عشرون وآيتان، مكية.
١٣١٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْعَزَايِمِيُّ، أنا عَمْرُو بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْبُرُوجِ أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنَ الْأَجْرِ بِعَدَدِ كُلِّ يَوْمِ جُمُعَةٍ، وَكُلِّ يَوْمِ عَرَفَةَ يَكُونُ فِي دَارِ الدُّنْيَا عَشْرُ حَسَنَاتٍ» .
بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ ﴿١﴾ وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ ﴿٢﴾ وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ ﴿٣﴾ قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ ﴿٤﴾ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ ﴿٥﴾ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ ﴿٦﴾ وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ ﴿٧﴾ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴿٨﴾ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴿٩﴾ إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ ﴿١٠﴾﴾ [البروج: ١-١٠] .
﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ [البروج: ١] ذكرنا تفسير البروج عند قوله: ﴿جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ [الفرقان: ٦١] وهي النجوم، أو منازلها.
واليوم الموعود يعني: يوم القيامة، في قول جميع المفسرين.
وشاهد ومشهود.
١٣١٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْفَارِسِيُّ، أنا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَطِيَّةَ، نا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ، نا رَوْحٌ، نا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ، أَخْبَرَنِي أَيُّوبُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْيَوْمُ الْمَوْعُودُ يَوْمُ الْقِيَامَةِ وَالشَّاهِدُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَالْمَشْهُودُ يَوْمُ عَرَفَةَ»
١٣١٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، أنا أَبُو عَلِيٍّ
[ ٤ / ٤٥٧ ]
حَامِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَرَوِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْأَشَجُّ، نا يَحْيَى بْنُ نَصْرِ بْنِ حَاجِبٍ، نا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْيَوْمُ الْمَوْعُودُ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، وَالْمَشْهُودُ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَالشَّاهِدُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، مَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ عَلَى يَوْمٍ وَلا غَرَبَتْ أَفْضَلَ مِنْهُ، فِيهِ سَاعَةٌ لا يُوافِقُهَا مُؤْمِنٌ يَدْعُو اللَّهَ فِيهَا بِخَيْرٍ إِلا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ، وَلا اسْتَعَاذَ مِنْ شَرٍّ إِلا أَعَاذَهُ مِنْهُ» .
وهذا قول الأكثرين.
وسمي يوم الجمعة شاهدًا، لأنه يشهد على كل عامل بما عمل فيه، وكذلك كل يوم، ويوم عرفة يوم مشهود، يشهد الناس فيه موسم الحج، وتشهده الملائكة.
١٣١٨ - حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْمُقْرِي، أَخْبَرَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، نا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَهْلَوَيْهِ، نا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، نا أَبُو غَسَّانَ مَالِكُ بْنُ ضَيْغَمٍ الرَّاسِبِيُّ، نا أَبُو سَهْلٍ الْمُنْذِرَانِيُّ، عَنْ خَبَّابٍ، عَنْ رَجُلٍ، قَالَ: دَخَلْتُ مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ، فَإِذَا أَنَا بِرَجُلٍ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَالنَّاسُ حَوْلَهُ، فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ شَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ، قَالَ: نَعَمْ، أَمَا الشَّاهِدُ فَيَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَأَمَّا الْمَشْهُودُ فَيَوْمُ عَرَفَةَ، فَجُزْتُهُ إِلَى آخَرَ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ شَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ، قَالَ: نَعَمْ، أَمَّا الشَّاهِدُ فَيَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَالْمَشْهُودُ يَوْمُ النَّحْرِ، فَجُزْتُهُمَا إِلَى غُلامٍ كَأَنَّ وَجْهَهُ الدِّينَارُ وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ شَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ، قَالَ: نَعَمْ، أَمَّا الشَّاهِدُ فَمُحَمَّدٌ ﷺ، وَأَمَّا الْمَشْهُودُ فَيَوْمُ الْقِيَامَةِ، أَمَا سَمِعْتَهُ يَقُولُ: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥] وَقَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣] فَسَأَلْتُ عَنِ الْأَوَّلِ، فَقَالُوا: ابْنُ عَبَّاسٍ، وَسَأَلْتُ عَنِ الثَّانِي، فَقَالُوا: ابْنُ عُمَرَ، وَسَأَلْتُ عَنِ الثَّالِثِ، فَقَالُوا: الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ﵃
قوله: ﴿قُتِلَ
[ ٤ / ٤٥٨ ]
أَصْحَابُ الأُخْدُودِ﴾ [البروج: ٤] معناه: لعن في قول الجميع.
كقوله: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ [الذاريات: ١٠] وقد مر، والأخدود الشق في الأرض يحفر مستطيلًا، وجمعه الأخاديد، ومصدره الخد وهو الشق، وأما حديث أصحاب الأخدود:
١٣١٩ - حَدَّثَنَا الْإِمَامُ أَبُو عُثْمَانَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِمْلاءً، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ نُصَيْرٍ الْقُرَشِيُّ، نا يُوسُفُ بْنُ عَاصِمٍ الرَّازِيُّ، نا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ صُهَيْبٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: كَانَ مَلِكٌ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ لَهُ سَاحِرٌ، فَلَمَّا مَرِضَ السَّاحِرُ، قَالَ: إِنِّي قَدْ حَضَرَ أَجَلِي، فَارْفَعْ إِلَيَّ غُلامًا أُعَلِّمُهُ، فَدَفَعَ إِلَيْهِ غُلامًا فَكَانَ يُعَلِّمُهُ وَيَخْتَلِفُ إِلَيْهِ، وَبَيْنَ السَّاحِرِ وَالْمَلِكِ رَاهِبٌ فَمَرَّ الْغُلامُ بِالرَّاهِبِ فَأَعْجَبَهُ كَلامُهُ وَأَمْرُهُ، فَكَانَ يُطِيلُ عِنْدَهُ الْقُعُودَ، فَإِذَا أَبْطَأَ عَنِ السَّاحِرِ ضَرَبَهُ، وَإِذَا أَبْطَأَ عَنْ أَهْلِهِ ضَرَبُوهُ، فَشَكَى ذَلِكَ إِلَى الرَّاهِبِ، فَقَالَ: يَا بُنَيَّ إِذَا اسْتَبْطَأَكَ السَّاحِرُ، فَقُلْ: حَبَسَنِي أَهْلِي، وَإِذَا اسْتَبْطَأَكَ أَهْلُكَ، فَقُلْ: حَبَسَنِي السَّاحِرُ، فَبَيْنَمَا هُوَ ذَاتَ يَوْمٍ مَرَّ بِالنَّاسِ وَقَدْ حَبَسَتْهُمْ دَابَّةٌ عَظِيمَةٌ فَظِيعَةٌ، فَقَالَ: الْيَوْمَ أَعْلَمُ أَمْرُ السَّاحِرِ أَفْضَلُ أَمْ أَمْرُ الرَّاهِبِ، فَأَخَذَ حَجَرًا وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ أَمْرُ الرَّاهِبِ أَحَبَّ إِلَيْكَ، فَاقْتُلْ هَذِهِ الدَّابَةَ، فَرَمَى فَقَتَلَهَا وَمَضَى النَّاسُ، فَأَخْبَرَ بِذَلِكَ الرَّاهِبَ، فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ إِنَّكَ سَتُبْتَلَى، فَإِنِ ابْتُلِيتَ فَلا تَدُلَّ عَلَيَّ، قَالَ: وَجَعَلَ يُدَاوِي النَّاسَ، الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ عَمِيَ جَلِيسٌ لِلْمَلِكِ، فَأَتَاهُ وَحَمَلَ إِلَيْهِ مَالًا كَثِيرًا، فَقَالَ: اشْفِنِي وَلَكَ مَا هَاهُنَا، فَقَالَ: إِنِّي لا أَشْفِي أَحَدًا وَلَكِنْ يَشْفِي اللَّهُ، فَإِنْ آمَنْتَ بِاللَّهِ دَعَوْتُ اللَّهَ فَشَفَاكَ، قَالَ: فَآمَنَ بِاللَّهِ، فَدَعَا اللَّهَ لَهُ فَشَفَاهُ فَذَهَبَ فَجَلَسَ إِلَى الْمَلِكِ، فَقَالَ: يَا فُلانُ مَنْ شَفَاكَ؟ قَالَ: رَبِّي، قَالَ: أَنَا؟ قَالَ: لا، رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ، فَقَالَ: أَوَ أَنَّ لَكَ رَبًّا غَيْرِي؟ قَالَ: نَعَمْ، رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ، فَأَخَذَهُ فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى دَلَّهُ عَلَى الْغُلامِ، فَبَعَثَ إِلَى الْغُلامِ، فَقَالَ: لَقَدْ بَلَغَ مِنْ أَمْرِكَ أَنْ تَشْفِيَ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ، فَقَالَ: مَا أُشْفِي أَحَدًا وَلَكِنْ رَبِّي يَشْفِي، قَالَ: أَوَ أَنَّ لَكَ رَبًّا غَيْرِي؟ قَالَ: نَعَمْ رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ، فَأَخَذَهُ فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى دَلَّهُ عَلَى الرَّاهِبِ، فَوَضَعَ الْمِنْشَارَ فِي مَفْرِقِ رَأْسِهِ، فَأَشَرَهُ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ، ثُمَّ دَعَا بِالْأَعْمَى، فَقَالَ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ، فَأَبَى فَوَضَعَ الْمِنْشَارَ فِي مَفْرِقِ رَأْسِهِ، فَأَشَرَهُ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ، وَقَالَ لِلْغُلامِ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ فَأَبَى، وَأَرْسَلَ مَعَهُ نَفَرًا، وَقَالَ: اصْعَدُوا بِهِ إِلَى جَبَلِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ وَإِلا فَدَهْدِهُوهُ
[ ٤ / ٤٥٩ ]
مِنْهُ، قَالَ: فَعَلَوْا بِهِ الْجَبَلَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ، قَالَ: فَرَجَفَ بِهِمُ الْجَبَلُ فَتَدَهْدَهُوا أَجْمَعُونَ، وَجَاءَ إِلَى الْمَلِكِ، فَقَالَ: مَا صَنَعَ أَصْحَابُكَ؟ فَقَالَ: كَفَانِيهِمُ اللَّهُ تَعَالَى، فَأَرْسَلَ بِهِ مَرَّةً أُخْرَى، قَالَ: انْطَلِقُوا بِهِ فَلَجِّجُوا بِهِ فِي الْبَحْرِ، فَإِنْ رَجَعَ وَإِلا فَغَرِّقُوهُ، فَانْطَلَقُوا بِهِ فِي قُرْقُورٍ، فَلَمَّا تَوَسَّطُوا بِهِ الْبَحْرَ، قَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ، فَانْكَفَأَتْ بِهِمُ السَّفِينَةُ، وَجَاءَ حَتَّى قَامَ بَيْنَ يَدَيِ الْمَلِكِ، فَقَالَ: مَا صَنَعَ أَصْحَابُكَ؟ قَالَ: كَفَانِيهِمُ اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّكَ لَسْتَ بِقَاتِلِي حَتَّى تَفْعَلَ مَا آمُرُكَ، اجْمَعِ النَّاسَ ثُمَّ اصْلُبْنِي عَلَى جِذْعٍ، ثُمَّ خُذْ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِي، ثُمَّ ضَعْهُ عَلَى كَبْدِ الْقَوْسِ، ثُمَّ قُلْ: بِسْمِ رَبِّ الْغُلامِ، فَإِنَّكَ سَتَقْتُلُنِي، قَالَ: فَجَمَعَ النَّاسَ وَصَلَبَهُ، ثُمَّ أَخَذَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ، فَوَضَعَهُ عَلَى كَبْدِ الْقَوْسِ، وَقَالَ: بِسْمِ رَبِّ الْغُلامِ، وَرَمَى فَوَقَعَ السَّهْمُ فِي صُدْغِهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى صُدْغِهِ وَمَاتَ، فَقَالَ النَّاسُ: آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلامِ، فَقِيلَ لَهُ: أَرَأَيْتَ مَا كُنْتَ تَخَافُ قَدْ نَزَلَ وَاللَّهِ بِكَ، آمَنَ النَّاسُ فَأَمَرَ بِالْأُخْدُودِ، فَخُدَّتْ عَلَى أَفْوَاهِ السِّكَكِ، ثُمَّ أَضْرَمَهَا، فَقَالَ: مَنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ، فَدَعُوهُ وَمَنْ أَبَى فَأَقْحِمُوهُ فِيهَا، فَجَعَلُوا يَقْتَحِمُونَهَا وَجَاءَتِ امْرَأةٌ بِابْنٍ لَهَا، فَقِيلَ لَهَا: ارْجِعِي عَنْ دِينِكِ، فَأَبَتْ، فَقَالَ لَهَا: يَا أُمَّهْ اصْبِرِي، فَإِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ هُدْبَةَ بْنِ خَالِدٍ
وقال محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر: أن حربة احتفرت في زمن عمر بن الخطاب ﵁، فوجدوا عبد الله بن التامر واضعا يده على ضربة في رأسه، إذا أميطت يده انبعثت دمًا، وإذا تركت ارتدت مكانها، وفي يده خاتم من حديد فيه ربي الله، فبلغ ذلك عمر، فكتب أن أعيدوا عليه الذي وجدتم عليه.
وروي عن علي بن أبي طالب، ﵁، في أصحاب الأخدود، قول آخر، وهو:
١٣٢٠ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ، أنا أَبُو عَلِيٍّ الْفَقِيهُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاذٍ الْمَالِينِيُّ، نا الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ حَرْبٍ الْمَرْوَزِيُّ، أنا الْهَيْثَمُ بْنُ جَمِيلٍ، نا يَعْقُوبُ الْقُمِّيُّ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: لَمَّا انْهَزَمَ أَهْلُ اسفندهان، قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: مَا هُمْ يَهُودُ وَلا نَصَارَى، وَلا لَهُمْ كِتَابٌ، وَكَانُوا مَجُوسًا، فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: بَلَى قَدْ
[ ٤ / ٤٦٠ ]
كَانَ لَهُمْ كِتَابٌ وَلَكِنَّهُ رُفِعَ، وَذَلِكَ أَنَّ مَلِكًا لَهُمْ وَقَعَ عَلَى ابْنَتِهِ، أَوْ قَالَ عَلَى أُخْتِهِ، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ لَهَا: كَيْفَ الْمَخْرَجُ مِمَّا وَقَعْتُ فِيهِ؟ قَالَتْ: تَجْمَعُ أَهْلَ مَمْلَكَتِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّكَ تَرَى ذَلِكَ حَلالًا، وَتَأْمُرُهُمْ أَنْ يُحِلُّوهُ، فَجَمَعَهُمْ وَأَخْبَرَهُمْ فَأَبَوْا أَنْ يُبَايِعُوهُ فَخَدَّ لَهُمْ أُخْدُودًا فِي الْأَرْضِ، وَأَوْقَدَ فِيهِ النِّيرَانَ وَعَرَضَهُمْ عَلَيْهَا، فَمَنْ أَبَى قَبُولَ ذَلِكَ قَذَفَهُ فِي النَّارِ، وَمَنْ أَجَابَ خَلَّى سَبِيلَهُ
وقال الحسن: كان النبي ﷺ إذا ذكر عنده أصحاب الأخدود، تعوذ بالله من جهد البلاء.
قوله: ﴿النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ﴾ [البروج: ٥] بدل من الأخدود، كأنه قال: قتل أصحاب النار ذات الوقود.
يعني: الذين أوقدوها لإحراق المؤمنين، وهو قوله: ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾ [البروج: ٦] يعني: عند الأخدود يعذبون المؤمنين، قال ابن عباس: عندها جلوس.
وقال مقاتل: يعني: عند النار قعود، يعرضونهم على الكفر.
وقال مجاهد: كانوا قعودًا على الكراسي عند الأخدود.
وهو قوله: وهم يعني: الملك وأصحابه الذين خدوا الأخدود، ﴿عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [البروج: ٧] من عرضهم على النار، وإرادتهم أن يرجعوا إلى دينهم، شهود حضور، قال الزجاج: أعلم الله قصة قوم بلغت بصيرتهم، وحقيقة إيمانهم، إلى أن صبروا على أن أحرقوا بالنار في الله.
﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ﴾ [البروج: ٨] الآية، قال ابن عباس: ما كرهوا منهم إلا أنهم آمنوا.
وقال مقاتل: ما عابوا منهم.
وقال الزجاج: ما أنكروا عليهم ذنبًا إلا إيمانهم.
وهذا كقوله تعالى: ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [المائدة: ٥٩]، ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ [البروج: ٩] من فعلهم بالمؤمنين، شهيد لم يخف عليه ما صنعوا.
ثم أعلم ما أعد لأولئك، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [البروج: ١٠] حرقوهم بالنار، يقال: فتنت الشيء أحرقته.
ومنه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: ١٣]، ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ [البروج: ١٠] من فعلهم ذلك، ومن الشرك الذي كانوا عليه، ﴿فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾ [البروج: ١٠] بكفرهم، ﴿وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج: ١٠] بما أحرقوا المؤمنين، قال الربيع بن أنس: وذلك أن النار ارتفعت من الأخدود إلى الملك وأصحابه فأحرقتهم.
وهو قول الكلبي.
ثم ذكر ما أعد للمؤمنين الذين حرقوا بالنار، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ ﴿١١﴾ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ﴿١٢﴾ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ ﴿١٣﴾ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ﴿١٤﴾ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ ﴿١٥﴾ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ﴿١٦﴾ هَلْ أَتَاكَ
[ ٤ / ٤٦١ ]
حَدِيثُ الْجُنُودِ ﴿١٧﴾ فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ ﴿١٨﴾ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ ﴿١٩﴾ وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ ﴿٢٠﴾ بَلْ هُوَ قُرْءَانٌ مَجِيدٌ ﴿٢١﴾ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ﴿٢٢﴾﴾ [البروج: ١١-٢٢] .
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البروج: ١١] الآية، ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: ١٢] قال ابن عباس: إن أخذه بالعذاب، إذا أخذ الظلمة، والجبابرة لشديد.
كقوله: ﴿إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢] .
﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ﴾ [البروج: ١٣] الخلق، يخلقهم أولًا في الدنيا، ويعيدهم أحياء بعد الموت.
وهو الغفور لذنوب المؤمنين، وأوليائه من أهل طاعته، الودود المحب لهم، وقال الأزهري في تفسير أسماء الله: يجوز أن يكون ودود فعولًا بمعنى: مفعول، كركوب، وحلوب، ومعناه: أن عباده الصالحين يودونه ويحبونه، لما عرفوا من فضله، ولما أسبغ عليهم من نعمائه، ويجوز أن تكون فعولًا بمعنى فاعل، أي: محبًا لهم.
قال: وكلتا الصفتين مدح، لأنه جل ذكره إن أحب عبادة المطيعين فهو فضل منه، وإن أحبه عباده العارفون، فلما تقرر عندهم من كريم إحسانه.
قوله: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ [البروج: ١٥] أكثر القراءة الرفع في: المجيد على صفة: ذو العرش، لأن الله تعالى هو الموصوف بالمجد، ولأن المجيد لم يسمع في غير صفة الله تعالى، وإن سمع الماجد، ومن كسر المجيد جعله من صفة العرش، قال عطاء، عن ابن عباس: من قرأ بالخفض، فإنما يريد العرش وحسنه.
ويدل على صحة هذا: أن العرش وصف بالكرم في قوله: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٦] فجاز أن يوصف بالمجد، لأن معناه الكمال، والعرش على ما ذكر أحسن شيء، وأكمله، وأجمعه لصفات الحسن.
﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٦] أي: من الإبداء والإعادة، وقال عطاء: لا يعجزه شيء يريده، ولا يمتنع منه شيء طلبه.
١٣٢١ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْمُحَارِبِيُّ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، نا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، نا هَنَّادٌ، نا الْمُحَارِبِيُّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، عَنْ أَبِي السَّفَرِ، قَالَ: دَخَلَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ قَوْمٌ يَعُودُونَهُ، فَقَالُوا: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ أَلا تَدْعُو لَكَ طَبِيبًا يَنْظُرُ إِلَيْكَ، قَالَ: قَدْ نَظَرَ إِلَيَّ، قَالُوا: وَأَيُّ شَيْءٍ قَالَ لَكَ؟ قَالَ: قَالَ: إِنِّي فَعَّالٌ لِمَا أُرِيدُ
ثم ذكر خبر الجموع الكافرة، فقال: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ﴾ [البروج: ١٧] يريد: قد أتاك، وهم الذين تجندوا على أنبياء الله.
ثم بين من هم، فقال: ﴿فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ ﴿١٨﴾ بَلِ
[ ٤ / ٤٦٢ ]
الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البروج: ١٨-١٩] يعني: مشركي مكة، في تكذيب لك وللقرآن، أي: لم يعتبروا بمن كان قبلهم من الكفار.
﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج: ٢٠] يقدر أن ينزل بهم، ما أنزل بمن قبلهم.
﴿بَلْ هُوَ قُرْءَانٌ مَجِيدٌ﴾ [البروج: ٢١] قال ابن عباس، ومقاتل: كريم، لأنه كلام الرب، ليس هو كما يقولون: شعر، وكهانة، وسحر.
﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢٢] عند الله، وهو أم الكتاب، منه نسخ القرآن والكتب، وهو الذي يعرف باللوح المحفوظ من الشياطين، ومن الزيادة فيه والنقصان، وقرأ نافع: محفوظ رفعًا على نعت القرآن، كأنه قيل: بل هو قرآن مجيد محفوظ في لوح، وذلك أن القرآن وصف بالحفظ في قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] فكما وصف بالحفظ في تلك الآية، كذلك وصف في هذه الآية بأنه محفوظ، ومعنى حفظ القرآن: أنه يؤمن من تحريفه، وتبديله، وتغييره، فلا يلحقه من ذلك شيء، قال أبو الحسن الأخفش: والأول هو الذي يعرف.
وقال أبو عبيد: الوجه الخفض، لأن الآثار الواردة في اللوح المحفوظ تصدق ذلك.
١٣٢٢ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، أنا زِاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ مُصْعَبٍ، نا يَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ، نا الْحَسَنُ بْنُ حَبِيبٍ، نا أَبُو حَمْزَةَ الثُّمَالِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ ﷿ خَلَقَ لَوْحًا مَحْفُوظًا مِنْ دُرَّةٍ بَيْضَاءَ، دَفَّتَاهُ يَاقُوتَةٌ حَمْرَاءُ، قَلَمُهُ نُورٌ، وَكِتَابُهُ نُورٌ، عَرْضُهُ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، يَنْظُرُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ ثَلاثَ مِائَةٍ وَسِتِّينَ نَظْرَةً، يَخْلُقُ بِكُلِّ نَظْرَةٍ وَيُحْيِي وَيُمِيتُ وَيُعِزُّ وَيُذِلُّ، وَيَفْعَلُ مَا يَشَاءُ.
١٣٢٣ - حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْمُقْرِي، أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الثَّقَفِيُّ، نا مَخْلَدُ بْنُ جَعْفَرٍ، نا الْحَسَنُ بْنُ عَلَوَيْهِ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عِيسَى، نا إِسْحَاقُ بْنُ بِشْرٍ، أَخْبَرَنِي مُقَاتِلٌ، وَابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: إِنَّ فِي صَدْرِ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ، دِينُهُ الْإِسْلامُ، وَمُحَمَّدٌ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ ﷿ وَصَدَّقَ بِوَعْدِهِ وَاتَّبَعَ رُسُلَهُ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ، قَالَ: وَاللَّوْحُ لَوْحٌ مِنْ دُرَّةٍ بَيْضَاءَ، طُولُهُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَعَرْضُهُ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ.
[ ٤ / ٤٦٣ ]