إحدى وثلاثون آية، مدنية.
١٢٦٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الزَّاهِدُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ هَلْ أَتَى كَانَ جَزَاؤُهُ عَلَى اللَّهِ جَنَّةً وَحَرِيرًا» .
بسم الله الرحمن الرحيم ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا ﴿١﴾ إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴿٢﴾ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ﴿٣﴾﴾ [الإنسان: ١-٣] .
هل أتى قال المفسرون، وأهل المعاني: قد أتى، فهل ههنا خبر، وليس باستفهام.
على الإنسان يعني: آدم، ﴿حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ [الإنسان: ١] قدر أربعين سنة، ﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان: ١] لا في السماء، ولا في الأرض، يعني: أنه كان جسدًا ملقى من طين، قبل أن ينفخ فيه الروح، قال عطاء، عن ابن عباس: إنما تم خلقه بعد عشرين ومائة سنة.
وسمع عمر بن الخطاب رجلًا يقرأ هذه الآية، فقال: ليت ذلك تم.
يعني: ليته بقي على ما كان عليه.
فكان لا يلد، ولا يبتلى بأولاده.
﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسَانَ﴾ [الإنسان: ٢] يعني: ولد آدم، ﴿مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾ [الإنسان: ٢] أخلاط، وأحدها: مشج، وهو شيئان مخلوطان، يعني: اختلاط نطفة الرجل بنطفة المرأة، أحدهما أبيض والآخر أصفر، فما كان من عصب، وعظم، وقوة، فمن نطفة الرجل، وما كان من لحم، ودم، وشعر، فمن ماء المرأة، وتم الكلام، ثم قال: ﴿نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان: ٢] قال الفراء: المعنى: جعلناه سميعًا بصيرًا لنبتليه.
ذكر أنه أعطاه ما يصح معه الابتلاء، وهو السمع والبصر.
قوله: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان: ٣] قال عطاء: بينا له سبيل الهدى.
﴿إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٣] إما موحدًا طائعًا لله، وإما مشركًا بالله في عمله، والمعنى: أنه بين له سبيل التوحيد
[ ٤ / ٣٩٨ ]
بنصب الأدلة، وبعث الرسل، شكر الإنسان فآمن، أو جحد فكفر.
ثم بين ما أعد للكافرين، فقال: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاسِلا وَأَغْلالا وَسَعِيرًا ﴿٤﴾ إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا ﴿٥﴾ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا ﴿٦﴾ يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا ﴿٧﴾ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ﴿٨﴾ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا ﴿٩﴾ إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا ﴿١٠﴾ فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا ﴿١١﴾ وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا ﴿١٢﴾﴾ [الإنسان: ٤-١٢] .
﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاسِلا﴾ [الإنسان: ٤] يعني: في جهنم، كقوله تعالى: ﴿فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا﴾ [الحاقة: ٣٢] الآية، وتقرأ: سلاسلًا بالتنوين، وكذلك قواريرًا و﴿قَوَارِيرَا﴾ [الإنسان: ١٥] وفيه وجهان: أحدهما: أن من العرب من يصرف جميع ما لا ينصرف، وهو لغة الشعر، إلا أنهم اضطروا إليه في الشعر فصرفوه، فجرت على ألسنتهم كذلك، والآخر: أن هذا الجمع أشبه الآحاد، لأنهم قالوا: صواحبات يوسف.
ويقولون: مواليات.
في جمع الموالي، فمن حيث جمعوه جمع الآحاد المنصرفة، جعلوه في حكمها، فصرفوه، وقوله: وأغلالًا يعني: في أيديهم تغل إلى أعناقهم، وسعيرًا وقودًا شديدًا.
ثم ذكر ما أعد للشاكرين، فقال: إن الأبرار يعني: المطيعين لله، ﴿يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ﴾ [الإنسان: ٥] من إناء فيه شراب، ﴿كَانَ مِزَاجُهَا﴾ [الإنسان: ٥] ما يمازجها، كافورًا قال
[ ٤ / ٣٩٩ ]
عطاء، والكلبي: هو اسم عين ماء في الجنة.
وقال مقاتل، ومجاهد: يعني: الكافور الذي له رائحة طيبة، يمازجه ريح الكافور، وليس ككافور الدنيا.
ويدل على صحة القول الأول قوله: عينًا قال الفراء: وهي كالمفسرة للكافور.
وقال الأخفش: نصب ﴿عَيْنًا﴾ [الإنسان: ٦] على وجه المدح، على أعني عينًا.
وقال الزجاج: الأجود أن يكون المعنى من عين يشرب بها عباد الله.
قال ابن عباس: أولياء الله.
﴿يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان: ٦] يفجرون تلك العين، بحيث يريدون يقودونها حيث شاءوا، قوله: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧] هذا من صفاتهم في الدنيا، أي: كانوا في الدنيا كذلك يوفون بطاعة الله من الصلاة والحج، وهو قول قتادة، ومجاهد، ومعنى النذر في اللغة: الإيجاب، والمعنى: ما أوجبه الله تعالى عليهم من الطاعات، وقال عكرمة: إذا نذروا في طاعات الله وفوا به.
﴿وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: ٧] فاشيًا، منتشرًا، يقال: استطار الحريق.
إذا انتشر، واستطار الصبح، إذا انتشر ضوءه، قال مقاتل: كان شره فاشيًا في السموات: فانشقت، وتناثرت الكواكب، وفزعت الملائكة، وكورت الشمس والقمر، وفي الأرض: فنسفت الجبال، وغارت المياه، وتكسر كل شيء على الأرض من جبل، وبناء، ففشا شر يوم القيامة فيهما.
قوله: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [الإنسان: ٨] على حب الطعام، والمعنى: يطعمون الطعام أشد ما تكون حاجتهم إليه، وصفهم الله تعالى بالأثرة على أنفسهم.
١٢٦٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْغَازِيُّ، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ الزَّاهِدُ، أنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى، نا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نا عُبَيْدَةُ، نا هِشَامٌ، عَنِ الْجَارُودِ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ أَطْعَمَ مُسْلِمًا عَلَى جُوعٍ إِلا أَطْعَمَهُ اللَّهُ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ، وَمَا مِنْ مُسْلِمٍ كَسَا أَخَاهُ عَلَى عُرْيٍ إِلا كَسَاهُ اللَّهُ مِنْ خُضْرِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ سَقَى مُسْلِمًا عَلَى ظِمَاءٍ مَاءً سَقَاهُ اللَّهُ الرَّحِيقَ» .
وقوله: مسكينًا يعني: فقيرًا، لا مال له، ويتيمًا لا أب له، وأسيرًا قال عطاء،
[ ٤ / ٤٠٠ ]
عن ابن عباس، وذلك أن علي بن أبي طالب، ﵁، أجر نفسه يسقي نخلًا بشيء من شعير ليله حتى أصبح، فلما أصبح وقبض الشعير، طحن ثلثه، فجعلوا منه شيئًا ليأكلوه، يقال له: الحريرة، فلما تم إنضاجه أتى مسكين، فأخرجوا إليه الطعام، ثم عمل الثلث الثاني، فلما تم انضاجه أتى يتيم، فسأل فأطعموه، ثم عمل الثالث الباقي، فلما تم إنضاجه أتى أسير من المشركين، فسأل فأطعموه، وطووا يومهم ذلك.
وهذا قول الحسن، وقتادة: أن الاسير كان من أهل الشرك.
[ ٤ / ٤٠١ ]
وقال أهل العلم: الآية تدل على أن إطعام الأسارى، وإن كانوا من غير أهل ملتنا، حسن يرجى ثوابه، فأما فريضة الكفارات والزكوات، فلا يجوز وضعها في فقراء المشركين.
وقال عطاء، وسعيد بن جبير: الأسير هو المسجون من أهل القبلة.
﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٩] قال المفسرون: إنهم لن يتكلموا بهذا، ولكن علمه الله تعالى من قلوبهم، فأثنى به عليهم وعلم من نياتهم، أنهم فعلوا ذلك خوفًا من الله، ورجاء ثوابه.
ومعنى: لوجه الله لطلب رضا الله، وخاصة لله مخلصًا من الرياء، وطلب الجزاء، وهو قوله: ﴿لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا﴾ [الإنسان: ٩] وهو مصدر القعود، والخروج.
﴿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا﴾ [الإنسان: ١٠] قال مقاتل، والكلبي: تعبس فيه الوجوه، من هول ذلك اليوم، فلا تنبسط.
قمطريرًا يقبض الوجوه، والجباه بالتعبيس، وقال الفراء، وأبو عبيدة، والمبرد: يوم قمطرير وقماطر، إذا كان صعبًا شديدًا.
﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ﴾ [الإنسان: ١١] بما أطاعوه في الدنيا، ولقاهم نضرة حسنًا، وبياضًا في الوجوه، وسرورًا لا انقطاع له.
﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الإنسان: ١٢] على طاعته، واجتناب معصيته، جنة وحريرًا يعني: لباس أهل الجنة.
﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا ﴿١٣﴾ وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلا ﴿١٤﴾ وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا ﴿١٥﴾ قَوَارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا ﴿١٦﴾ وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلا ﴿١٧﴾ عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلا ﴿١٨﴾﴾ [الإنسان: ١٣-١٨] .
﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ﴾ [الإنسان: ١٣] مفسر في ﴿[الكهف،] لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا﴾ [سورة الإنسان: ١٣] لا يجدون الحر، والبرد، وقال
[ ٤ / ٤٠٢ ]
مقاتل: يعني: شمسًا يؤذيهم حرهم، ولا زمهريرًا يؤذيهم برده.
لأنهما يؤذيان في الدنيا، والزمهرير: البرد الشديد.
﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا﴾ [الإنسان: ١٤] قال مقاتل: يعني: شجرها قربت منهم.
﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلا﴾ [الإنسان: ١٤] قال ابن عباس: إذا همّ أن يتناول من ثمارها، نزلت إليه حتى يتناول منها ما يريد.
والمعنى قريب منهم، مذلل كيف شاءوا، كقوله: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ٢٣] .
﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ﴾ [الإنسان: ١٥] أقداح، لا عرى لها، كانت قواريرا أي تلك الأكواب هي قوارير، يعني: الزجاج قوارير من فضة، قال المفسرون: جعل الله قوارير أهل الجنة من الفضة، فاجتمع لها بياض الفضة وصفاء القوارير.
قال الزجاج: القوارير التي في الدنيا من الرمل، فأعلم الله أن تلك القوارير أن أصلها من فضة، ويرى من خارجها ما في داخلها.
قدروها تقديرًا قدروا الكأس على قدر ريهم، لا يزيد ولا ينقص من الري، وهو ألذ الشراب، والضمير في قدروا للسقاة والخدم الذين يسقونهم يقدرونها، ثم يسقون، وقال القرطبي: أي: كانت كما يشتهون، يعني: أن الأكواب على ما اشتهوا لم يعظم، ولم يثقل الكف حملها.
ويسقون يعني: أهل الجنة في الجنة، ﴿كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلا﴾ [الإنسان: ١٧] قال مقاتل: لا يشبه زنجبيل الدنيا.
وقال ابن عباس: كلما ذكر الله في القرآن مما في الجنة وسماه، ليس له مثل في الدنيا.
ولكن الله سماه بالاسم الذي يعرف، والزنجبيل مما كانت العرب تستطيبه جدًا، فلذلك ذكره الله تعالى في القرآن، ووعدهم أنهم يسقون في الجنة الكأس الممزوجة بزنجبيل الجنة.
﴿عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلا﴾ [الإنسان: ١٨] يقول: يمزج الخمر بالزنجبيل، والزنجبيل من عين تسمى تلك العين سلسبيلًا، قال ابن الأعرابي: لم أسمع السلسبيل إلا في القرآن.
وقال الزجاج: سلسبيل صفة لما كان في غاية السلاسة.
والمعنى: أنها سلسة تتسلسل في الحلق، لذلك سميت سلسبيلًا.
[ ٤ / ٤٠٣ ]
﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا ﴿١٩﴾ وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا ﴿٢٠﴾ عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا ﴿٢١﴾ إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا ﴿٢٢﴾﴾ [الإنسان: ١٩-٢٢] .
﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الإنسان: ١٩] سبق تفسيره، وقد وصف الله تعالى في هذه ال ﴿[الأقداح وما فيها من الشراب، والسقاة الذين يطوفون بها، وهو قوله:] إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا﴾ [سورة الإنسان: ١٩] قال عطاء: يريد في بياض اللؤلؤ، وحسنه.
واللؤلؤ إذا نثر من الخيط على البساط كان أحسن منه منظومًا، وقال أهل المعاني: إنما شبهوا بالمنثور لانتثارهم في الخدمة، ولو كانوا صفًا لشبهوا بالمنظوم.
قوله: وإذا رأيت أي: إذا رميت ببصرك، ونظرت، ثم يعني: الجنة، رأيت نعيمًا لا يوصف، وملكًا كبيرًا قال مقاتل، والكلبي: هو أن رسول رب العزة من الملائكة لا يدخل عليهم إلا بإذنهم.
﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ﴾ [الإنسان: ٢١] من نصب عاليهم جعله ظرفًا، بمنزلة قولك فوقهم ثياب سندس، ويجوز أن تكون نصبًا على الحال من
[ ٤ / ٤٠٤ ]
قوله: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الإنسان: ١٢] ومن أسكن الياء كان في موضع رفع بالابتداء، وخبره: ثياب سندس، خضر بالرفع صفة لقوله: ثياب وبالخفض صفة لقوله: سندس وهو إن كان واحدًا أريد به الجنس، وإستبرق فيه الجر والرفع أيضًا، فالجر من حيث عطف على السندس، ومن رفع أراد العطف على الثياب، وهذه الآية مفسرة في ﴿[الكهف،] وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [سورة الإنسان: ٢١] قال الفراء: يقول طهور ليس بنجس كما كانت في الدنيا مذكورة بالنجاسة.
والمعنى: أن ذلك الشراب طاهر، ليس كخمر الدنيا، قال مقاتل: هو عين ماء على باب الجنة، من شرب منها نزع الله ما كان في قلبه من غش، وغل، وحسد.
وقال أبو قلابة، وإبراهيم: يؤتون بالطعام، فإذا كان آخر ذلك أتوا بالشراب الطهور، فيشربون، فتضمر بذلك بطونهم، ويغيض عرق من جلودهم مثل ريح المسك.
إن هذا يعني: ما وصف من نعيم أهل الجنة، ﴿كَانَ لَكُمْ جَزَاءً﴾ [الإنسان: ٢٢] بأعمالكم، وكان سعيكم عملكم في الدنيا بطاعة الله، مشكورًا قال عطاء: يريد شكرتكم عليه، وأثبتكم أفضل الثواب.
قوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ تَنْزِيلا ﴿٢٣﴾ فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا ﴿٢٤﴾ وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلا ﴿٢٥﴾ وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلا طَوِيلا ﴿٢٦﴾ إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلا ﴿٢٧﴾ نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلا ﴿٢٨﴾﴾ [الإنسان: ٢٣-٢٨] .
[ ٤ / ٤٠٥ ]
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ تَنْزِيلا﴾ [الإنسان: ٢٣] يعني: فصلناه في الإنزال، فلم ننزله جملة واحدة.
﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [الإنسان: ٢٤] مفسر في مواضع، ﴿وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ﴾ [الإنسان: ٢٤] من مشركي مكة، آثما يعني: عتبة بن ربيعة، أو كفورًا يعني: الوليد بن المغيرة، قالا له: ارجع عن هذا الأمر، ونحن نرضيك بالمال، والتزويج.
﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ [الإنسان: ٢٥] اذكره بالتوحيد في الصلاة، بكرة وأصيلًا يعني: الفجر والعصر.
﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ﴾ [الإنسان: ٢٦] يعني: المغرب والعشاء، ﴿وَسَبِّحْهُ لَيْلا طَوِيلا﴾ [الإنسان: ٢٦] يعني: التطوع بعد المكتوبة.
إن هؤلاء يعني: كفار مكة، يحبون العاجلة الدار العاجلة، وهي الدنيا، ويذرون وراءهم يعني أمامهم، يومًا ثقيلًا عسيرًا، شديدًا، والمعنى: يتركونه، فلا يؤمنون به، ولا يعملون له.
ثم ذكر قدرته، فقال: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾ [الإنسان: ٢٨] الأسر: شدة الخلق، يقال: شدد الله أسر فلان.
أي: قوى خلقه، قال الحسن: يعني: أوصالهم بعضًا إلى بعض بالعروق والعصب.
وروي عن مجاهد، أنه قال في تفسير الأسر: الشرج، يعني: موضعي مصرفي البول والغائط، إذا خرج الأذى تقبضتا.
﴿وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلا﴾ [الإنسان: ٢٨] إذا شئنا أهلكناهم، وأتينا بأشباههم، فجعلناهم بدلًا منهم.
﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلا ﴿٢٩﴾ وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴿٣٠﴾ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴿٣١﴾﴾ [الإنسان: ٢٩-٣١] .
إن هذه ال ﴿[، تذكرة تذكير وموعظة،] فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلا﴾ [سورة الإنسان: ٢٩] بالإيمان، والطاعة.
﴿وَمَا تَشَاءُونَ﴾ [الإنسان: ٣٠] اتخاذ السبيل، ﴿إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠] ذلك لكم، قال الزجاج: أي: لستم تشاءون إلا بمشيئة الله.
﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ [الإنسان: ٣١] قال عطاء: من صدق نيته، أدخله جنته.
والظالمين المشركين من كفار مكة، ﴿أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الإنسان: ٣١] .
[ ٤ / ٤٠٦ ]