وهي عشرون وتسع آيات، مدنية.
١١٦٥ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُقْرِي، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَرِيكٍ، نا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا سَلامُ بْنُ سُلَيْمٍ، نا هَارُونُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْحَدِيدِ كُتِبَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ» .
بسم الله الرحمن الرحيم ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿١﴾ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿٢﴾ هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴿٣﴾﴾ [الحديد: ١-٣] .
﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الحديد: ١] قال المقاتلان: يعني: كل شيء من ذي الروح وغيره، وكل خلق فيهما، ولكن لا تفقهون تسبيحهم.
وقد تقدم الكلام في تسبيح الجماد، في قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] وفي مواضع.
يحيي الموات للبعث، ويميت الأحياء في الدنيا.
قبل كل شيء كان هو ولا شيء موجود، فهو الأول بلا ابتداء، والآخر بعد كل شيء بلا انتهاء، يفني الأشياء ويبقي آخرًا، كما كان أولًا، والظاهر الغالب العالي على كل شيء، ويجوز أن يكون معناه: الظاهر بالأدلة والشواهد، والباطن العالم بما بطن، من قولهم: فلان يبطن أمر فلان.
أي: يعلم دخله أمره، ويجوز أن يكون معنى الباطن: أنه محتجب عن الأبصار.
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴿٤﴾ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ ﴿٥﴾ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴿٦﴾﴾ [الحديد: ٤-٦] .
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [الحديد: ٤] مفسر في ﴿[الأعراف، إلى قوله:] يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي
[ ٤ / ٢٤٤ ]
الأَرْضِ﴾ [سورة الحديد: ٤] وهو مفسر في ﴿[سبأ، إلى قوله:] وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [سورة الحديد: ٤] يعني: بالعلم والقدرة، فليس يخلو أحد من تعلق علم الله، وقدرته به، أين ما كان من أرض، وسماء، وبر، وبحر، وما بعد هذا ظاهر إلى قوله: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ ﴿٧﴾ وَمَا لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴿٨﴾ هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴿٩﴾ وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴿١٠﴾ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ ﴿١١﴾﴾ [الحديد: ٧-١١] .
﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحديد: ٧] يخاطب كفار قريش، ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: ٧] يعني: المال الذي كان بيد غيرهم، فأهلكهم الله، وأعطى قريشًا ذلك المال، وكانوا فيه خلفاء عمن مضوا، ثم ذكر ثواب من أنفق في سبيل الله، بقوله: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الحديد: ٧] .
﴿وَمَا لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [الحديد: ٨] هذا استفهام إنكار، أي: أي شيء لكم من الثواب في الآخرة إذا لم تؤمنوا بالله؟ ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ﴾ [الحديد: ٨] حين أخرجكم من ظهر آدم، ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الحديد: ٨] بالحجة والدليل، فقد بان وظهر على يد محمد ﷺ ببعثه، وإنزال القرآن عليه، ويدل على هذا قوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الحديد: ٩] محمد ﷺ، آيات بينات يعني: القرآن، ليخرجكم من ظلمات الشرك إلى نور الإيمان، ﴿وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحديد: ٩] حين بعث الرسول، ونصب الأدلة.
ثم حثهم على الإنفاق، فقال: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الحديد: ١٠] يقول: أي شيء لكم في ترك الإنفاق فيما يقرب من الله تعالى، وأنتم ميتون تاركون أموالكم، ثم بين فضل من سبق بالإنفاق في سبيل الله، فقال: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ [الحديد: ١٠] يعني: فتح مكة، قال مقاتل: لا يستوي في الفضل من أنفق ماله، وقاتل العدو من قبل فتح مكة، مع من أنفق من بعد وقاتل.
قال الكلبي، في رواية محمد بن فضيل: نزلت في أبي بكر رضوان الله عليه، يدل على هذا أنه كان أول من أنفق المال على رسول الله ﷺ في سبيل الله، وأول من قاتل على الإسلام.
قال ابن مسعود: أول من أظهر إسلامه بسيفه النبي ﷺ وأبو بكر ﵁، وقد شهد
[ ٤ / ٢٤٥ ]
النبي ﷺ بإنفاق ماله قبل الفتح.
١١٦٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، نا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ السَّلِيطِيُّ إِمْلاءً، نا عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمٍ الْبَغْدَادِيُّ الْمُقْرِي، نا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُحْرِمِيُّ، نا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ الشَّيْبَانِيُّ، نا الْعَلاءُ بْنُ عَمْرٍو أَبُو عَمْرٍو، نا أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ آدَمَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁، قَالَ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ ﷺ جَالِسٌ وَعِنْدَهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ عَلَيْهِ عَبَاءَةٌ قَدْ خَلَّهَا عَلَى صَدْرِهِ بِخِلالٍ إِذْ نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ ﵇، فَأَقْرَأَهُ مِنَ اللَّهِ ﷿ السَّلامَ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ مَا لِي أَرَى أَبَا بَكْرٍ عَلَيْهِ عَبَاءَةٌ قَدْ خَلَّهَا عَلَى صَدْرِهِ بِخِلالٍ؟ قَالَ: يَا جِبْرِيلُ أَنْفَقَ مَالَهُ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ عَلَيَّ، قَالَ: فَأَقْرِئْهُ مِنَ اللَّهِ ﵎ السَّلامَ وَقُلْ لَهُ يَقُولُ لَكَ رَبُّكَ: أَرَاضٍ أَنْتَ عَنِّي فِي فَقْرِكَ هَذَا أَمْ سَاخِطٌ؟ فَالْتَفَتَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ هَذَا جِبْرِيلُ يُقْرِئُكَ مِنَ اللَّهِ ﷿ السَّلامَ، وَيَقُولُ لَكَ رَبُّكَ: أَرَاضٍ أَنْتَ عَنِّي فِي فَقْرِكَ هَذَا أَمْ سَاخِطٌ، قَالَ: فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ: عَلَى رَبِّي أَغْضَبُ أَنَا عَنْ رَبِّي رَاضٍ، أَنَا عَنْ رَبِّي رَاضٍ
وقوله: ﴿أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ [الحديد: ١٠] قال عطاء: درجات الجنة تتفاضل، فالذين أنفقوا من قبل الفتح في أفضلها.
قال الزجاج: لأن المتقدمين نالهم من المشقة أكثر مما نال من بعدهم، وكانت بصائرهم أيضا أنفذ.
﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد: ١٠] كلا الفريقين وعد الله الحسنى الجنة، وقرأ ابن عامر: وكل بالرفع على لغة من يقول: زيد ضربت.
قوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [الحديد: ١١] قال مقاتل: طيبة به نفسه.
وقد تقدم تفسيرة في ﴿[البقرة، قال أهل
[ ٤ / ٢٤٦ ]
العلم: القرض الحسن أن يجمع عشرة أوصاف: أن يكون من الحلال، لأن النبي ﷺ، قال: «إن الله طيب، لا يقبل إلا الطيب» .
وقد قال أيضًا: «لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول» .
وأن يكون من أكرم ما يملك، دون أن يقصد الرديء بالإنفاق، لقوله تعالى:] وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [سورة البقرة: ٢٦٧]، وأن يتصدق وهو يحب المال ويرجو الحياة، لما روي أن النبي ﷺ سئل عن أفضل الصدقة، فقال: " أن تعطيه وأنت صحيح شحيح، تأمل العيش، وتخشى الفقر، ولا تمهل، حتى إذا بلغت التراقي، قلت: لفلان كذا ولفلان كذا ".
وأن تضعه في الأحق الأحوج الأولى بأخذه، ولذلك خص الله تعالى أقوامًا بأخذ الصدقات وهم أهل السهمان، وأن يكتمه ما أمكن، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١]، وأن لا تتبعه المن والأذى، لقوله تعالى: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤]، وأن يقصد به وجه الله تعالى، ولا يرائي بذلك، لأن المرائي مذموم على لسان الشرع، وأن يستحقر ما يعطي وإن كثر، لأن الدنيا كلها قليلة، لقوله تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ [النساء: ٧٧]، وأن تكون من أحب ماله، لقوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] فهذه أوصاف عشرة، إذا استكملتها الصدقة كانت قرضًا حسنًا إن شاء لله تعالى ﷿، وقوله: ﴿وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ [الحديد: ١١] يعني: الجنة.
[ ٤ / ٢٤٧ ]
﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴿١٢﴾ يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ ﴿١٣﴾ يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ﴿١٤﴾ فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴿١٥﴾﴾ [الحديد: ١٢-١٥] .
﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الحديد: ١٢] يعني: على الصراط يوم القيامة، وهو دليلهم إلى الجنة، قال قتادة: إن المؤمن يضيء له نوره، كما بين عدن إلى صنعاء ودون ذلك، حتى إن من المؤمنين من لا يضيء له نوره إلا موضع قدميه.
وقال ابن مسعود: يؤتون نورهم على قدر أعمالهم، منهم من نوره مثل الجبل، وأدناهم نورًا نوره على إبهامه يطفئ مرة، ويوقد أخرى.
وقوله: ﴿وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ [الحديد: ١٢] قال الضحاك، ومقاتل: وبأيمانهم كتبهم التي أعطوها، فكتبهم بأيمانهم، ونورهم بين أيديهم.
وتقول لهم الملائكة: ﴿بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ﴾ [الحديد: ١٢] الآية.
ثم ذكر حال المنافقين في ذلك اليوم، فقال: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ﴾ [الحديد: ١٣] الآية، قال أبو أمامة: يغشى الناس يوم القيامة ظلمة شديدة، ثم يقسم النور، فيعطى المؤمن نورًا، ويترك الكافر والمنافق فلا يعطيان شيئًا.
فيمضي المؤمنون، ويقول المنافقون: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣] قال الكلبي: يستضيء المنافقون بنور المؤمنين ولا يعطون النور، فإذا سبقهم المؤمنون، قال: انظرونا نقتبس من نوركم، أي: انتظرونا، ونظر بمعنى: انتظر، كثير في التنزيل.
وقرأ حمزة: انظرونا بقطع الألف من الإنظار، قال الزجاج: معناه: انتظرونا أيضًا، وأنشد بيت عمرو بن كلثوم:
أبا هند فلا تعجل علينا وانظرنا نخبرك اليقينا
[ ٤ / ٢٤٨ ]
قوله: ﴿قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ﴾ [الحديد: ١٣] قال ابن عباس: يقول المؤمنون لهم.
وقال مقاتل: قالت لهم الملائكة: ارجعوا وراءكم، من حيث جئتم من الظلمة، فالتمسوا نورًا.
فيرجعون إلى المكان الذي قسم فيه النور، فلا يجدون شيئًا، فينصرفون إليهم ليلحقوهم، فيميز بينهم وبين المؤمنين، وهو قوله: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ﴾ [الحديد: ١٣] أي: بين المؤمنين والمنافقين، ﴿بِسُورٍ﴾ [الحديد: ١٣] وهو الحائط، له لذلك السور، ﴿بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ﴾ [الحديد: ١٣] في باطن ذلك السور الرحمة، وهي: الجنة التي فيها المؤمنين، وظاهره وخارج السور، ﴿مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد: ١٣] أي: من قبله يأتيهم العذاب، يعني: جهنم والنار، قال قتادة: هو حائط بين الجنة والنور.
والمعنى: أن المؤمنين يسبقونهم فيدخلون الجنة، والمنافقون يحصلون في العذاب والنار، وبينهم السور الذي ذكره الله تعالى.
﴿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ [الحديد: ١٤] وهو أن المؤمنين إذا فاتوا المنافقين ينادونهم من وراء السور، ﴿أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ [الحديد: ١٤] نصلي بصلاتكم في مساجدكم، ﴿قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [الحديد: ١٤] استعملتموها في الكفر، والمعاصي، والشهوات، وكلها فتنة، ﴿وَتَرَبَّصْتُمْ﴾ [الحديد: ١٤] بمحمد ﷺ الموت، وقلتم: يوشك أن يموت، فنستريح منه، ﴿وَارْتَبْتُمْ﴾ [الحديد: ١٤] شككتم في نبوته، وفيما أوعدكم، ﴿وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ﴾ [الحديد: ١٤] يعني: ما كانوا يتمنون من نزول الدوائر بالمؤمنين، ﴿حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١٤] يعني: الموت، قال قتادة: ما زالوا في خدعة من الشيطان حتى قذفهم الله في النار.
وهو قوله: ﴿وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [الحديد: ١٤] أي: وغركم الشيطان بحلم الله، وإمهاله.
﴿فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ﴾ [الحديد: ١٥] بدل بأن تفدوا أنفسكم من العذاب، ﴿مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ﴾ [الحديد: ١٥] هي أولى بكم لما أسلفتم من الذنوب والمعاصي، والمعنى: أنها هي التي تلي عليكم، لأنها قد ملكت أمركم، فهي أولى بكم من كل شيء.
قوله: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴿١٦﴾ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴿١٧﴾﴾ [الحديد: ١٦-١٧] .
﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحديد: ١٦] يقال: أني لك يأني إنى إذا حان، يقول: أما حان للمؤمنين، ﴿أَنْ تَخْشَعَ﴾ [الحديد: ١٦] ترق، وتلين قلوبهم، لذكر الله أي: يجب أن يورثهم الذكر خشوعًا، ﴿وَلا يَكُونُوا﴾ [الحديد: ١٦] كمن يذكره بالغفلة فلا يخشع قلبه للذكر.
[ ٤ / ٢٤٩ ]
قال ابن مسعود: لم يكن بين إسلامهم وبين أن أعلمهم الله بهذه الآية إلا أربع سنين.
وقال الزجاج: نزلت في طائفة من المؤمنين، حثوا على الرقة والخشوع، فأما من وصفهم الله تعالى بالرقة والخشوع فطبقة من المؤمنين فوق هؤلاء.
﴿وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الحديد: ١٦] يعني: القرآن، ومن قرأ بالتخفيف فالمعنى فيهما واحد، لأنه لا ينزل إلا بأن ينزله الله تعالى، ﴿وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الحديد: ١٦] يعني: اليهود والنصارى، ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ﴾ [الحديد: ١٦] الزمان بينهم وبين أنبيائهم، ﴿فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحديد: ١٦] قال ابن عباس: مالوا إلى الدنيا، وأعرضوا عن مواعظ الله.
والمعنى: أنه ينهى المؤمنين أن يكونوا في صحبة القرآن كاليهود والنصارى، الذين قست قلوبهم لما طال عليهم الدهر، ولهذا قال القرظي: يجب أن يزداد المؤمن إيمانًا، ويقينًا، وإخلاصًا في طول صحبة الكتاب.
١١٦٧ - أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ بْنُ أَحْمَدَ الصُّوفِيُّ، أنا أَبُو عَلِيٍّ الْفَقِيهُ، أنا أَبُو الْوَلِيدِ، نا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، نا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ أَبِي حَرْبِ بْنِ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: بَعَثَ أَبُو مُوسَى إِلَى قُرَّاءِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ ثَلاثُ مِائَةِ رَجُلٍ قَدْ قَرَأُوا الْقُرْآنَ، فَقَالَ: أَنْتُمْ خِيَارُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَقُرَّاؤُهُمْ، فَاتْلُوهُ وَلا يَطُولَنَّ الأَمَدُ فَتَقْسُوَ قُلُوبُكُمْ كَمَا قَسَتْ قُلُوبُ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ سَعِيدٍ
﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: ١٦] يعني: الذين تركوا الإيمان بعيسى ومحمد ﵉.
﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ ﴿١٨﴾ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ﴿١٩﴾﴾ [الحديد: ١٨-١٩] .
[ ٤ / ٢٥٠ ]
﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ﴾ [الحديد: ١٨] قرأه العامة بتشديد الصاد، على معنى: المتصدقين، فأدغمت التاء في الصاد، ومن قرأ بالتخفيف فهو من التصديق الذي هو بمعنى: الإيمان، ومعناه: إن المؤمنين والمؤمنات، ﴿وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [الحديد: ١٨] تقدم تفسيره، يضاعف لهم ذلك القرض الحسن، بأن أثبت لهم أضعافه، ﴿وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ [الحديد: ١٨] ثواب حسن.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ [الحديد: ١٩] قال مجاهد: كل من آمن بالله ورسله فهو صديقه ثم قرأ هذه الآية.
وقال المقاتلان: هم الذين لم يشكوا في الرسل حين أخبروهم، ولم يكذبوهم ساعة.
وقال الضحاك: وهم ثمانية نفر من هذه الأمة، سبقوا أهل الأرض في زمانهم إلى الإسلام: أبو بكر، وعلي، وزيد، وعثمان، وطلحة، والزبير، وسعد، وحمزة، وتاسعهم عمر ألحقه الله بهم لما عرف من صدق نيته.
﴿وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الحديد: ١٩] يعني: أولئك هم الشهداء عند ربهم، وقال مسروق: هذه الآية للشهداء خاصة، وهم الأنبياء الذين يشهدون للأمم وعليهم.
وهذا قول مقاتل بن حيان، واختيار الفراء، والزجاج، وقال مقاتل بن سليمان، وابن جرير يعني: الذين استشهدوا في سبيل الله.
﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴿٢٠﴾ سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴿٢١﴾﴾ [الحديد: ٢٠-٢١] .
[ ٤ / ٢٥١ ]
وقوله: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [الحديد: ٢٠] يعني: الحياة في هذه الدار، ﴿لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ [الحديد: ٢٠] يعني: حياة الكافر تكون باطلًا وغرورًا، لأنها في غير طاعة الله تعالى، وهي تنقضي عن قريب، ﴿وَزِينَةٌ﴾ [الحديد: ٢٠] يعني: أن الكافر يشتغل في جميع حياته بالتزين للدنيا، دون العمل للآخرة، ﴿وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ﴾ [الحديد: ٢٠] قال ابن عباس: يفاخر الرجل قريبه وجاره.
﴿وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ﴾ [الحديد: ٢٠] قال: يجمع ما لا يحل له تكاثرًا به، ويتطاول على أولياء الله بماله، وخدمه، وولده.
والمعنى: أنه يفني عمره في هذه الأشياء، ثم بين أن لهذه الحياة الدنيا شبها، فقال: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ﴾ [الحديد: ٢٠] يعني: مطرًا، ﴿أَعْجَبَ الْكُفَّارَ﴾ [الحديد: ٢٠] الزراع، ﴿نَبَاتُهُ﴾ [الحديد: ٢٠] ما ينبت من ذلك الغيث، ﴿ثُمَّ يَهِيجُ﴾ [الحديد: ٢٠] ييبس، ﴿فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا﴾ [الحديد: ٢٠] بعد خضرته وريه، ﴿ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا﴾ [الحديد: ٢٠] يتحطم، وينكسر بعد يبسه، وشرح هذا المثل للحياة الدنيا قد تقدم في قوله: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ﴾ [الكهف: ٤٥] الآية، وفي ﴿[يونس أيضًا،] وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [سورة الحديد: ٢٠] قال مقاتل: لأعداء الله.
﴿وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ﴾ [الحديد: ٢٠] لأولياه، وأهل طاعته، ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد: ٢٠] لمن اغتر بها، ولم يعمل لآخرته، قال سعيد بن جبير: متاع الغرور لمن لم يشتغل بطلب الآخرة، ومن اشغل بطلبها فله متاع بلاغ إلى ما هو خير منه.
قوله: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الحديد: ٢١] الآية تقدم تفسيرها في ﴿[آل عمران، وقوله:] أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [سورة الحديد: ٢١] في هذا أعظم رجاء، إذ ذكر أن الجنة أعدت لمن آمن، ولم يذكر مع الإيمان شيئًا آخر، ثم قال: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الحديد: ٢١] فبين أنه لا يدخل أحد الجنة إلا بفضل الله.
﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴿٢٢﴾ لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴿٢٣﴾ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ﴿٢٤﴾﴾ [الحديد: ٢٢-٢٤] .
﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ﴾ [الحديد: ٢٢] يعني: قحط المطر، وقلة النبات، ونقص الثمار، ﴿وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ [الحديد: ٢٢] يعني: الأمراض، وفقد الأولاد، ﴿إِلا فِي كِتَابٍ﴾ [الحديد: ٢٢] يعني: اللوح المحفوظ، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد: ٢٢] بخلق الأنفس، يعني: أنه أثبتها في اللوح المحفوظ، وقدرها قبل خلق الأنفس، ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢] يعني: إثبات ذلك على كثرته هين على الله.
﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا﴾ [الحديد: ٢٣] تحزنوا، ﴿عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣] من الدنيا، ﴿وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣] بما أعطاكم الله منها، والذي يوجب نفي الأسى والفرح من هذا أن الإنسان إذا علم أن ما قضي عليه من مفرح أو محزن سيصيبه لا محالة، قل فرحه وحزنه لعلمه بذلك قبل وقوعه، وقرأ أبو عمرو بما أتاكم مقصورًا، من الإتيان عادل به، فاتكم ونقيض الفوت الإتيان، قال
[ ٤ / ٢٥٢ ]
ابن عباس: ليس أحد إلا وهو يفرح ويحزن، ولكن اجعلوا للمصيبة صبرًا، وللخير شكرًا.
﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد: ٢٣] ذم للفرح الذي يختال فيه صاحبه، ويبطر.
﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ [الحديد: ٢٤] مفسر في ﴿[النساء، ومن يتول أي: عن الإيمان، فإن الله غني عن عبادته، حميد إلى أوليائه، وقرأه العامة:] فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ [سورة الحديد: ٢٤] وقرأ ابن عامر فإن الله الغني، فمن أثبت هو كان فصلًا ولم يكن مبتدأ، ومن حذف قال: فلأن الفصل حذفه سهل، ألا ترى أنه لا موضع للفصل من الإعراب، فحذفه لا يخل بالمعنى.
قوله: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحديد: ٢٥] .
﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [الحديد: ٢٥] بالآيات والحجج، ﴿وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾ [الحديد: ٢٥] الذي يتضمن الأحكام، والميزان قال قتادة، ومقاتل بن حيان: الميزان العدل.
ويكون المعنى: وأمرنا بالعدل، وهذا كقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ﴾ [الشورى: ١٧] وقال مقاتل بن سليمان: هو ما يوزن به.
ويكون المعنى على هذا القول: ووضعنا الميزان، أي: أمرنا به، كقوله: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن: ٧]، ﴿لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥] ليتبعوا ما أمروا به من العدل، فيعاملوا بينهم بالنصفة، ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ [الحديد: ٢٥] روى ابن عمر، أن النبي ﷺ، قال: «إن الله ﷿ أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض، أنزل الحديد، والنار، والماء، والملح» .
وقال أهل المعاني: معنى وأنزلنا الحديد: أنشأناه وأحدثناه، كقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر: ٦] .
وهذا معنى قول مقاتل: بأمرنا كان الحديد.
وقال قطرب: معنى أنزلنا ههنا: هيأنا، وخلقنا من النزل، وهو ما يهيأ للضيف.
والمعنى: أنعمنا بالحديد، وجعلناه مهيأ لكم، ﴿فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد: ٢٥] قال الزجاج: يمتنع به ويحارب.
والمعنى أنه يتخذ منه آلتان للحرب، آلة الدفع، وآلة الضرب، كما قال مجاهد: فيه جنة وسلاح.
ومنافع للناس ما ينتفعون به في
[ ٤ / ٢٥٣ ]
معاشهم مثل السكين، والفأس، والإبرة، وليعلم الله معطوف على قوله: ليقوم الناس أي: ليعامل بالعدل، ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحديد: ٢٥] وذلك أن الله تعالى أمر في الكتاب الذي أنزل بنصرة دينه ورسله، فمن نصر دينه ورسله علمه ناصرًا، ومن عصى علمه بخلاف ذلك، وقوله: بالغيب أي: ولم ير الله، ولا أحكام الآخرة، وإنما يحمد ويثاب إذا أطاع بالغيب، ﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ﴾ [الحديد: ٢٥] في أمره، عزيز في ملكه.
وما بعد هذا ظاهر التفسير إلى قوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴿٢٦﴾ ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴿٢٧﴾﴾ [الحديد: ٢٦-٢٧] .
﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ [الحديد: ٢٧] يعني: الحواريين، وأتباعهم اتبعوا عيسى، رأفة ورحمة يعني: المودة، كانوا متوادين بعضهم لبعض، كما وصف الله تعالى أصحاب محمد ﷺ بقوله: رحماء بينهم، وقوله: ورهبانية ليس بعطف على ما قبله، وانتصابه بفعل مضمر يدل عليه ما بعده، كأنه قال: وابتدعوا رهبانية، أي: جاءوا بها من قبل أنفسهم، وهو قوله: ﴿مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ [الحديد: ٢٧] قال ابن عباس: ما فرضناها عليهم.
وتلك الرهبانية: غلوهم في العبادة، من حمل المشاق على أنفسهم في الامتناع عن المطعم، والمشرب، والملبس، والنكاح، والتعبد في الجبال، ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: ٢٧] حين ضيعوها وكفروا بدين عيسى، حتى أدركوا محمدًا ﷺ فآمنوا به، وهو قوله: ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: ٢٧] الذين تهودوا، وتنصروا.
١١٦٨ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّاهِدُ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْحِيرِيُّ، أنا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، نا شَيْبَانُ، نا الصَّعْقُ بْنُ حَزْنٍ، نا عَقِيلُ بْنُ يَحْيَى الْجَعْدِيُّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيِّ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا ابْنَ مَسْعُودٍ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: اخْتَلَفَ مَنْ كَانَ قَبْلِي عَلَى اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً نَجَا مِنْهَا ثَلاثٌ وَهَلَكَ سَائِرُهُمْ، فِرْقَةٌ وَازَتِ الْمُلُوكَ وَقَاتَلُوهُمْ عَلَى دِينِهِمْ وَدِينِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ اتَّخَذُوهُمْ فَقَتَلُوهُمْ وَقَطَّعُوهُمْ بِالْمَنَاشِيرِ، وَفِرْقَةٌ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ طَاقَةٌ بِمُوَازَاةِ الْمُلُوكِ، وَلا بِأَنْ يُقِيمُوا بَيْنَ ظَهْرَانِيهِمْ، فَيَدْعُونَهُمْ إِلَى دِينِ اللَّهِ وَدِينِ عِيسَى فَسَاحُوا فِي الْبِلادِ وَتَرَهَّبُوا وَهُمُ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ [الحديد: ٢٧] الآية فَقَالَ
[ ٤ / ٢٥٤ ]
النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ آمَنَ بِي وَصَدَّقَنِي وَاتَّبَعَنِي، فَقَدْ رَعَاهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا، وَمَنْ لَمْ يَتَّبِعْنِي فَأُولَئِكَ هُمُ الْهَالِكُونَ» .
رَوَاهُ الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ هَانِئٍ، عَنْ يَحْيَى الشَّهِيدِ، عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنِ الصَّعْقِ.
١١٦٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْغَازِيُّ، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ الزَّاهِدُ، أنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى، نا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى الْمِصْرِيُّ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ سَهْلَ بْنَ أَبِي أُمَامَةَ، حَدَّثَهُ أَنَّهُ دَخَلَ هُوَ وَأَبُوهُ عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ: " لا تَشِدُّوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَيُشَدَّدَ عَلَيْكُمْ، فَإِنَّ قَوْمًا شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، فَشُدِّدَ عَلَيْهِمْ فَتِلْكَ بَقَايَاهُمْ فِي الصَّوَامِعِ وَالدِّيَارَاتِ ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ [الحديد: ٢٧] ".
١١٧٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ الْمِهْرَجَانِيُّ، أنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّاهِدُ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، نا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أنا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، قَالَ: دَخَلَتِ امْرَأَةُ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ عَلَى عَائِشَةَ ﵂، وَهِيَ بَاذَّةُ الْهَيْئَةِ، فَسَأَلَتْهَا: مَا شَأْنُكِ، فَقَالَتْ: زَوْجِي يَقُومُ اللَّيْلَ وَيَصُومُ النَّهَارَ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرَتْ عَائِشَةُ ذَلِكَ لَهُ فَلَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُثْمَانَ، فَقَالَ: يَا عُثْمَانُ «إِنَّ الرَّهْبَانِيَّةَ لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْنَا فَمَا لَكَ فِيَّ أُسْوَةٌ، فَوَاللَّهِ إِنَّ أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ
[ ٤ / ٢٥٥ ]
وَأَحْفَظُكُمْ لِحُدُودِهِ لَأَنَا» .
١١٧١ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، أنا يَحْيَى بْنُ مَنْصُورٍ الْقَاضِي، نا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الْقَاضِي، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ، نا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ زَيْدٍ الْعَمِّيِّ، عَنْ أَبِي إِيَاسٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ رَهْبَانِيَّةً وَرَهْبَانِيَّةُ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» .
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿٢٨﴾ لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴿٢٩﴾﴾ [الحديد: ٢٨-٢٩] .
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [الحديد: ٢٨] الخطاب لأهل الكتابين من اليهود والنصارى، يقول: يأيها الذين آمنوا بموسى وعيسى، اتقوا الله في محمد، وآمنوا به ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ﴾ [الحديد: ٢٨] ضعفين، وأجرين، ونصيبين، من رحمته وذكرنا تفسير الكفل في ﴿[النساء،] وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ [سورة الحديد: ٢٨] يعني: الصراط، كما قال: ﴿نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ [التحريم: ٨] فهذا علامة المؤمنين في القيامة، وهذا قول ابن عباس، ومقاتل، ويجوز أن يكون المعنى: ويجعل لكم سبيلًا واضحًا في الدين تهتدون به، وهذا معنى قول مجاهد: يعني: الهدى والبيان.
وعد الله تعالى لمن آمن من أهل الكتاب أجرين اثنين: أجرًا لإيمانهم بالنبي الأول والكتاب الأول، وأجرًا لإيمانهم بمحمد ﷺ وكتابه، كما قال في موضوع آخر: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ [القصص: ٥٤] .
١١٧٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو إِبْرَاهِيمَ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ الصُّوفِيُّ النَّصْرَابَاذِيُّ، أنا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَامِدٍ، أنا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، نا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، حَدَّثَنِي عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ صَالِحِ بْنِ صَالِحٍ الْهَمْدَانِيِّ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " مَنْ كَانَتْ لَهُ جَارِيَةٌ، فَأَدَّبَهَا فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا وَعَلَّمَهَا،
[ ٤ / ٢٥٦ ]
فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا ثُمَّ أَعْتَقَهَا، فَتَزَوَّجَهَا فَلَهُ أَجْرَانِ، وَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ وَآمَنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَأَيُّمَا مَمْلُوكٍ أَدَّى حَقَّ اللَّهِ وَحَقَّ مَوَالِيهِ، فَلَهُ أَجْرَانِ، قَالَ عَبْدَةُ: قَالَ صَالِحٌ: قَالَ لِي الشَّعْبِيُّ: أَعْطَيْتُكُمَا بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَإِنْ كَانَ الرَّاكِبُ لَيَرْكَبُ فِيمَا دُونَهَا إِلَى الْمَدِينَةِ، رَوَاهُ الْبُخَارِيّ، عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ عَبْدِ الْوَاحِد.
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ هُشَيْمٍ، وَعَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَة، عَنْ عَبْدَةَ بْنِ سُلَيْمَان كُلُّهُمْ عَنْ صَالِحِ بْنِ صَالِحٍ.
ولما نزلت هذه الآية، وآمن من آمن من أهل الكتاب، حسدهم الذين لم يؤمنوا، فأنزل الله تعالى قوله: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ﴾ [الحديد: ٢٩] أي: لأن يعلم، ولا صلة، أهل الكتاب يعني: الذين لم يؤمنوا بمحمد ﷺ، وحسدوا المؤمنين منهم، ﴿أَلا يَقْدِرُونَ﴾ [الحديد: ٢٩] أنهم لا يقدرون، ﴿عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ٢٩] والمعنى: جعلنا الأجرين لمن آمن بمحمد ﷺ، ليعلم الذين لم يؤمنوا أنهم لا أجر لهم، ولا نصيب لهم في فضل الله، ﴿وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الحديد: ٢٩] فآتى المؤمنين منهم أجرين، ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢٩] يتفضل على من يشاء من عباده المؤمنين، وهذه الآية مشكلة ليس للمفسرين، ولا لأهل المعاني فيها بيان ينتهي إليه، ويلقى به بين هذه الآية والتي قبلها، وأقوالهم مختلفة متدافعة، وقد بان واتضح المعنى فيما ذكرنا، والله المحمود.
[ ٤ / ٢٥٧ ]