عشرون وثمان آيات، مكية.
١٢٤٤ - أَخْبَرَنَا ابْنُ الزَّعْفَرَانِيِّ، أنا السَّخْتِيَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْجِنِّ أُعْطِيَ بِعَدَدِ كُلِّ جِنِّيٍّ وَشَيْطَانٍ صَدَّقَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وَكَذَّبَ بِهِ عِتْقُ رَقَبَةٍ» .
بسم الله الرحمن الرحيم ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانًا عَجَبًا ﴿١﴾ يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا ﴿٢﴾ وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَدًا ﴿٣﴾ وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا ﴿٤﴾ وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ﴿٥﴾ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا ﴿٦﴾ وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا ﴿٧﴾﴾ [الجن: ١-٧] .
﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ﴾ [الجن: ١] الآية.
١٢٤٥ - أَخْبَرَنَا مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْبَزَّارُ، أنا أَبُو عُمَروَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْحِيرِيُّ، أنا أَبُو يَعْلَى، نا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخٍ، نا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: مَا قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْجِنِّ وَمَا رَآهُمُ، انْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ، وَقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّيَاطِينِ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، فَرَجَعَتِ الشَّيَاطِينُ إِلَى قَوْمِهِمْ، فَقَالُوا: مَا لَكُمْ؟ قَالُوا: قَدْ حِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ وَأُرْسِلَتْ عَلَيْنَا الشُّهُبُ، قَالُوا: مَا ذَاكَ إِلا لِشَيْءٍ حَدَثَ، فَاضْرِبُوا مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا، فَمَرَّ النَّفَرُ الَّذِينَ أَخَذُوا
[ ٤ / ٣٦١ ]
نَحْوَ تِهَامَةَ، بِالنَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ بِنَخْلٍ عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ وَهُوَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ صَلاةَ الْفَجْرِ، فَلَمَّا سَمِعُوا الْقُرْآنَ اسْتَمَعُوا لَهُ وَقَالُوا: هَذَا الَّذِي حَالَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، فَرَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ، وَقَالُوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾، فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى نَبِيِّهِ ﵇ ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الجن: ١] .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ شَيْبَانَ، كِلاهُمَا عَنْ أَبِي عَوَانَةَ.
١٢٤٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عُمَرَ الْخَشَّابُ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الزَّاهِدُ، أنا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى بْنِ مُجَاشِعٍ، نا هُدْبَةُ، نا وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ، نا دَاوُدُ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ: مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لَيْلَةَ الْجِنِّ؟ فَقَالَ: مَا كَانَ مِنَّا مَعَهُ أَحَدٌ، فَقَدْنَاهُ ذَاتَ لَيْلَةٍ وَنَحْنُ بِمَكَّةَ، فَقُلْنَا: اغْتِيلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَوِ اسْتُطِيرَ، فَانْطَلَقْنَا نَطْلُبُهُ فِي الشِّعَابِ فَلَقِينَاهُ مُقْبِلًا مِنْ نَحْوِ حِرَاءَ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيْنَ كُنْتَ؟ لَقَدْ أَشْفَقْنَا عَلَيْكَ، وَقُلْنَا: بِتْنَا اللَّيْلَةَ بِشَرِّ لَيْلَةٍ بَاتَ بِهَا قَوْمٌ حِينَ فَقَدْنَاكَ، فَقَالَ: إِنَّهُ أَتَانِي دَاعِي الْجِنِّ، فَذَهَبْتُ أُقْرِئُهُمُ الْقُرْآنَ، فَذَهَبَ بِنَا فَأَرَانَا آثَارَهُمْ وَآثَارَ نِيرَانِهِمْ، فَأَمَّا أَنْ يَكُونَ صَحِبَهُ مِنَّا أَحَدٌ فَلَمْ يَصْحَبْهُ
١٢٤٧ - قَالَ الشَّعْبِيُّ: فَسَأَلُوهُ الزَّادَ، فَقَالَ: كُلُّ عَظْمٍ ذُكِرَ عَلَيْهِ اسْمُ اللَّهِ، يَأْخُذُونَهُ يَقَعُ فِي أَيْدِيكُمْ
[ ٤ / ٣٦٢ ]
أَوْفَرَ مَا كَانَ لَحْمًا، وَكُلُّ بَعْرَةٍ عَلَفٌ لِدَوَابِّكُمْ، فَقَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ: «لا تَسْتَنْجُوا بِالْعِظَامِ وَلا بِالْبَعْرِ، فَإِنَّهُ زَادُ إِخْوَانِكُمْ مِنَ الْجِنِّ» قَالَ دَاوُدُ: وَلا أَدْرِي هَذَا فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ إِلا ذِكْرَ الزَّادِ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُجْرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ عُلَيَّة، عَنْ دَاوُد
ومعنى قوله: قرآنا عجبًا قال ابن عباس: بليغًا.
والمعنى: قرآنا ذا عجب، يعجب منه لبلاغته.
﴿يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾ [الجن: ٢] يدعو إلى الصواب من التوحيد والإيمان، فآمنا به بذلك القرآن، ولن نشرك لن نعدل، بربنا أحدًا يعنون: إبليس، أي: لا نطيعه في الشرك بالله.
قوله: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾ [الجن: ٣] الاختيار كسر إن، لأنه من قول الجن لقومهم، فهو معطوف على قوله: ﴿فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانًا﴾ [الجن: ١]، وقالوا: وإنه تعالى جد ربنا، وأما من فتح، فقال الفراء: رد أن في كل ال ﴿[على قوله:] فَآمَنَّا بِهِ﴾ [سورة الجن: ٢] وآمنا بكل ذلك، ففتح أنه: لوقوع الإيمان عليه، ومعنى: جد ربنا جلال ربنا، وعظمته، يقال: جد فلان.
أي: عظم، ومنه الحديث: " كان الرجل إذا قرأ البقرة جد فينا، أي: عظم قدره "، قال الزجاج: تعالى جلال ربنا، وعظمته عن أن يتخذ صاحبة، أو ولدًا.
وهو قوله: ﴿مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَدًا﴾ [الجن: ٣] .
﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا﴾ [الجن: ٤] يعني: الكفار والمشركين منهم، وقال مجاهد، وقتادة: هو إبليس.
﴿عَلَى اللَّهِ شَطَطًا﴾ [الجن: ٤] كذبًا، وجورًا، وهو وصفه بالشرك والولد.
وأنا ظننا قالت الجن: إنا ظننا أن الإنس والجن كانوا لا يكذبون على الله، بأن له شريكًا، وصاحبة، وولدًا.
أي: كنا نظنهم صادقين حتى سمعنا القرآن.
قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الجن: ٦] وهو أن الرجل في الجاهلية كان إذا سافر، فأمسى في قفر
[ ٤ / ٣٦٣ ]
من الأرض، قال: أعوذ بسيد هذا الوادي، من شر سفهاء قومه.
فيبيت في جوار منهم حتى يصبح.
١٢٤٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّاهِدُ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْهَيْثَمِ، نا فَرْوَةُ بْنُ أَبِي المفر، أنا الْقَاسِمُ بْنُ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ كَرْدَمِ بْنِ أَبِي السَّائِبِ الأَنْصَارِيِّ ﵁، قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ أَبِي إِلَى الْمَدِينَةِ، وَذَلِكَ أَوَّلُ مَا ذُكِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ، وَآوَانَا الْمَبِيتُ إِلَى صَاحِبِ غَنَمٍ، فَلَمَّا انْتَصَفَ اللَّيْلُ جَاءَ ذِئْبٌ، فَأَخَذَ حَمَلًا مِنَ الْغَنَمِ، فَوَثَبَ الرَّاعِي فَنَادَى: يَا عَامِرَ الْوَادِي جَارَكَ، فَنَادَى مُنَادٍ لا نَرَاهُ: يَا سَرْحَانُ أَرْسِلْهُ، فَإِذَا الْحَمَلُ يَشْتَدُّ حَتَّى دَخَلَ الْغَنَمَ لَمْ تُصِبْهُ كَدْمَةٌ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى رَسُولِهِ ﷺ ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: ٦] يَعْنِي
[ ٤ / ٣٦٤ ]
سَفَهًا وَطُغْيَانًا وَظُلْمًا وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَزْدَادُونَ بِهَذَا التَّعَوُّذِ طُغْيَانًا
يقولون: سدنا الجن والإنس.
وأنهم ظنوا يقول الله تعالى: ظن الجن، كما ظننتم أيها الإنس المشركون، أنه لا بعث يوم القيامة.
أي: كانوا لا يؤمنوا بالبعث، كما أنكم لا تؤمنون به.
وقالت الجن: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا ﴿٨﴾ وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا ﴿٩﴾ وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا ﴿١٠﴾﴾ [الجن: ٨-١٠] .
﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ﴾ [الجن: ٨] قال الكلبي: أتينا السماء.
﴿فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا﴾ [الجن: ٨] وهم: الملائكة الذي يحرسون السماء من استراق السمع، وشهبًا وهي: النار التي ترجم بها الشياطين، كقوله: ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠] .
﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا﴾ [الجن: ٩] من السماء، مقاعد للسمع أي: كنا نستمع، والآن حين حاولنا الاستماع رمينا بالشهب، وهو قوله: ﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ [الجن: ٩] أرصد له ليرمى به، قال معمر: قلت للزهري: أكان يرمى بالنجوم في الجاهلية؟ قال: نعم.
قلت: أقرأت قوله: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا﴾ [الجن: ٩] الآية.
قال: غلظت، وشدد أمرها حين بعث محمد ﷺ.
وقال ابن قتيبة: إن الرجم قد كان قبل مبعثه، ولكنه لم يكن مثله في شدة الحراسة بعد مبعثه.
وكانوا يسترقون في بعض الأحوال، فلما بعث، منعوا من ذلك أصلًا.
ثم قالوا: ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [الجن: ١٠] أي: بحدوث الرجم بالكواكب، وحراسة السماء، أم صلاح وهو قوله: ﴿أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن: ١٠] .
ثم أخبروا عن أحوالهم، فقالوا: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا ﴿١١﴾ وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا ﴿١٢﴾ وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخَافُ بَخْسًا وَلا رَهَقًا ﴿١٣﴾ وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا ﴿١٤﴾ وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا ﴿١٥﴾
[ ٤ / ٣٦٥ ]
وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا ﴿١٦﴾ لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا ﴿١٧﴾﴾ [الجن: ١١-١٧] .
﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ﴾ [الجن: ١١] المؤمنون، المخلصون، ﴿وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الجن: ١١] دون الصالحين، ﴿كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ [الجن: ١١] جماعات متفرقين، وأصنافًا مختلفة، والقدة: القطعة من الشيء، وصار القوم قددًا إذا تفرقت حالاتهم، قال مجاهد: يعنون: مسلمين وكافرين.
وقال الحسن: الجن أمثالكم، فمنهم قدرية، ومنهم مرجئة، ورافضة، وشيعة.
وأنا ظننا علمنا وأيقنا، ﴿أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الأَرْضِ﴾ [الجن: ١٢] لن نفوته إذا أراد بنا أمرًا، ﴿وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾ [الجن: ١٢] أي: أنه يدركنا حيث كنا.
﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى﴾ [الجن: ١٣] القرآن، وما أتى به محمد ﷺ، آمنا به صدقنا أنه من عند الله، ﴿فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخَافُ بَخْسًا﴾ [الجن: ١٣] نقصانًا من عمله وثوابه، ولا رهقًا ولا مكروهًا يغشاه.
﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ﴾ [الجن: ١٤] وهم الذين آمنوا بالنبي ﷺ، ومنا القاسطون الجائرون الظالمون، قال ابن عباس: هم الذين جعلوا لله ندًا.
﴿فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ [الجن: ١٤] قصدوا طريق الحق، وقال الفراء: أموا الهدى.
وأما القاسطون الذين عدلوا، وكفروا بربهم، ﴿فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: ١٥] وكانوا وقودًا للنار في الآخرة.
ثم رجع إلى كفار مكة، فقال: وأن لو استقاموا على الطريقة.
لو آمنوا، واستقاموا على الهدى، ﴿لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ [الجن: ١٦] كثيرًا، قال مقاتل: ماء كثيرًا من السماء، وذلك بعد ما رفع عنهم المطر سبع سنين.
وقال ابن قتيبة: لو آمنوا
[ ٤ / ٣٦٦ ]
جميعًا لوسعنا عليهم في الدنيا.
وضرب الماء الغدق مثلًا، لأن الخير كله والرزق بالمطر يكون، وهذا كقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ [الأعراف: ٩٦] الآية، وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ﴾ [المائدة: ٦٦] الآية.
لنفتنهم فيه لنختبرهم، فنعلم كيف شكرهم، ﴿وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ﴾ [الجن: ١٧] يعني: القرآن، نسلكه ندخله، عذابًا صعدًا شاقًا، والمعنى: ذا صعد، أي: ذا مشقة.
قوله: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ﴿١٨﴾ وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ﴿١٩﴾ قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا ﴿٢٠﴾ قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا ﴿٢١﴾ قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا ﴿٢٢﴾ إِلا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ﴿٢٣﴾ حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا ﴿٢٤﴾﴾ [الجن: ١٨-٢٤] .
﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ [الجن: ١٨] يعني: المواضع التي بنيت للصلاة وذكر الله، ﴿فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] قال قتادة: كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبيعهم، أشركوا بالله، فأمر الله أن يخلص المسلمون له الدعوة إذا دخلوا مساجدهم.
وقال سعيد بن جبير: المساجد الأعضاء التي يسجد عليها العبد.
وهذا القول اختيار ابن الأنباري، قال: يقول: هذه الأعضاء التي يقع السجود عليها مخلوقة لله، فلا يسجدوا عليها لغيره.
وقال الحسن: أراد البقاع كلها.
يعني: أن الأرض كلها مواضع للسجود، وجعلت مسجدًا لهذه الأمة،
[ ٤ / ٣٦٧ ]
يقول: الأرض كلها مخلوقة لله، فلا يسجدوا عليها لغير خالقها.
وقوله: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ [الجن: ١٩] يعني: النبي ﷺ في قول الجميع، وذلك حين كان يصلي ببطن نخلة، ويقرأ القرآن، يدعوه أي: يعبده، ﴿كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن: ١٩] كادوا يركبونه حرصًا على القرآن، وحبًا لاستماعه، قال الزجاج: ومعنى لبدًا: يركب بعضهم بعضًا.
ومن هذا اشتقاق هذه اللبود التي تفرش، ومن قرأ: لبدًا بضم اللام، فهو بمعنى: الكثير، من قوله تعالى: ﴿أَهْلَكْتُ مَالا لُبَدًا﴾ [البلد: ٦]، وإنما قيل للكثير لبدا لركوب بعضه بعضًا.
﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي﴾ [الجن: ٢٠] قال مقاتل: إن كفار مكة، قالوا للنبي ﷺ: إنك جئت بأمر عظيم لم نسمع بمثله، فارجع عنه.
فأنزل الله ﷿: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي﴾ [الجن: ٢٠] ومن قرأ قال حمل هذا على أن النبي ﷺ أجابهم بهذا، فقال: ﴿إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا ﴿٢٠﴾ قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا﴾ [الجن: ٢٠-٢١] لا أقدر أن أدفع عنكم ضرًا، ولا أسوق إليكم رشدًا، أي: خيرًا، يعني: أن الله يملك ذلك لا أنا.
﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ﴾ [الجن: ٢٢] إن عصيته لم يمنعني منه أحد، وذلك أنهم قالوا: اترك ما تدعو إليه، ونحن نجيرك.
﴿وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ [الجن: ٢٢] ملجأ وحرزًا، والملتحد معناه في اللغة: فمال، والمعنى: موضعًا أميل إليه في الالتجاء.
﴿إِلا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ﴾ [الجن: ٢٣] أي: لا ينجيني إلا أن أبلغ عن الله ما أرسلت به، قال مقاتل: ذلك الذي يجيرني من عذابه.
يعني: التبليغ، ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الجن: ٢٣] في التوحيد، فلم يؤمن، ﴿فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ﴿٢٣﴾ حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ﴾ [الجن: ٢٣-٢٤] يعني: من العذاب
[ ٤ / ٣٦٨ ]
يوم القيامة، فسيعلمون عند نزول العذاب، ﴿مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا﴾ [الجن: ٢٤] أهم أم المؤمنين؟ وأقل عددًا يعني: جندا وناصرًا.
فلما سمعوا هذا، قال النضر بن الحارث: متى هذا الوعد الذي يوعدنا؟ فأنزل الله ﷿: ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا ﴿٢٥﴾ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا ﴿٢٦﴾ إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا ﴿٢٧﴾ لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا ﴿٢٨﴾﴾ [الجن: ٢٥-٢٨] .
﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي﴾ [الجن: ٢٥] ما أدري، ﴿أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ﴾ [الجن: ٢٥] من العذاب، ﴿أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا﴾ [الجن: ٢٥] غاية وبعدًا، قال عطاء: يريد: أنه لا يعرف يوم القيامة إلا الله وحده.
والمعنى: أن علم وقت ذلك العذاب غيب، ولا يعلمه إلا الله، وهو قوله: عالم الغيب أي: ما غاب عن العباد، فلا يظهر فلا يطلع، علي غيبه على الغيب الذي يعلمه، أحدًا من الناس.
ثم استثنى، فقال: ﴿إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٧] يعني: الرسل، لأنه يستدل على نبوتهم بالآية المعجزة بأن يخبروا بالغيب، والمعنى: أن من ارتضاه للرسالة والنبوة، فإنه يطلعه على ما شاء من غيبه، وفي هذا دليل على أن من النجوم ما يدله على ما يكون من حادث، فقد كفر بما في القرآن، ثم ذكر أنه يحفظ ذلك الذي يطلع عليه الرسول، ﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ [الجن: ٢٧] أي: يجعل بين يديه وخلفه مرصدًا من الملائكة، يحوطون الوحي من أن يسترقه الشياطين، فيلقوه إلى الكهنة، والرصد من الملائكة يدفعون الجن من أن يستمع ما ينزل من الوحي.
ليعلم محمد،
[ ٤ / ٣٦٩ ]
﴿أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ﴾ [الجن: ٢٨] أن الرسل قبله قد أبلغوا الرسالة، كما بلغ هو، إذ كانوا محروسين من الشيطان، ﴿وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ﴾ [الجن: ٢٨] علم الله ما عند الرسل، فلم يخف عليه شيء، ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٨] قال ابن عباس: أحصى ما خلق، وعرف عدد ما خلق، لم يفته علم شيء حتى مثاقيل الذر، والخردل.
[ ٤ / ٣٧٠ ]