عشرون وتسع آيات، مكية.
١٢٨٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْحِيرِيُّ، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَنْ قَرَأَ: «إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ أَعَاذَهُ اللَّهُ أَنْ يَفْضَحَهُ حِينَ تُنْشَرُ صَحِيفَتُهُ» .
١٢٨١ - أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُقْرِي، أنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَهْلٍ الْفَقِيهُ، أنا الْمُؤَمَّلُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عِيسَى، نا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ خَالِدٍ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَحِيرٍ الْقَاضِي، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ الصَّنْعَانِيَّ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَلْيَقْرَأْ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١] " رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُوسَى الْفَرَّاء، عَنْ هِشَامِ بْنِ يُوسُفَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَحِيرٍ.
بسم الله الرحمن الرحيم
[ ٤ / ٤٢٧ ]
﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ﴿١﴾ وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ ﴿٢﴾ وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ ﴿٣﴾ وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ ﴿٤﴾ وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ ﴿٥﴾ وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ ﴿٦﴾ وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ ﴿٧﴾ وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ ﴿٨﴾ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ﴿٩﴾ وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ ﴿١٠﴾ وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ ﴿١١﴾ وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ ﴿١٢﴾ وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ ﴿١٣﴾ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ ﴿١٤﴾﴾ [التكوير: ١-١٤] .
﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١] قال الزجاج: لفت كما تلف العمامة، يقال: كرت العمامة على رأسي، أكورها كورًا، وكورتها تكويرًا، إذا لففتها.
قال مقاتل، وقتادة، والكلبي: ذهب ضوءها.
وقال مجاهد: اضمحلت.
قال المفسرون: تجمع الشمس بعضها إلى بعض، ثم تلف، فيرمى بها.
قال ابن عباس: يكور الله الشمس، والقمر، والنجوم يوم القيامة في البحر، ثم يبعث عليها ريحًا، فتضربها فتصير نارًا.
﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ [التكوير: ٢] تهافتت، وتناثرت، وتساقطت، يقال: انكدر الطائر من الهواء.
إذا انقض، قال الكلبي، وعطاء: تمطر السماء يومئذ نجومًا، فلا يبقى نجم في السماء إلا وقع على الأرض.
وذلك أنها في قناديل معلقة بين السماء والأرض بسلاسل من النور، وتلك السلاسل بأيدي ملائكة، فإذا مات من في السموات ومن في الأرض، تساقطت تلك السلاسل من أيدي الملائكة، لأنه مات من كان يمسكها.
﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ﴾ [التكوير: ٣] عن وجه الأرض، فكانت هباء منبثًا.
وإذا العشار وهي النوق الحوامل إذا أتت عليها عشرة أشهر، وبعد الوضع تسمى عشارًا أيضًا، واحدها عشرًا، وهي أنفس مال عند العرب، وقوله: عطلت أي: تركت هملًا بلا راع، أهملها أهلها، لما جاءهم من أهوال يوم القيامة، وخوطبوا بأمر العشار، لأن أكثر عيشهم من الإبل.
وإذا الوحوش يعني: دواب البر، حشرت جمعت حتى يقتص بعضها من بعض، وقال ابن عباس: حشر البهائم موتها.
﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦] قال ابن عباس: أوقدت، فصارت نارا تضطرم.
وقال الفراء: ملئت بأن صارت بحرًا واحدًا، وكثر ماؤها.
وهو قول الكلبي.
[ ٤ / ٤٢٨ ]
﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: ٧]
١٢٨٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ التَّمِيمِيُّ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، نا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، نا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، نا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: سُئِلَ عُمَرُ ﵁ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: ٧] قَالَ: يُقْرَنُ بَيْنَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ بِقَرِينِهِ الصَّالِحِ فِي الْجَنَّةِ، وَيُقْرَنُ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُ السُّوءَ بِصَاحِبِهِ الَّذِي كَانَ يُعِينُهُ عَلَى ذَلِكَ فِي النَّارِ، فَذَلِكَ تَزْوِيجُ الْأَنْفُسِ، وَقَالَ عَطَاءٌ: زُوِّجَتْ نُفُوسُ الْمُؤْمِنِينَ بِالْحُورِ الْعِينِ، وَقُرِنَتْ نُفُوسُ الْكَافِرِينَ بِالشَّيَاطِينِ
قوله: وإذا الموءودة كانت العرب إذا ولدت لأحدهم بنت دفنها حية، مخافة العار، والحاجة، يقال: وأد يئد وأدا فهو وائد.
والمفعول به موءودًا.
١٢٨٣ - أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَرْوَزِيُّ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الْحُسَيْنِ أَخْبَرَهُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، أنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَكَمِ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْمَوْءُودَةُ هِيَ الْمَدْفُونَةُ، وَكَانَتْ الْمَرْأَةُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا هِيَ حَمَلَتْ وَكَانَ أَوَانُ وِلادَتِهَا حَفَرَتْ حَفِيرَةً، فَتَمَخَّضَتْ عَلَى رَأْسِ الْحَفِيرَةِ، فَإِنْ وَلَدَتْ جَارِيَةً رَمَتْ بِهَا فِي الْحَفِيرَةِ، وَإِنْ وَلَدَتْ غُلامًا حَبَسَتْهُ
وقوله: ﴿سُئِلَتْ ﴿٨﴾ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ﴿٩﴾﴾ [التكوير: ٨-٩] قال الفراء: سئلت الموءودة، فقيل لها: بأي ذنب قتلت؟ ثم يجوز قتلت، كما تقول: سألته: بأي ذنب قتل؟ وبأي ذنب قتلت؟ ومعنى سؤالها: توبيخ قاتلها، لأنها تقول: قتلت بغير ذنب.
١٢٨٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُطَّوِعِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ
[ ٤ / ٤٢٩ ]
بِشْرِ بْنِ الْعَبَّاسِ الْبَصْرِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّامِيُّ، نا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، نا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ يَزِيدَ الْجُعْفِيِّ، قَالَ: " جِئْتُ أَنَا وَأَخِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمَّنَا هَلَكَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَتْ تَقْرِي الضَّيْفَ وَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَفْعَلُ، وَتَفْعَلُ، فَهَلْ ذَلِكَ نَافِعٌ أُمَّنَا؟ قَالَ: لا، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهَا وَارَتْ أُخْتًا لَنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَمْ تَبْلُغْ الْحِنْثَ، فَهَلْ ذَلِكَ نَافِعٌ أُمَّنَا؟ فَقَالَ: لا، الْوَائِدُ وَالْمَوْءُودَةُ فِي النَّارِ إِلا أَنْ تُدْرِكَ الْوَائِدَةُ الْإِسْلامَ فَيُغْفَرُ لَهَا ".
قوله: وإذا الصحف يعني: صحائف أعمال بني آدم، نشرت للحساب.
﴿وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ﴾ [التكوير: ١١] قال الفراء: نزعت وطويت.
وقال الزجاج: قلعت كما يقلع السقف.
وقال مقاتل: يكشف عمن فيها.
ومعنى الكشط دفعك شيئًا عن شيء قد غطاه، كما يكشط الجلد عن السنام.
﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾ [التكوير: ١٢] أوقدت لأعداء الله من الكفار.
﴿وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾ [التكوير: ١٣] قربت لأولياء الله من المتقين.
وجواب هذه الأشياء، قوله: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٤] أي: إذا كانت هذه الأشياء التي تكون في القيامة علمت في ذلك الوقت كل نفس ما أحضرته من خير، أو شر تجزى به.
ثم أقسم، فقال: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ ﴿١٥﴾ الْجَوَارِ الْكُنَّسِ ﴿١٦﴾ وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ ﴿١٧﴾ وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ ﴿١٨﴾ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ﴿١٩﴾ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ ﴿٢٠﴾ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ ﴿٢١﴾ وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ ﴿٢٢﴾ وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ ﴿٢٣﴾ وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ ﴿٢٤﴾ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ ﴿٢٥﴾ فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ ﴿٢٦﴾ إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ ﴿٢٧﴾ لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ ﴿٢٨﴾ وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴿٢٩﴾﴾ [التكوير: ١٥-٢٩] .
فلا أقسم ولا زائدة، معناه: فأقسم، ﴿بِالْخُنَّسِ ﴿١٥﴾ الْجَوَارِ الْكُنَّسِ ﴿١٦﴾﴾ [التكوير: ١٥-١٦] يعني: النجوم وهي تخنس بالنار فتخفى ولا ترى، وتكتس في وقت غروبها، فهذا وقت خنوسها وكنوسها.
﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ [التكوير: ١٧] أدير وذهب، وقال الحسن: أقبل بظلامه.
[ ٤ / ٤٣٠ ]
قال أهل اللغة: هو من الأضداد، يقال: عسعس الليل إذا أقبل، وعسعس إذا أدبر.
ويدل على أن المراد ههنا أدبر، قوله: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ [التكوير: ١٨] أي: امتد ضوءه حتى يصير نهارًا.
ثم ذكر جواب القسم، فقال: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [التكوير: ١٩] يعني: جبريل، يقول: إن القرآن نزل به جبريل، فأخبر به محمدًا ﷺ عن الله تعالى وقد تقدم هذا.
ثم وصف جبريل، فقال: ﴿ذِي قُوَّةٍ﴾ [التكوير: ٢٠] أي: فيها كلف وأمر به، ﴿عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير: ٢٠] يعني: في المنزلة، يقال: مكن فلان عند فلان تمكن مكانه.
﴿مُطَاعٍ ثَمَّ﴾ [التكوير: ٢١] أي: في السموات تطيعه الملائكة، قال المفسرون: من طاعة الملائكة لجبريل، أنه أمر خازن الجنة ليلة المعراج بمحمد، حتى فتح لمحمد ﷺ أبوابها فدخلها، ورأى ما فيها، وأمر خازن جهنم ففتح له عنها، حتى نظر إليها.
فذلك قوله: ﴿مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير: ٢١] أي: على وحي الله، ورسالته إلى أنبيائه.
١٢٨٥ - أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ التَّاجِرُ فِيمَا أَجَازَ لِي، أنا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ الْوَاعِظُ، نا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الدَّقَّاقُ، نا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عِيسَى، نا الْمُسَيِّبُ بْنُ شَرِيكٍ، نا بُرَيْدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِجِبْرِيلَ: مَا أَحْسَنَ مَا أَثْنَى عَلَيْكَ رَبُّكَ ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ ﴿٢٠﴾ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ ﴿٢١﴾﴾ [التكوير: ٢٠-٢١] فَمَا كَانَتْ قُوَّتُكَ؟ وَمَا كَانَتْ أَمَانَتُكَ؟ قَالَ: أَمَّا قُوَّتِي، فَإِنِّي بُعِثْتُ إِلَى مَدَائِنِ لُوطٍ وَهِيَ أَرْبَعُ مَدَائِنَ وَفِي كُلِّ مَدِينَةٍ أَرْبَعُ مِائَةِ أَلْفِ مُقَاتِلٍ سِوَى الذَّرَارِيَّ، فَحَمَلْتُهُمْ مِنَ الْأَرْضِ السُّفْلَى حَتَّى سَمِعَ أَهْلُ السَّمَاءِ أَصْوَاتَ الدَّجَاجِ وَنُبَاحَ الْكِلابِ، ثُمَّ هَوَيْتُ بِهِنَّ فَقَلَبْتُهُنَّ، وَأَمَا أَمَانَتِي فَإِنِّي لَمْ أُومَرْ بِشَيْءٍ فَعَدَوْتُهُ إِلَى غَيْرِهِ
قوله: وما صاحبكم يعني: محمدا ﷺ، بمجنون والخطاب لأهل مكة، وهذا أيضًا من جواب القسم، أقسم الله أن القرآن نزل به جبريل، وأن محمدًا ليس كما يقول أهل مكة، وذلك أنهم قالوا: إن محمدًا مجنون، وهذا الذي أتى به يتقوله من نفسه.
ولقد رآه رأى محمد جبريل، بالأفق المبين حيث تطلع الشمس، وهذا مفسر في ﴿[النجم.
ثم أخبر أنه ليس بمتهم فيما يأتي به من القرآن، فقال:] وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ﴾ [سورة التكوير: ٢٤] يعني: على خبر السماء، وما أطلع عليه مما كان غائبًا علمه عن أهل مكة من الأنباء، والقصص، مما لم يعرفوه، بظنين بمتهم، يقول: ما محمد على القرآن بمتهم.
أي: هو
[ ٤ / ٤٣١ ]
ثقة فيما يؤدي عن الله، ومن قرأ بالضاد فمعناه ببخيل، أي: أنه يخبر بالغيب فيبينه ولا يكتمه، كما يكتم الكاهن حتى يأخذ عليه حلوانًا.
ثم ذكر أنه ليس من تعليم الشيطان، فقال: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ [التكوير: ٢٥] قال الكلبي: يقول: إن القرآن ليس بشعر، ولا كهانة، كما قالت قريش.
ثم بكتهم بقوله: فأين تذهبون قال الزجاج: معناه: أي طريق تسلكون أبين من هذه الطريقة التي قد بينت لكم؟ ثم بين أن القرآن ما هو، فقال: ﴿إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٧] يقول: ما القرآن إلا موعظة للخلق أجمعين.
﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير: ٢٨] على الحق والإيمان، والمعنى: أن القرآن إنما يتعظ به من استقام على حق.
ثم رد المشيئة إلى نفسه، فقال: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩] أعلمهم أن المشيئة في التوفيق إليه، وأنهم لا يقدرون على ذلك إلا بمشيئة الله وتوفيقه، وهذا إعلام بأن الإنسان لا يعمل خيرًا إلا بتوفيق الله، ولا شرًا إلا بخذلانه.
أخبرنا أبو بكر التميمي، أنا أبو الشيخ الحافظ، نا أبو يحيى، نا العسكري، نا عبد الله بن المبارك، عن سعيد بن عبد العزيز، عن سليمان بن موسى، قال: لما نزلت: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير: ٢٨]، قال أبو جهل: الأمر إلينا، إن شئنا استقمنا، وإن شئنا لم نستقم.
فأنزل الله ﷿: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩] .
[ ٤ / ٤٣٢ ]