اثنتان وخمسون آية، مكية.
١٢٣٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ الْحِيرِيُّ الزَّاهِدُ، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْحَاقَّةِ حَاسَبَهُ اللَّهُ حِسَابًا يَسِيرًا»
بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الْحَاقَّةُ ﴿١﴾ مَا الْحَاقَّةُ ﴿٢﴾ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ ﴿٣﴾ كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ ﴿٤﴾ فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ ﴿٥﴾ وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ ﴿٦﴾ سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ﴿٧﴾ فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ ﴿٨﴾ وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ ﴿٩﴾ فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً ﴿١٠﴾ إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ ﴿١١﴾ لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ﴿١٢﴾﴾ [الحاقة: ١-١٢] .
الحاقة يعني: القيامة في قول جميع المفسرين، وسميت بذلك لأنها ذات الحواق من الأمور، وهي الصادقة الواجبة الصدق، وجميع أحكام القيامة صادقة واجبة الوقوع والوجود.
وقوله: ما الحاقة استفهام، معناه التفخيم لشأنها، كما تقول: زيد ما هو؟ على التعظيم لشأنه.
ثم زاد في التهويل، فقال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة: ٣] أي: كأنك لست تعلمها، إذ لم تعاينها، ولم تر ما فيها من الأهوال.
ثم أخبر عن المكذبين بها، فقال: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ﴾ [الحاقة: ٤] وهي التي تقرع قلوب العباد بالمخافة.
﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ [الحاقة: ٥] يعني: بطغيانهم وكفرهم، وهو قول ابن عباس، ومجاهد،
[ ٤ / ٣٤٣ ]
وقال آخرون: يعني: بالصيحة الطاغية، وهي التي جاوزت المقدار.
﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ [الحاقة: ٦] وقد سبق تفسيرها، عاتية عتت على خزانها، فلم يكن لهم عليها سبيل، ولم يعرفوا كم خرج منها.
أخبرنا الحسن بن محمد الفارسي، أنا محمد بن عبد الله بن الفضل التاجر، أنا أحمد بن محمد بن الحسن الحافظ، نا محمد بن يحيى، نا سعيد بن أبي مريم، حدثني عقيل، عن ابن شهاب، عن قبيصة بن ذؤيب، أنه قال: ما يخرج من الريح شيء إلا عليها خُزَّان يعلمون قدرها، وعددها، وكيلها، حتى كانت التي أرسلت على عاد، فاندفق منها شيء لا يعلمون قدره غضبًا لله تعالى، ولذلك سميت عاتية.
وقوله: سخرها عليهم قال مقاتل: سلطها.
وقال الزجاج: أقامها عليهم كما شاء.
﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة: ٧] ولاء متتابعة، يعني: أن هذه الأيام والليالي تتابعت عليهم بالريح المهلكة، فلم يكن فيها فتور، ولا انقطاع.
قال الفراء: والحسوم التتابع إذا تتابع الشيء ولم ينقطع أوله عن آخره، قيل له: حسوم، وقال الزجاج: الذي توجبه اللغة في معنى حسومًا أي: تحسمهم حسومًا تفنيهم وتذهبهم.
وهذا معنى قول النضر بن شميل: حسمتهم فقطعتهم، وأهلكتهم.
﴿فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا﴾ [الحاقة: ٧] أي: في تلك الليالي والأيام، ﴿صَرْعَى﴾ [الحاقة: ٧] جمع صريع، يعني: أنهم صرعوا بموتهم، ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧] أصول نخل ساقطة، وهذا كقوله: ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠] وقد مر.
﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٨] أي: من نفس باقية، يعني: لم يبق منهم أحد.
﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ﴾ [الحاقة: ٩] من الأمم الكافرة، وقرئ ومن قِبَلَهُ يعني: من يليه، ويحف به من جنوده وأتباعه، ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتُ﴾ [الحاقة: ٩] يعني: قرى قوم لوط، ويكون المعنى: وأهل المؤتفكات، ويجوز أن يريد: الأمم والجماعات الذين ائتفكوا بخطيئتهم، وقوله: ﴿بِالْخَاطِئَةِ﴾ [الحاقة: ٩] يعني: الشرك والكفر، وهي: مصدر كالخطأ والخطيئة.
﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾ [الحاقة: ١٠] يعني: لوطًا، وموسى، ﴿فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً﴾ [الحاقة: ١٠] نامية، زائدة على
[ ٤ / ٣٤٤ ]
عذاب الأمم، قال الزجاج: تزيد على الأخذات.
وقال صاحب النظم: بالغة في الشدة، يقال: ربا الشيء يربو إذا زاد وتضاعف.
قوله: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾ [الحاقة: ١١] أي: تجاوز حده حتى علا كل شيء، وارتفع فوقه، يعني: زمن نوح، ﴿حَمَلْنَاكُمْ﴾ [الحاقة: ١١] حملنا آباءكم، وأنتم في أصلابهم، ﴿فِي الْجَارِيَةِ﴾ [الحاقة: ١١] في السفينة، التي تجري في الماء.
لنجعلها لنجعل تلك الفعلة التي فعلناها، من إغراق قوم نوح، ونجاة من حملناه، تذكرة لكم عبرة، وموعظة، ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٢] تحفظها، وتسمعها أذن حافظة لما جاء من عند الله.
قال قتادة: أذن وسمعت، وعقلت ما سمعت.
وقال الفراء: لتحفظها كل أذن، فتكون عظة لمن يأتي بعد.
قوله: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ ﴿١٣﴾ وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً ﴿١٤﴾ فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ ﴿١٥﴾ وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ ﴿١٦﴾ وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ ﴿١٧﴾ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ ﴿١٨﴾﴾ [الحاقة: ١٣-١٨] .
﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [الحاقة: ١٣] قال عطاء: يريد النفخة الأولى.
وقال الكلبي، ومقاتل: يريد النفخة الأخيرة.
﴿وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ﴾ [الحاقة: ١٤] رفعت من أماكنها، ﴿فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ [الحاقة: ١٤] كسرتا كسرة واحدة لا تثنى، حتى يستوي ما عليها من شيء مثل الأديم الممدود.
﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ [الحاقة: ١٥] قامت القيامة.
﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ﴾ [الحاقة: ١٦] لنزول من فيها من الملائكة، ﴿فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٦] قال الزجاج: يقال لكل ما ضعف جدًا: قد وهي فهو واه.
وقال الفراء: وَهْيُهَا تشققها.
﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ [الحاقة: ١٧] أطرافها ونواحيها، واحدها: رجى، مقصور، وتثنيته: رجوان، مثل: قفا وقفوان، قال الضحاك: إذا كان يوم القيامة، أمر الله السماء الدنيا فتشققت، وتكون الملائكة على حافاتها، حتى يأمرهم الرب فينزلون إلى الأرض، فيحيطون بالأرض ومن عليها.
﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ﴾ [الحاقة: ١٧] فوق رءوسهم، يعني: الحملة، يومئذ يعني: يوم القيامة، ثمانية ثمانية أملاك، على صورة الأوعال، بين أظلافهم إلى ركبهم كما بين سماء إلى سماء،
[ ٤ / ٣٤٥ ]
ويقال: ثمانية صفوف من الملائكة.
يومئذ تعرضون على الله لحسابكم، لا تخفى على الله، منكم خافية أي: نفس خافية، أو فعلة خافية، قال الكلبي: لا يخفى على الله من أعمالكم شيء.
١٢٣٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَخْلَدِيُّ، نا أَبُو الْفَضْلِ أَحْمَدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَازِمٍ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الْبَلْخِيُّ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، نا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الْحَجَّاجِ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: زِنُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُوزَنُوا وَحَاسِبُوهَا قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا، فَإِنَّهُ أَهْوَنُ عَلَيْكُمْ غَدًا وَتَزَيَّنُوا لِلْعَرْضِ الْأَكْبَرِ، وَذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٨] .
وقال أبو موسى الأشعري: يعرض الناس ثلاث عرضات، فأما عرضتان: فجدال، ومعاذير، وأما الثالثة: فعندما تتطاير الصحف، فآخِد كتابه بيمينه، وآخذ بشماله.
وذلك قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ ﴿١٩﴾ إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ ﴿٢٠﴾ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ ﴿٢١﴾ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ ﴿٢٢﴾ قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ ﴿٢٣﴾ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ ﴿٢٤﴾﴾ [الحاقة: ١٩-٢٤] .
﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩] فيقول: تعالوا اقرءوا حسابيه.
وأهل اللغة يقولون: في تفسير ﴿هَاؤُمُ﴾ [الحاقة: ١٩]: خذوا.
قال ابن السكيت: يقال: هاء يا رجل، هاؤما يا رجلان، وهاؤم يا رجال.
إني ظننت علمت، وأيقنت في الدنيا، ﴿أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٠] أي: حسابي في الآخرة.
﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] حالة من العيش، ﴿رَاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] يرضاها، بأن لقي الثواب، وآمن العقاب.
﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢٢] المنازل.
﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ٢٣] ثمارها قريبة ممن يتناولها، وهي جمع قطف، وهو ما يقطف من الثمار.
١٢٣٤ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدُّرَّكِيُّ، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، أنا أَبُو خَلِيفَةَ، أنا أَبُو الْوَلِيدِ، نا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ،
[ ٤ / ٣٤٦ ]
قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ، يَقُولُ فِي هَذِهِ الآيَةِ ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ٢٣]: يَتَنَاوَلُ الرَّجُلُ مِنَ الثَّمَرَةِ وَهُوَ نَائِمٌ.
أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْوَاعِظُ، أنا بِشْرُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنِي أَبِي أَحْمَدُ بْنُ بِشْرٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَسْعُودٍ البدشي، قَالا: نا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ سَلْمَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَحَدُكُمْ إِلا بِجَوَازِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَذَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ لِفُلانِ بْنِ فُلانٍ أَدْخِلُوهُ جَنَّةً عَالِيَةً، قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ» قوله: كلوا واشربوا، أي: ويقال لهم: كلوا وشربوا في الجنة، ﴿هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ﴾ [الحاقة: ٢٤] قدمتم من أعمالكم الصالحة، ﴿فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤] الماضية، يريد: أيام الدنيا.
﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ ﴿٢٥﴾ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ ﴿٢٦﴾ يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ ﴿٢٧﴾ مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ ﴿٢٨﴾ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ ﴿٢٩﴾ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ﴿٣٠﴾ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ﴿٣١﴾ ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ ﴿٣٢﴾ إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ﴿٣٣﴾ وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ ﴿٣٤﴾ فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَهُنَا حَمِيمٌ ﴿٣٥﴾ وَلا طَعَامٌ إِلا مِنْ غِسْلِينٍ ﴿٣٦﴾ لا يَأْكُلُهُ إِلا الْخَاطِئُونَ ﴿٣٧﴾﴾ [الحاقة: ٢٥-٣٧] .
﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٥] يتمنى أنه لم يؤت، لما يرى فيه من قبائح أعماله، التي يسود بها وجهه.
﴿وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٦] ولم أدر أي شيء حسابي، لأنه لا حاصل له في ذلك الحساب، إنما كله عليه.
﴿يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ [الحاقة: ٢٧] ليت الموتة التي متها لم أحي بعدها، ومعنى القاضية: القاطعة للحياة، تمنى دوام الموت، وأنه لم يبعث للحساب.
﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٨] لم يدفع عني من عذاب الله شيئًا.
﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٩] ضلت عني حجتي، قال مقاتل: يعني: حين شهدت عليه الجوارح بالشرك.
وحينئذ يقول الله تعالى: خذوه فغلوه اجمعوا يده إلى عنقه.
﴿ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣١] أدخلوه الجحيم.
﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ﴾ [الحاقة: ٣٢] وهي: حلق منتظمة، ﴿ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا﴾ [الحاقة: ٣٢] قال نوف الشامي: كل ذراع سبعون باعا، كل باع أبعد مما بينك وبين مكة.
وكان في رحبة الكوفة، وقال الحسن: الله أعلم بأي ذراع هو.
[ ٤ / ٣٤٧ ]
فاسلكوه اجعلوه فيها، يقال: سلكته في الطريق، وفي القيد، وغيره.
إذا أدخلته فيه، قال الكلبي: كما يسلك الخيط في اللؤلؤ.
قال سويد بن أبي نجيح: بلغني أن جميع أهل النار في تلك السلسلة.
﴿إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ﴾ [الحاقة: ٣٣] لا يصدق بتوحيد الله، وعظمته.
﴿وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الحاقة: ٣٤] لا يطعم المسكين في الدنيا، ولا يأمر أهله بذلك.
﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَهُنَا﴾ [الحاقة: ٣٥] في الآخرة، حميم قريب ينفعه، أو يشفع له.
﴿وَلا طَعَامٌ إِلا مِنْ غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٦] وهو صديد أهل النار، وما ينغسل من أبدانهم من القيح، والدم.
وروى مجاهد، عن ابن عباس، قال: لو أن قطرة من الغسلين وقعت في الأرض، أفسدت على الناس معايشهم.
ثم ذكر أن الغسلين أكل من هو، فقال: ﴿لا يَأْكُلُهُ إِلا الْخَاطِئُونَ﴾ [الحاقة: ٣٧] قال الكلبي: يعني: من يخطأ بالشرك.
١٢٣٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ الْجَوْزَقِيُّ فِيمَا أَجَازَ لِي، أنا الْحُسَيْنُ الْحَجَّاجِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الثَّقَفِيُّ، نا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، نا أَبُو تُمَيْلَةَ، نا حُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ، عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: قَرَأَ نَافِعٌ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿لا يَأْكُلُهُ إِلا الْخَاطِئُونَ﴾ [الحاقة: ٣٧] فَقَالَ: مَهْ كُلُّنَا نُخْطِئُ.
﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ ﴿٣٨﴾ وَمَا لا تُبْصِرُونَ ﴿٣٩﴾ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ﴿٤٠﴾ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلا مَا تُؤْمِنُونَ ﴿٤١﴾ وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ ﴿٤٢﴾ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿٤٣﴾﴾ [الحاقة: ٣٨-٤٣] .
قوله: فلا أقسم لا رد لكلام المشركين، كأنه قيل: ليس الأمر كما يقول المشركون.
﴿أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ ﴿٣٨﴾ وَمَا لا تُبْصِرُونَ ﴿٣٩﴾﴾ [الحاقة: ٣٨-٣٩] قال قتادة: أقسم بالأشياء كلها، ما يبصر منها، وما لا يبصر، ويدخل في هذا جميع المكونات، والموجودات في الدنيا والآخرة.
إنه إن القرآن، ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة: ٤٠] يعني: محمدًا ﷺ، والمعنى: إنه لتلاوة رسول كريم وتلاوته قوله.
﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ [الحاقة: ٤١] لا تصدقون بأن القرآن من عند الله، وأريد بالقليل نفي إيمانهم أصلًا، كما تقول لمن لا يزورك: قلَّ ما تأتينا.
وأنت تريد: لا يأتينا أصلًا، ومن قرأ: يؤمنون بالياء، فهو إخبار عن المشركين.
﴿وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ﴾ [الحاقة: ٤٢] وهو الذي يقضي على الغائب.
[ ٤ / ٣٤٨ ]
١٢٣٧ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدَانَ الْعَدْلُ، أنا أَبُو بَكْرٍ الْقَطِيعِيُّ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، نا ابْنُ الْمُغِيرَةِ، نا صَفْوَانُ، نا شُرَيْحُ بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: خَرَجْتُ أَتَعَرَّضُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ أَنْ أُسْلِمَ فَوَجَدْتُهُ قَدْ سَبَقَنِي إِلَى الْمَسْجِدِ، فَقُمْتُ خَلْفَهُ، فَاسْتَفْتَحَ سُورَةَ الْحَاقَّةِ، فَجَعَلْتُ أَعْجَبُ مِنْ تَأْلِيفِ الْقُرْآنِ فَقُلْتُ: هَذَا وَاللَّهِ شَاعِرٌ كَمَا قَالَتْ قُرَيْشٌ، قَالَ: فَقَرَأَ ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ﴿٤٠﴾ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلا مَا تُؤْمِنُونَ ﴿٤١﴾﴾ [الحاقة: ٤٠-٤١] قَالَ: قُلْتُ: كَاهِنٌ، قَالَ: ﴿وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ ﴿٤٢﴾ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿٤٣﴾﴾ [الحاقة: ٤٢-٤٣] إِلَى آخِرِ السُّورَةِ، قَالَ: فَوَقَعَ الْإِسْلامُ فِي قَلْبِي كُلَّ مَوْقِعٍ.
﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ ﴿٤٤﴾ لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ﴿٤٥﴾ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ ﴿٤٦﴾ فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ ﴿٤٧﴾ وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ﴿٤٨﴾ وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ ﴿٤٩﴾ وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴿٥٠﴾ وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ ﴿٥١﴾ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ﴿٥٢﴾﴾ [الحاقة: ٤٤-٥٢] .
﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا﴾ [الحاقة: ٤٤] محمد ما لم نقله، أي: يكلف القول، وأتى به من عند نفسه.
﴿لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٥] لأخذناه بالقوة، والقدرة، قاله الفراء، والمبرد، والزجاج.
قال ابن قتيبة: وإنما أقام اليمين مقام القوة، لأن قوة كل شيء في ميامنه.
﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٦] وهو عرق يجري في الظهر حتى يتصل بالقلب، إذا انقطع بطلت القوى، ومات صاحبه، والمفسرون يقولون: إنه نياط القلب.
﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧] ليس منكم أحد يحجزنا عنه، أي: أنه لا يتكلف الكذب لأجلكم، مع علمه بأنه لو تكلف ذلك لعاقبناه، ثم لم تقدروا أنتم على دفع عقوبتنا عنه.
ثم ذكر أن القرآن ما هو، فقال: ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الحاقة: ٤٨] لعظة لمن اتقى عقاب الله بطاعته.
﴿وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ﴾ [الحاقة: ٤٩] علمنا: أن بعضكم يكذبه.
﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الحاقة: ٥٠] يعني: يوم القيامة، يندمون على ترك الإيمان به.
﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾ [الحاقة: ٥١] أنه من عند الله.
ثم أمره بتنزيهه عن السوء، بقوله: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الحاقة: ٥٢] .
[ ٤ / ٣٤٩ ]