اثنتا عشرة آية، مدنية.
١٢١٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقْرِئُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ السَّخْتِيَانِيُّ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَرِيكٍ، نا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نا الْمَدَايِنِيُّ بِالْإِسْنَادِ الَّذِي سَبَقَ ذِكْرُهُ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ ﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١] أَعْطَاهُ اللَّهُ تَوْبَةً نَصُوحًا ".
﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿١﴾ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴿٢﴾ وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ ﴿٣﴾ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ ﴿٤﴾ عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا ﴿٥﴾﴾ [التحريم: ١-٥] .
بسم الله الرحمن الرحيم ﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١] قال المفسرون: كان النبي ﷺ في بيت حفصة، فزارت أباها، فلما رجعت، أبصرت مارية في بيتها مع النبي ﷺ، فلم تدخل حتى خرجت مارية، ثم دخلت، وقالت: إني رأيت من كان معك في البيت.
وكان ذلك يوم عائشة، فلما رأى النبي ﷺ في وجه حفصة الغيرة والكآبة، قال لها: «لا تخبري عائشة، ولك عليّ ألا أقربها أبدًا» .
فأخبرت حفصة عائشة، وكانتا
[ ٤ / ٣١٧ ]
متصافيتين، فغضبت عائشة، ولم تزل بالنبي ﷺ حتى حلف ألا يقرب مارية، فأنزل الله هذا ال ﴿[.
قال سعيد بن جبير: جاء رجل إلى ابن عباس، فقال: جعلت امرأتي علىّ حرامًا.
قال: كذبت، ليست عليك بحرام.
ثم تلا هذه ال::] يَأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١] الآية، عليك أغلظ الكفارات عتق رقبة، وقوله: ﴿تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ [التحريم: ١] أي: تطلب رضاهن بتحريم مارية على نفسك، ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التحريم: ١] غفر لك ما فعلت من تحريم الجارية على نفسك.
﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [التحريم: ٢] أي: بين وأوجب، ﴿تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢] تحليلها بالكفارة، وتحلة أصلها: تحللة، على وزن تفعلة فأدغمت، وتفعلة من مصادر التفعيل، كالتوضية والتسمية، قال مقاتل: قد بين الله كفارة إيمانكم في ﴿[المائدة.
أمر الله نبيه ﷺ أن يكفر يمينه، ويراجع وليدته، فأعتق رقبة، قال الزجاج: وليس لأحد أن يحرم ما أحل الله.
] وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ﴾ [سورة التحريم: ٢] وليكم وناصركم، وهو العليم بخلقه، الحكيم فيما فرض من حكمه.
قوله: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ [التحريم: ٣] قال جماعة المفسرين: إن النبي ﷺ لما رأى الغيرة، والكراهية في وجه حفصة، أراد أن يترضاها، فأسر إليها بشيئين: تحريم الأمة على نفسه، وتبشيرها بأن الخلافة بعده في أبي بكر وأبيها عمر
[ ٤ / ٣١٨ ]
﵄.
﴿فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ﴾ [التحريم: ٣] أخبرت به حفصة عائشة، ﴿وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [التحريم: ٣] أطلع الله نبيه على قول حفصة لعائشة، فأخبر النبي الله ﷺ حفصة عند ذلك ببعض ما قالت، وهو قوله: عرف بعضه أي: عرف حفصة بعض ما أخبرت به عائشة، ﴿وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾ [التحريم: ٣] يعني: ذكر الخلافة، كره رسول الله ﷺ أن ينتشر ذلك في الناس، فأعرض عنه.
١٢١٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَارِثِيُّ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، نا سَلامُ بْنُ عِصَامٍ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ، نا عَمِّي، نا سَيْفُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ عَلِيٍّ، وَعَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «وَاللَّهِ إِنَّ إِمَارَةَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ لَفِي كِتَابِ اللَّهِ»
﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ [التحريم: ٣] قال لحفصة: «أبوك وأبو عائشة واليا الناس من بعدي، وإياك أن تخبري أحدًا» .
وقرئ عَرَفَ بالتخفيف ومعناه: جازي عليه، ولا يكون أن العلم، لأنه لا يجوز أن يعرف البعض مع إطلاع الله إياه على جميعه، وهذا كما تقول لمن يحسن إليك أو يسيء: أنا أعرف لك هذا.
أي: لا يخفى علي فأجازيك بما يكون وفقًا له.
قوله: ﴿فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ﴾ [التحريم: ٣] أي: أخبر حفصة بإفشائها السر، ﴿قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا﴾ [التحريم: ٣] من أخبرك بأني أفشيت سرك؟ قال: ﴿نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [التحريم: ٣] .
ثم خاطب عائشة وحفصة، فقال: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ﴾ [التحريم: ٤] أي: من التعاون على النبي ﷺ بالإيذاء، ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] عدلت ومالت عن الحق، وهو: أنهما أحبتا ما كره النبي ﷺ من اجتناب جاريته، ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ﴾ [التحريم: ٤] أي: تتظاهرا، وتتعاونا على النبي ﷺ بالإيذاء.
١٢١٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ النَّضْرَوِيُّ، أنا أَبُو بَكْرٍ الْقَطِيعِيُّ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، نا سُفْيَانُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَرَدْتُ أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁، فَمَا رَأَيْتُ مَوْضِعًا فَمَكَثْتُ سَنَتَيْنِ، فَلَمَّا كُنَّا بِمَرِّ الظَّهْرَانِ وَذَهَبَ لِيَقْضِيَ حَاجَتَهُ، فَجَاءَ وَقَدْ قَضَى حَاجَتَهُ، فَذَهَبْتُ أَصُبُّ عَلَيْهِ
[ ٤ / ٣١٩ ]
مِنَ الْمَاءِ، قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَنِ الْمَرْأَتَانِ اللَّتَانِ تَظَاهَرَتَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ فَقَالَ: عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنِ الْحُمَيْدِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ.
قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ﴾ [التحريم: ٤] أي: وليه في العون، يعني: يتولى نصرته، وجبريل وليه، وصالح المؤمنين قال عطاء، عن ابن عباس: يريد: أبا بكر وعمر ﵄، يواليان النبي ﷺ، وينصرانه.
١٢١٥ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْحِيرِيُّ، أنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْمُثَنَّى، نا أَبُو خَيْثَمَةَ، نا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، نا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، عَنْ سِمَاكٍ، أَنَّ أَبَا زُمَيْلٍ الْحَنَفِي، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، قَالَ: لَمَّا اعْتَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ نِسَاءَهُ دَخَلْتُ عَلَيْهِ، وَأَنَا أَرَى فِي وَجْهِهِ الْغَضَبَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا يَشُقُّ عَلَيْكَ مِنْ شَأْنِ النِّسَاءِ؟ فَإِنْ كُنْتَ طَلَّقْتَهُنَّ، فَإِنَّ اللَّهَ مَعَكَ وَمَلائِكَتَهُ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ، وَأَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَالْمُؤْمِنُونَ مَعَكَ وَقَلَّ مَا تَكَلَّمْتُ وَأَحْمَدُ اللَّهَ بِكَلامٍ إِلا رَجَوْتُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ يُصَدِّقُ قَوْلِي الَّذِي أَقُولُ، قَالَ: وَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤] رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي خَيْثَمَةَ.
١٢١٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ التَّمِيمِيُّ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، نا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ فَارِسٍ، نا الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، نا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ زَيْدٍ الْعَمِّيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التحريم: ٤]، قَالَ: صَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَمَعْنَى الآيَةِ، إِنْ تَعَاوَنْتُمَا عَلَى إِيذَاءِ النَّبِيِّ ﷺ، فَإِنَّ أَبَوَيْكُمَا يُوَافِقَانِكُمَا، وَلا يَتَظَاهَرَانِ مَعَكُمَا، فَإِنَّهُمَا وَلِيَّا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
﴿وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ [التحريم: ٤] قال مقاتل: بعد الله جبريلُ وصالحُ المؤمنين.
ظهير أعوان للنبي ﷺ، وهذا من الواحد الذي يؤدي عن الجمع، كقوله: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ
[ ٤ / ٣٢٠ ]
رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] .
ثم خوف نساءه، فقال: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ﴾ [التحريم: ٥] أي: واجب من الله إن طلقكن رسوله، ﴿أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ [التحريم: ٥]، ثم نعت تلك الأزواج التي كان يبدله لو طلق نساءه، فقال: مسلمات خاضعات لله بالطاعة، مؤمنات مصدقات بتوحيد الله، قانتات طائعات، سائحات صائمات، وذكرنا تفسيره عند قوله: ﴿السَّائِحُونَ﴾ [التوبة: ١١٢]، ثيبات جمع ثيب، وهي: المرأة التي قد تزوجت، ثم بانت عن زوجها، فعادت كما كانت غير ذات زوج، وأبكارًا يريد: عذارى.
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴿٦﴾ يَأَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿٧﴾ يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿٨﴾﴾ [التحريم: ٦-٨] .
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [التحريم: ٦] قال عطاء، عن ابن عباس: أي: بالانتهاء عما نهاكم الله عنه، والعمل بطاعته.
وأهليكم قال عمر: يا رسول الله، نقي أنفسنا، فكيف لنا بأهلينا؟ قال: «تنهونهم عما نهاكم الله عنه، وتأمرونهم بما أمركم الله به» .
قال مقاتل بن حيان: هو أن يؤدب الرجل المسلم نفسه وأهله، فيعلمهم الخير، وينهاهم عن الشر.
وذلك حق على المسلم أن يفعل بنفسه، وأهله، وعبيده وإمائه، في تأديبهم وتعليمهم، قال مقاتل بن سليمان: قوا أنفسكم، وأهليكم بالأدب الصالح النار في الآخرة.
وهو قوله: ﴿نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦] وقد سبق تفسيره، عليها ملائكة يعني: خزنة النار، غلاظ على أهل النار، شداد أقوياء، يدفع الواحد منهم بالدفعة الواحدة سبعين ألفًا في جهنم، وما بعد هذا ظاهر إلى قوله: ﴿تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم: ٨] يعني: ينصح صاحبها بترك العود إلى ما تاب منه، قال أبو زيد: توبة نصوح صادقة، يقال: نصحته.
أي: صدقته، وروى عكرمة، عن ابن عباس،
[ ٤ / ٣٢١ ]
قال: قال معاذ بن جبل: يا رسول الله، ما التوبة النصوح؟ قال: «أن يتوب التائب، ثم لا يرجع في ذنب، كما لا يعود اللبن إلى الضرع» .
وقال ابن مسعود: التوبة النصوح تكفر كل سيئة، وهو في القرآن.
ثم قرأ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [التحريم: ٨] .
وقوله: ﴿يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [التحريم: ٨] أي: لا يعذبهم الله بدخول النار، ﴿نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ [التحريم: ٨] مفسر في ﴿[الحديد،] يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ [سورة التحريم: ٨] إذا رأى المؤمنون نور المنافقين يطفأ، سألوا الله أن يتمم لهم نورهم، ويبلغهم به الجنة، قال ابن عباس: ليس أحد من الموحدين إلا يعطى نورًا يوم القيامة، فأما المنافق فيطفأ نوره، والمؤمن مشفق مما رأى من إطفاء نور المنافق.
فهو يقول: ﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التحريم: ٨] من إطفاء نور المنافقين، وإثبات نور المؤمنين.
﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴿٩﴾ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ ﴿١٠﴾﴾ [التحريم: ٩-١٠] .
﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [التحريم: ٩] مفسر في ﴿[براءة.
ثم خوف عائشة وحفصة في تظاهرهما على الرسول، وذكر أنهما إن عصتا ربهما، لم يغن محمد ﷺ عنهما شيئًا، وضرب لهما امرأة نوح، وامرأة لوط مثلًا، فقال:] ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ﴾ [سورة التحريم: ١٠] ثم ذكر حالهما، فقال: ﴿كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ﴾ [التحريم: ١٠] يعني: نوحا ولوطا، ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم: ١٠] قال ابن عباس: ما بغت امرأة نبي قط، إنما كانت خيانتهما في الدين: كانت امرأة نوح تخبر الناس أنه مجنون، وكانت امرأة لوط تدل على الأضياف: إذا نزل بلوط ضيف بالليل أوقدت النار، وإذا نزل بالنهار دخنت، ليعلم قومه أنه قد نزل به ضيف.
وقال الكلبي: أسرتا النفاق وأظهرتا الإيمان.
﴿فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [التحريم: ١٠] لم يدفعا عنهما عذاب الله أعلم الله تعالى، أن الأنبياء لا يغنون عمن عمل بالمعاصي شيئًا، فقطع الله تعالى بهذه الآية طمع من ركب المعصية، ورجا أن ينفعه صلاح غيره.
ثم أخبر أن معصية غيره لا تضره إذا كان مطيعًا، وهو قوله:
[ ٤ / ٣٢٢ ]
﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴿١١﴾ وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ ﴿١٢﴾﴾ [التحريم: ١١-١٢] .
﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾ [التحريم: ١١] وهي: آسية ابنة مزاحم، كانت قد آمنت بموسى، وسألت الله بيتًا في الجنة، فقالت: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ [التحريم: ١١] أي: حيث لا يتصرف فيه إلا بإذنك وهو الجنة، قال أبو هريرة: إن فرعون أوتد لامرأته بأوتاد في يديها ورجليها، فكانت إذا تفرقوا عنها، ظللتها الملائكة.
فقالت: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ [التحريم: ١١] فكشف الله لها بيتها في الجنة، حتى رأته قبل موتها، وقوله: ﴿وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ﴾ [التحريم: ١١] قال مقاتل: وعمله الشرك.
وروى أبو صالح، عن ابن عباس: ﴿وَعَمَلِهِ﴾ [التحريم: ١١] قال: جماعة: ﴿وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [التحريم: ١١] المشركين أهل دينه.
قال مقاتل: يقول الله تعالى لعائشة، وحفصة: لا تكونا بمنزلة امرأة نوح وامرأة لوط في المعصية، كونا بمنزلة امرأة فرعون ومريم.
وهو قوله: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ [التحريم: ١٢] وقد تقدم تفسيره، ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ﴾ [التحريم: ١٢] أي: في جنب درعها، وذلك: أن جبريل ﵇ مد جيب درعها بإصبعه، ثم نفخ في جيبها، فحبلت، والكناية من غير مذكور.
١٢١٧ - أَخْبَرَنَا بِالْإِسْنَادِ أَبُو طَاهِرٍ الزِّيَادِيُّ، أنا عَلِيُّ بْنُ حَمْشَادَ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ غَالِبِ بْنِ حَرْبٍ، نا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ النُّعْمَانِ، نا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، أَنَّهُ سَمِعَ مُرَّةَ الْهَمَذَانِيَّ يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ،
[ ٤ / ٣٢٣ ]
قَالَ: «كَمُلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إلا مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وَإِنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ»
﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا﴾ [التحريم: ١٢] يعني: الشرائع التي شرعها الله للعباد بكلماته المنزلة في كتبه، وهو قوله: وكتبه قال ابن عباس: يعني: التي أنزلت على إبراهيم، وموسى، وداود، وعيسى ﵈.
وقرئ: وكتابه والمراد به الكثرة أيضًا، ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢] قال قتادة: من القوم المطيعين لربهم.
وقال عطاء: من المصلين، كانت تصلي بين المغرب والعشاء.
ويجوز أن يريد بالقانتين رهطها وعشيرتها الذين كانت منهم مريم، وكانوا مطيعين لله، أهل بيت صلاح وطاعة.
[ ٤ / ٣٢٤ ]