وهي ثماني عشرة آية، مدنية.
٨٥٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمُقْرِي، أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَخْلِدِيُّ، أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ حَمْدَوَيْهِ بْنِ خَالِدٍ، نا هِلالُ بْنُ الْعَلاءِ، قَالَ: نا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ شَدَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَهِ، عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ الرَّحْبِيِّ، عَنْ ثَوْبَانَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ أَعْطَانِي السَّبْعَ الطُّوَلَ مَكَانَ التَّوْرَاةِ، وَأَعْطَانِي الْمِئِينَ. . . . . . . . . .
[ ٤ / ١٤٨ ]
مَكَانَ الْإِنْجِيلِ، وَأْعَطَانِي مَكَانَ الزَّبُورِ الْمَثَانِيَ، وَفَضَّلَنِي رَبِّي بِالْمُفَصَّلِ»
٨٥٨ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُقْرِي، نا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْعَدْلُ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَرِيكٍ، نا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نا الْمَدَائِنِيُّ، نا هَارُونُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْفَتْحِ فَكَأَنَّمَا كَانَ مَعَ مَنْ شَهِدَ مَعَ مُحَمَّدٍ فَتْحَ مَكَّةَ، وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْحُجُرَاتِ أُعْطِيَ مِنَ الْأَجْرِ عَشْرُ حَسَنَاتٍ بِعَدَدِ مَنْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ عَصَاهُ» .
بسم الله الرحمن الرحيم ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴿١﴾ يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ﴿٢﴾ إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ﴿٣﴾ إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ﴿٤﴾ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿٥﴾﴾ [الحجرات: ١-٥] .
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] قدم ههنا بمعنى: تقدم، وهو لازم، يدل عليه قراءة الضحاك لا تَقْدَموا بفتح التاء والدال، قال أبو عبيدة: العرب
[ ٤ / ١٤٩ ]
تقول: لا تقدم بين يدي الإمام، وبين يدي الأب.
أي: لا تعجل بالأمر والنهي دونه.
ومعنى بين اليدين ههنا: الأمام والقدام، وذلك راجع إلى قدام الأمر والنهي، لأن المعنى: لا تقدموا قبل أمرهما ونهيهما، وبين اليدين عبارة عن الأمام، لأن ما بين يدي الإنسان أمامه، ومعنى الآية: لا تقطعوا أمرًا دون الله ورسوله، أي: ولا تعجلوا به، قال جابر: نزلت في النهي عن الذبح يوم الأضحى قبل الصلاة.
وقالت عائشة ﵂: نزلت في النهي عن صوم يوم الشك.
٨٥٩ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُزَكِّي، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْهَيْثَمِ الْأَنْبَارِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْعَوَّامِ، نا أَبِي، نا النُّعْمَانُ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ التَّمِيمِيُّ، عَنْ زُفَرَ بْنِ الْهُذَيْلِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ حبال بْنِ رُفَيْدَةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] قَالَتْ: لا تَصُومُوا قَبْلَ أَنْ يَصُومَ نَبِيُّكُمْ ﷺ
واتقوا لله في تضييع حقه، ومخالفة أمره، ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ [الحجرات: ١] لأقوالكم، عليم بأفعالكم.
قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢] قال أنس: لما نزلت هذه الآية، قال ثابت بن قيس الأنصاري: أنا الذي كنت أرفع صوتي فوق صوت رسول الله ﷺ، وأجهر له بالقول، حبط عملي، وأنا من أهل النار.
وكان ثابت رفيع الصوت، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ، فقال:
[ ٤ / ١٥٠ ]
«هو من أهل الجنة» .
﴿وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ [الحجرات: ٢] قال الزجاج: أمرهم الله تعالى بتبجيل نبيه ﷺ، وأن يغضوا أصواتهم، وأن يخاطبوه بالسكينة والوقار.
﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ﴾ [الحجرات: ٢] أي: لئلا تحبط، أو مخافة أن تحبط أعمالكم، ﴿وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: ٢] لا تعلمون به، وهذا يدل على أنه يجب أن يعظم النبي ﷺ غاية التعظيم، فقد يأتي الإنسان الشيء اليسير في بابه، فيكون ذلك محبطًا لعمله، مهلكًا إياه وهو لا يعلم ذلك.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٣] قال عطاء، عن ابن عباس: لما نزل قوله: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾ [الحجرات: ٢] تألى أبو بكر ﵁، أن لا يكلم رسول الله ﷺ، إلا كأخي السرار، فأنزل الله تعالى في أبي بكر هذه الآية.
٨٦٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْقَاضِي، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْقُرَشِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الصَّغَانِيُّ، نا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، نا حُصَيْنُ بْنُ عُمَرَ الْأَحْمَسِيُّ، نا مُخَارِقٌ، عَنْ طَارِقٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ ﵁، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ﴾ [الحجرات: ٣] الآية آلَيْتُ عَلَى نَفْسِي أَنْ لا أُكَلِّمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِلا كَأَخِي السِّرَارِ
وقال ابن الزبير: ما حدث عمر النبي ﷺ بعد قوله: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾ [الحجرات: ٢] فيسمع النبي ﷺ كلامه حتى يستفهمه مما يخفض صوته، فأنزل الله تعالى فيه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ﴾ [الحجرات: ٣] والغض: النقص من كل شيء.
ذكرنا عند قوله: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ [لقمان: ١٩]، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ [الحجرات: ٣] قال الفراء: أخلص قلوبهم للتقوى، كما يمتحن الذهب بالنار، فيخرج جيده من رديئه ويسقط خبثه.
وعلى هذا تقدير الكلام: ﴿امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الحجرات: ٣] فأخلصها للتقوى، فحذف الإخلاص لدلالة الامتحان عليه، ولهذا قال مقاتل، ومجاهد، وقتادة: أخلص الله قلوبهم.
قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ [الحجرات: ٤] هم الجفاة من
[ ٤ / ١٥١ ]
بني تميم، قدموا على النبي ﷺ لفداء ذراري لهم سبيت، فنادوا: يا محمد اخرج إلينا.
وقد كان النبي ﷺ قد نام للقابلة، فتأذى بأصواتهم، ولم يعلموا في أي حجرة هو، فكانوا يطوفون على الحجرات، وينادونه، ﴿أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات: ٤] وصفهم الله بالجهل، وقلة الصبر، وقلة العقل، فقال: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [الحجرات: ٥] .
قال مقاتل: يعني بالخير: أنهم لو صبروا، لخلى سبيلهم بغير فداء، فلما نادوه، أعتق نصف ذراريهم، وفادى نصفهم.
يقول الله تعالى: ولو صبروا، لكنت تعتق كلهم.
﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ٥] لمن تاب منهم.
قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴿٦﴾ وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ ﴿٧﴾ فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴿٨﴾﴾ [الحجرات: ٦-٨] .
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ [الحجرات: ٦] نزلت في الوليد بن عقبة، بعثه رسول الله ﷺ مصدقًا إلى بني المصطلق، فلما سمعوا به، اجتمعوا ليتلقوه، وكانت بينهم عداوة في الجاهلية، ففرق الوليد، ورجع إلى النبي ﷺ، وقال: إنهم قد منعوا الصدقة، وارتدوا.
فنزلت فيه هذه الآية، قوله: فتبينوا ذكرنا القراءة فيه في ﴿[النساء،] أَنْ تُصِيبُوا﴾ [سورة الحجرات: ٦] أي: لئلا تصيبوا، ﴿قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الحجرات: ٦] بحالهم، وما هم عليه من الإسلام، والطاعة، ﴿فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ﴾ [الحجرات: ٦] من إصابتهم بالخطأ، نادمين وذلك أن رسول الله ﷺ هم بالإيقاع بهم حتى نزلت هذه
[ ٤ / ١٥٢ ]
الآية.
ثم وعظهم، فقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٧] معناه: اتقوا أن تكذبوا، أو تقولوا باطلًا، فإن الله تعالى يخبره، فتفتضحوا، ثم قال: لو يطيعكم أي: الرسول، ﴿فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ﴾ [الحجرات: ٧] مما تخبرونه فيه بالباطل، لعنتم أي: لوقعتم في عنت، وهو الإثم والهلاك، ثم خاطب المؤمنين الذين لا يكذبون، فقال: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ﴾ [الحجرات: ٧] جعله أحب الأديان إليكم، ﴿وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ٧] حتى اخترتموه، ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ﴾ [الحجرات: ٧] جعل الكفر تكرهونه، والفسوق قال ابن عباس: يريد الكذب.
والعصيان جميع معاصي الله.
ثم عاد إلى الخبر عنهم، فقال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات: ٧] هم المهتدون إلى محاسن الأمور.
ثم بين أن جميع ذلك تفضل من الله تعالى، فقال: ﴿فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ [الحجرات: ٨] قال ابن عباس: يريد تفضلًا مني عليهم، ورحمة مني لهم.
والله عليم بما في قلوبهم، حكيم فيهم بعلمه.
قوله: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴿٩﴾ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴿١٠﴾﴾ [الحجرات: ٩-١٠] .
﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] .
٨٦١ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سِنَانٍ الْمُقْرِئُ، أنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى، نا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي إِسْرَائِيلَ، نا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قِيلَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ لَوْ أَتَيْتَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ، فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ فَرَكِبَ حِمَارًا، وَانْطَلَقَ الْمُسْلِمُونَ يَمْشُونَ، وَهِيَ أَرْضٌ سَبِخَةٌ، فَلَمَّا أَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ، قَالَ: إِلَيْكَ عَنِّي فَوَاللَّهِ لَقَدْ آذَانِي نَتْنُ حِمَارِكَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: وَاللَّهِ لَحِمَارُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَطْيَبُ رِيحًا مِنْكَ، فَغَضِبَ لِعَبْدِ اللَّهِ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ وَغَضِبَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَصْحَابُهُ، وَكَانَ بَيْنَهُمَا ضَرْبٌ بِالْجَرِيدِ وَالْأَيْدِي وَالنِّعَالِ، فَبَلَغَنَا أَنَّهُ أُنْزِلَتْ فِيهِمْ ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩] رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ مُسَدَّدٍ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الأَعْلَى كِلاهُمَا عَنِ الْمُعْتَمِرِ
قال الحسن، وقتادة، والسدي: فأصلحوا بينهما
[ ٤ / ١٥٣ ]
بالدعاء إلى حكم كتاب الله، والرضا بما فيه، لهما وعليهما.
﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا﴾ [الحجرات: ٩] طلبت ما ليس لها، ولم ترجع إلى الصلح، ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩] ترجع إلى طاعة الله، والصلح الذي أمر الله به.
٨٦٢ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ التَّاجِرُ، أنا أَحْمَدُ بْنُ شَاذَانَ، نا أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ، نا أَبُو نَصْرٍ التَّمَّارُ، نا كَوْثَرُ بْنُ حَكِيمٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ: يَا ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ " هَلْ تَدْرِي كَيْفَ حُكْمُ اللَّهِ، فِيمَنْ بَغَى مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ؟ قَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: لا يُجْهَزُ عَلَى جَرِيحِهَا، وَلا يُقْتَلُ أَسِيرُهَا، وَلا يُطْلَبُ هَارِبُهَا، وَلا يُقْسَمُ فَيْئُهَا "
وأقسطوا أي: اعدلوا في الإصلاح بينهما، وفي كل حكم، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩] قال رسول الله ﷺ: «هم الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم، وما ولوا» .
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] قال الزجاج: أعلم الله أن الدين يجمعهم، وأنهم إخوة إذا كانوا متفقين في دينهم، فرجعوا بالاتفاق في الدين إلى أصل النسب، لأنهم لآدم وحواء.
﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠] يعني: بين كل مسلمين تخاصما، وتقاتلا، ومعنى الآيتين يأتي على الجميع، لأن تأويله بين كل أخوين.
٨٦٣ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، نا أَبُو أَحْمَدَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الثَّقَفِيُّ، نا قُتَيْبَةُ، نا اللَّيْثُ، عَنْ عَقِيلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لا يَظْلِمُهُ وَلا يَشْتُمُهُ مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ بِهَا عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ قُتَيْبَةَ كِلاهُمَا عَنِ اللَّيْثِ.
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ
[ ٤ / ١٥٤ ]
وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴿١١﴾ يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ ﴿١٢﴾ يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴿١٣﴾ قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿١٤﴾ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ﴿١٥﴾ قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴿١٦﴾ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴿١٧﴾ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴿١٨﴾﴾ [الحجرات: ١١-١٨] .
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ [الحجرات: ١١] قال مقاتل: يقول: لا يستهزئ الرجل من أخيه، فيقول: إنك رديء المعيشة، لئيم الحسب، وأشباه ذلك مما ينتقصه به، ولعله خير منه عند الله.
وهو قوله: ﴿عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ [الحجرات: ١١]، وقوله: ﴿وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [الحجرات: ١١] أي: لا تعيبوا إخوانكم الذين هم كأنفسكم، كقوله: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، ﴿وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ﴾ [الحجرات: ١١] التنابز: التفاعل من النبز، وهو مصدر والنبز الاسم، والألقاب: جمع اللقب، وهو اسم غير الاسم الذي سمي به الإنسان، قال المفسرون: هو أن يقول لأخيه المسلم: يا فاسق يا منافق، أو يقول لمن أسلم: يا يهودي، يا نصراني.
يدعوه بما كان عليه في الشرك، وقال عطاء: هو كل شيء أخرجت به أخاك عن الإسلام، كقوله: يا كلب، يا حمار، يا خنزير.
﴿بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ﴾ [الحجرات: ١١] أي: بئس الاسم أن تقول له: يا يهودي، يا نصراني، وقد آمن، ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ﴾ [الحجرات: ١١] من التنابز، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١] .
قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ [الحجرات: ١٢] قال الزجاج: هو أن تظن بأهل الخير سوءًا، فأما أهل السوء، والفسق، فلنا أن نظن بهم مثل الذي ظهر منهم.
وقال المقاتلان: هو أن يظن بأخيه المسلم سوءًا، ولا بأس به ما لم يتكلم به، فإن تكلم بذلك الظن،
[ ٤ / ١٥٥ ]
وأبداه أثم.
وهو قوله: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢] يعني: ما أعلنه مما ظن بأخيه المسلم، ولا تجسسوا التجسس: البحث عن عيوب المسلمين وعوراتهم، يقول: لا يبحث أحدكم عن عيب أخيه، حتى يطلع عليه إذا ستره الله.
٨٦٤ - أَخْبَرَنَا الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ، أنا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ السَّرَّاجُ، أنا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الْقَاضِي، نا عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ، أنا سُلَيْمُ بْنُ حَيَّانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، وَلا تَجَسَّسُوا، وَلا تَقَاطَعُوا، وَلا تَحَاسَدُوا، وَلا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا»
وقوله: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [الحجرات: ١٢]، يقول: لا يتناول بعضكم بعضًا بظهر الغيب، بما يسوءه مما هو فيه، فإن تناوله بما ليس فيه، فهو بهت وبهتان.
٨٦٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، وَأَبُو مَنْصُورِ بْنُ طَاهِرٍ، وَأَبُو سَعْدِ بْنُ أَبِي رُشَيْدٍ، قَالُوا جَمِيعًا: أنا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ زِيَادٍ، نا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبُوشَنْجِيُّ، نا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامٍ، نا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، نا رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ، عَنِ الْعَلاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ مَا الْغِيبَةُ؟ قَالَ: " ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ، قَالَ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟ قَالَ: إِنْ كَانَ فِي أَخِيكَ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ الْعَلاءِ
٨٦٦ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدَانَ، أنا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ بِوَاسِطَ، نا أَبُو بَكْرٍ خَلِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْوَاسِطِيُّ، أنا جَدِّي تَمِيمُ بْنُ الْمُنْتَصِرِ، أنا أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ، نا أَبُو رَجَاءٍ الْخُرَاسَانِيُّ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنِ الْجَرِيرِيِّ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِيَّاكُمْ وَالْغِيبَةَ، فَإِنَّ الْغِيبَةَ أَشَدُّ مِنَ الزِّنَا»،
[ ٤ / ١٥٦ ]
قَالَ: ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ الرَّجُلَ يَزْنِي ثُمَّ يَتُوبُ فَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَإِنَّ صَاحِبَ الْغِيبَةِ لا يُغْفَرُ لَهُ حَتَّى يَغْفِرَ لَهُ صَاحِبُهَا» .
٨٦٧ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدُّرَّكِيُّ، أنا أَبُو بَحْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ كَوْثَرٍ، نا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ يَزْدَادَ الرَّاسِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ بَشِيرٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرٍو، حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا اغْتَابَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ مِنْ خَلْفِهِ، فَلْيَسْتَغْفِرْ لَهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ كَفَّارَةٌ لَهُ»
٨٦٨ - حَدَّثَنَا الْإِمَامُ أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْإِسْفَرَايِينِيُّ إِمْلاءً، أنا الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ، نا جعديةُ بْنُ يَحْيَى اللَّيْثِيُّ، عَنِ الْعَلاءِ بْنِ بَشِيرٍ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ لِفَاسِقٍ غِيبَةٌ»
ثم ضرب للغيبة مثلًا، فقال: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ [الحجرات: ١٢] قال الزجاج: تأويله: إن ذكرك بسوء من لم يحضرك، بمنزلة أكل لحمه وهو ميت لا يحس بذلك.
قال مجاهد: لما قيل لهم: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ [الحجرات: ١٢] قالوا: لا.
قيل: فكرهتموه أي: فكما كرهتم هذا، فاجتنبوا ذكره بالسوء غائبًا.
ويقال للمغتاب: فلان يأكل لحوم الناس.
٨٦٩ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ نُجَيْدٍ، نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَوَّارٍ، أنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: مَرَّ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ عَلَى بَغْلٍ مَيِّتٍ، فَقَالَ: لَأَنْ يَأْكُلَ أَحَدُكُمْ مِنْ هَذَا حَتَّى يَمْتَلِئَ جَوْفُهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ لَحْمِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ.
أخبرنا أبو بكر محمد بن عمر الخشاب، أنا إبراهيم بن عبد الله الأصبهاني، أنا محمد بن إسحاق السراج، نا قتيبة، عن مروان بن سالم القرشي، نا
[ ٤ / ١٥٧ ]
مسعدة بن اليسع، عن الربيع بن صبيح، عن يزيد الرقاشي: أن رجلًا اغتاب عنده رجلًا، قال: فأخبرني أنه رأى في المنام، كأن زنجيًا أتاه بطبق عليه جنب لحم خنزير لم أر لحمًا أنتن منه، فقال: كل.
فقلت: آكل لحم خنزير! قال: فتهددني، وقال لي: كل.
فأكلت، قال يزيد: فحلف لي أنه لم يزل شهرًا يجد نتن ذلك في فيه.
واتقوا الله في الغيبة، ﴿إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ﴾ [الحجرات: ١٢] على من تاب، رحيم به.
قوله: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ [الحجرات: ١٣] يعني: آدم وحواء، أي: إنكم متساوون في النسب، لأن كلكم يرجع بالنسب إلى آدم وحواء، نزلت الآية في الزجر عن التفاخر بالأنساب.
٨٧٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَارِثِيُّ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ بَحْرٍ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الصَّنْعَانِيُّ، نا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حَنَشٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ: «إِنَّمَا أَنْتُمْ مِنْ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ كَطَفِّ الصَّاعِ لَيْسَ لِأَحَدٍ عَلَى أَحَدٍ فَضْلٌ إِلا بِالتَّقْوَى»
ثم ذكر أنه إنما فرق بين أنساب الناس، ليتعارفوا، لا ليتفاخروا، فقال: وجعلناكم شعوبًا وهي جمع شعب، وهو الحي العظيم مثل مضر وربيعة، والقبائل دونها، وهم كبكر من ربيعة، وتميم من مضر، هذا قول جماعة المفسرين، وروى عطاء، عن ابن عباس، قال: يريد بالشعوب الموالي، وبالقبائل العرب.
وإلى هذا ذهب قوم، فقالوا: الشعوب من العجم، وهم من لا يعرف لهم أصل، ولا نسب كالهند، والجيل، والترك، والقبائل من العرب.
وقوله: لتعارفوا أي:
[ ٤ / ١٥٨ ]
يعرف بعضكم بعضًا في قرب النسب وبعده، ثم أعلمهم أن أرفعهم عنده منزلة أتقاهم، فقال: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] .
٨٧١ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدَانَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمْدَوَيْهِ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الشَّيْبَانِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْمَخْزُومِيُّ، حَدَّثَتْنِي أُمُّ سَلَمَةَ بِنْتُ الْعَلاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهَا، عَنْ جَدِّهَا، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَمَرْتُكُمْ فَضَيَّعْتُمْ مَا عَهِدْتُ إِلَيْكُمْ فِيهِ، وَرَفَعْتُمْ أَنْسَابَكُمْ فَالْيَوْمَ أَرْفَعُ نَسَبِي وَأُضَيِّعُ أَنْسَابَكُمْ، أَيْنَ الْمُتَّقُونَ أَيْنَ الْمُتَّقُونَ ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]
أخبرنا أبو الحسن محمد أحمد بن محمد بن الفضل، أنا أبو يعلي النسفي، أنا محمد بن يونس الكريمي، نا أبو عاصم، نا موسى بن عبيد، عن سعيد المقبري، قال: سأل رجل عيسى ابن مريم ﵇: أي الناس أفضل؟ فأخذ قبضتين من تراب، فقال: أي هاتين أفضل؟ الناس خلقوا من تراب، فأكرمهم عند الله أتقاهم.
وقال قتادة: أكرم الكرم التقوى، وألأم واللؤم الفجور.
وقال ﷺ: «من سره أن يكون أكرم الناس، فليتق الله بقوله» .
﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ [الحجرات: ١٤] نزلت في بني أسد، أتوا رسول الله ﷺ في سنة جدبة، وأظهروا الإسلام،
[ ٤ / ١٥٩ ]
ولم يكونوا مؤمنين في السر، إنما كانوا يطلبون الصدقة، والمعنى: أنهم يقولون: صدقنا ما جئت به.
﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ [الحجرات: ١٤] لم تصدقوا، ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤] انقدنا واستسلمنا، مخافة القتل والسبي، ثم بين أن الإيمان محله القلب لا اللسان، بقوله: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤] .
قال الزجاج: الإسلام إظهار الخضوع، وقبول ما أتى به النبي ﷺ، وبذلك يحقن الدم، فإن كان مع ذلك الإظهار اعتقاد، وتصديق بالقلب، فذلك الإيمان وصاحبه المؤمن.
وقد أخرج هؤلاء من الإيمان بقوله: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤] أي: لم تصدقوا، إنما أسلمتم تعوذًا من القتل.
٨٧٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ التَّمِيمِيُّ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ، نا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، نا عَلِيُّ بْنُ مَسْعَدَةَ، حَدَّثَنِي قَتَادَةُ، حَدَّثَنِي أَنَسٌ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْإِسْلامُ عَلانِيَةٌ وَالْإِيمَانُ فِي الْقَلْبِ، وَأَشَارَ إِلَى صَدْرِهِ»
﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الحجرات: ١٤] قال ابن عباس: تخلصوا الإيمان.
﴿لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ [الحجرات: ١٤] وقرأ أبو عمرو لا يألتكم بالألف، من ألت يألت ألتا إذا نقص، ويقال أيضًا: لات يليت ليتا بهذا المعنى، قال ابن عباس، ومقاتل: لا ينقصكم من ثواب أعمالكم شيئًا.
ثم نعت الصادقين في إيمانهم، فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات: ١٥] لم يشكوا في دينهم بعد الإيمان، ﴿وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ١٥] وذلك أن الجهاد مع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
[ ٤ / ١٦٠ ]
وَسَلَّمَ كان فرضًا في ذلك الوقت، ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات: ١٥] في إيمانهم، فلما نزلت الآيتان أتوا رسول الله ﷺ، يحلفون أنهم مؤمنون صادقون.
وعرف الله غير ذلك منهم، فأنزل: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٦] علم ههنا بمعنى: أعلم، لذلك أدخلت الباء في بدينكم، يقول: أتخبرون الله بالدين الذي أنتم عليه؟ أي: أنه عالم بذلك، لا يحتاج إلى إخباركم به، وهو قوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [الحجرات: ١٦] الآية.
وكان هؤلاء الأعراب يقولون لرسول الله ﷺ: جئناك بالعيال، والمال، والأنفال، ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان.
يمنون عليه بذلك، فأنزل الله تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾ [الحجرات: ١٧] الآية، وهي ظاهرة إلى آخر السورة.
[ ٤ / ١٦١ ]