بل الحق أن الظالمين يخدع بعضهم بعضا، ويعد بعضهم بعضا بالوعود الباطلة، بأن يقول الزعماء لأتباعهم: إن هؤلاء الآلهة هم شفعاؤنا عند الله، وأننا ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، فيترتب على قولهم هذا، أن ينساق الأتباع وراءهم كما تنساق الأنعام وراء راعيها.
وبعد أن بين- سبحانه- ما عليه المعبودات الباطلة من عجز وضعف، أتبع ذلك ببيان جانب من عظيم قدرته، وعميم فضله فقال: إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا، وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ
[ ١١ / ٣٥٥ ]
أى: إن الله- تعالى- بقدرته وحدها، يمسك السموات والأرض كراهة أن تزولا، أو يمنعهما ويحفظهما من الزوال أو الاضمحلال أو الاضطراب، ولئن زالتا- على سبيل الفرض والتقدير- فلن يستطيع أحد أن يمسكهما ويمنعهما عن هذا الزوال سوى الله- تعالى- إِنَّهُ- سبحانه- كانَ وما زال حَلِيمًا بعباده غَفُورًا لمن تاب إليه وأناب، كما قال- تعالى-: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا ثُمَّ اهْتَدى.
قال الآلوسى: قوله: وَلَئِنْ زالَتا أى: إن أشرفتا على الزوال على سبيل الفرض والتقدير، إِنْ أَمْسَكَهُما أى: ما أمسكهما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ أى: من بعد إمساكه- تعالى- أو من بعد الزوال، والجملة جواب القسم المقدر قبل لام التوطئة في لَئِنْ، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه ومِنْ الأولى مزيدة لتأكيد العموم. والثانية للابتداء «١» .
ثم ختم- سبحانه- السورة الكريمة بما كان عليه المشركون من نقض العهود، ومن مكر سىء حاق بهم، ودعاهم- سبحانه- إلى الاعتبار بمن سبقهم، وبين لهم جانبا من مظاهر فضله عليهم. ورأفته بهم فقال- تعالى-: