عشرون وأربع آيات، مدنية.
١١٧٧ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُقْرِئُ، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ بِالْإِسْنَادِ الَّذِي ذَكَرْنَا، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْحَشْرِ لَمْ تَبْقَ جَنَّةٌ وَلا نَارٌ وَلا عَرْشٌ وَلا الْكُرْسِيُّ، وَالْحُجُبُ وَالسَّمَواتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُونَ السَّبْعُ، وَالْهَوَامُّ وَالرِّيَاحُ، وَالطَّيْرُ وَالْجِبَالُ، وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ، وَالشَّمْسُ وَالْمَلائِكَةُ، إِلا صَلَّوْا عَلَيْهِ وَاسْتَغْفَرُوا لَهُ، فَإِنْ مَاتَ مِنْ يَوْمِهِ أَوْ لَيْلَتِهِ كَانَ شَهِيدًا» .
بسم الله الرحمن الرحيم ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿١﴾ هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ ﴿٢﴾ وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ ﴿٣﴾ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴿٤﴾ مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ ﴿٥﴾﴾ [الحشر: ١-٥] .
سبح لله الآية تقدم تفسيرها.
﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [الحشر: ٢] يعني: يهود بني النضير، غدروا بالنبي ﷺ بعد أن عاهدوه، وصاروا عليه مع المشركين يدًا واحدة، فحاصرهم رسول الله ﷺ حتى رضوا بالجلاء، وذكر الله تلك القصة في هذه ال ﴿[، وكان ابن عباس يسمي هذه
[ ٤ / ٢٦٩ ]
السورة سورة بني النضير،] لأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ [سورة الحشر: ٢] كان جلاؤهم ذلك أول حشر إلى الشام، ثم يحشر الخلق يوم القيامة إلى الشام، والنبي ﷺ قال لهم: «اخرجوا» .
قالوا: إلى أين؟ قال: «إلى أرض المحشر» .
وقال الكلبي: إنهم كانوا أول من أجلي من أهل الذمة من جزيرة العرب، ثم أجلي آخرهم زمن عمر ﵁، فكان جلاؤهم أول حشر من المدينة.
ما ظننتم أيها المؤمنون، أن يخرجوا من ديارهم، لعزهم، ومنعتهم، وذلك أنهم كانوا أهل حصون، وعقار، ونخيل كثيرة، وحلقة، وظن بنو النضير أن حصونهم تمنعهم وذلك قوله: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢] أي: من سلطان الله، فأتاهم الله أي: أمر الله وعذابه، ﴿مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ [الحشر: ٢] وهو أنه أمر نبيه ﷺ بقتالهم، وإجلائهم، وكانوا لا يظنون أن ذلك يكون، ولا يحتسبونه، ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ [الحشر: ٢] بقتل سيدهم كعب بن الأشرف، ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحشر: ٢] وذلك: أنهم لما أيقنوا بالجلاء، حسدوا المسلمين أن يسكنوا منازلهم، فجعلوا يخربونها من داخل، والمسلمون من خارج، قال الزجاج: ومعنى تخريبها بأيدي المؤمنين: أنهم عرضوها لذلك.
وقرأه العامة: يخربون من الإخراب، وقرأ أبو عمرو مشددًا من التخريب، وهما واحد مثل فرحته وأفرحته، ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢] معنى الاعتبار: النظر في الأمور ليعرف بها شيء آخر من جنسها، والمعنى: تدبروا وانظروا فيما نزل بهم يا أهل اللب، والعقل، والبصائر.
﴿وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ﴾ [الحشر: ٣] قضى عليهم أنهم يخرجون من أوطانهم إلى الشام وخيبر، ﴿لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا﴾ [الحشر: ٣] بالقتل، والسبي كما فعل بقريظة، ﴿وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ﴾ [الحشر: ٣] مع ما حل بهم في الدنيا، ذلك الذي لحقهم، ﴿بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الحشر: ٤] خالفوهما ولم
[ ٤ / ٢٧٠ ]
يطيعوهما، والآية مفسرة في الأنفال.
قوله: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ [الحشر: ٥] وهي النخل كله ما خلا البرني والعجوة، وجمعها ليان، قال مجاهد: إن بعض المهاجرين وقعوا في قطع النخيل، ونهاهم بعضهم، وقالوا: إنما هي مغانم المسلمين.
وقال الذين قطعوا: بل هو غيظ للعدو.
ونزل القرآن بتصديق من نهى عن القطع، وتحليل من قطعه من الإثم، فقال: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا﴾ [الحشر: ٥] الآية.
١١٧٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أنا عَمْرُو بْنُ مَطَرٍ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيٍّ، نا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أنا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ " حَرَّقَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وَقَطَعَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الحشر: ٥] رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنِ اللَّيْثِ
قال الزجاج: ﴿وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الحشر: ٥] بأن يريهم أموالهم يتحكم فيها المؤمنون كيف أحبوا من قطع، وترك.
والتقدير: وليخزي الفاسقين إذن في ذلك، ودل على هذا المحذوف قوله: فبإذن الله.
قوله: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿٦﴾ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴿٧﴾﴾ [الحشر: ٦-٧] .
﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [الحشر: ٦] أي: رده عليه من مال الكفار، يقال: فاء يفيء إذا رجع، وأفاءه الله منهم من يهود بني النضير، ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ﴾ [الحشر: ٦] يقال: وجف الفرس والبعير يجف وجيفًا وهو: سرعة السير، وأوجفه
[ ٤ / ٢٧١ ]
صاحبه إذا حمله على السير السريع، وقوله: عليه أي: على ما أفاء الله من: ﴿خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ﴾ [الحشر: ٦] وهي الإبل التي تحمل القوم، واحدتها راحلة، قال المفسرون: إن بني النضير لما جلوا عن أوطانهم، وتركوا رباعهم وضياعهم، طلب المسلمون من رسول الله ﷺ أن يخمسها بينهم، كما فعل بغنائم بدر، فأنزل الله تعالى هذه الآية، يبين أنها في إذا لم يوجف المسلمون عليه خيلا ولا ركابًا، ولم يقطعوا إليه مسافة، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ [الحشر: ٦] فجعل الله تعالى أموال بني النضير لرسوله خاصة، يفعل فيها ما يشاء، فقسمها رسول الله ﷺ بين المهاجرين، ولم يعط الأنصار شيئا منها، إلا ثلاثة نفر كانت بهم حاجة وهم: أبو دجانة، وسهل بن حنيف، والحارث بن الصمة.
ثم ذكر حكم الفيء، فقال: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [الحشر: ٧] الآية، من أموال كفار أهل القرى، فلله يأمركم فيه بما أحب، ولرسوله بتمليك الله إياه، ولذي القربى يعني: بني هاشم وبني المطلب، لأنهم قد منعوا الصدقة، فجعل لهم حق في الفيء، ﴿وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الحشر: ٧] أربعة أخماسه لرسول الله ﷺ، والباقي لهؤلاء الذي ذكرهم الله تعالى، ﴿كَيْ لا يَكُونَ﴾ [الحشر: ٧] الفيء، دُولَةً وهي: اسم للشيء يتداوله القوم بينهم، يكون لهذا مرة، ولهذا مرة، ﴿بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧] يعني: الرؤساء يعمل فيه كما كان يعمل في الجاهلية، قال مقاتل: يغلب الأغنياء الفقراء، فيقسمونه بينهم.
ثم قال للرؤساء: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ﴾ [الحشر: ٧] من الفيء، فخذوه فهو لكم حلال، وما نهاكم عن أخذه، فانتهوا وهذا نازل في أمر الفيء، ثم هو عام في كل ما أمر به النبي ﷺ ونهى عنه، واتقوا الله في أمر الفيء، ﴿إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٧] .
ثم بين من المساكين الذين لهم الحق، بقوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ﴿٨﴾ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿٩﴾ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴿١٠﴾﴾ [الحشر: ٨-١٠] .
[ ٤ / ٢٧٢ ]
﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ [الحشر: ٨] يعني: أن كفار مكة أخرجوهم، ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٨] رزقًا يأتيهم، ورضوانًا رضا ربهم حين خرجوا إلى دار الهجرة، ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر: ٨] في إيمانهم.
ثم مدح الأنصار حين طابت أنفسهم عن الفيء، فقال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ﴾ [الحشر: ٩] يعني: المدينة، وهي دار الهجرة، تبوأها الأنصار قبل المهاجرين، وتقدير الآية: والذين تبوءوا الدار من قبلهم والإيمان، لأن الأنصار لم يؤمنوا قبل المهاجرين، وعطف الإيمان على الدار في الظاهر لا في المعنى، لأن الإيمان ليس بمكان يتبوأ، والتقدير: وآثروا الإيمان، أو اعتقدوا الإيمان، ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ [الحشر: ٩] لأنهم أحسنوا إلى المهاجرين، وأشركوهم في أموالهم ومساكنهم، ﴿وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾ [الحشر: ٩] أي: حسدًا، وحزازة مما أوتي المهاجرين دونهم، ويؤثرون المهاجرين، على أنفسهم بأموالهم ومنازلهم، ﴿وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] فقر وحاجة، بين الله تعالى أن إيثارهم لم يكن عن غنى وعن مال، ولكن كان حاجة، وكان ذلك أعظم لأجرهم.
١١٧٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمُقْرِي، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ الشَّيْبَانِيُّ، أنا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، أنا مَحْمُودُ بْنُ خِدَاشٍ وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: مَا أَخَذْتُ بِيَدِي مِيزَانًا قَطُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيُّ، نا الْفُضَيْلُ بْنُ غَزْوَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: " جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَقَدْ أَصَابَهُ الْجَهْدُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي جَائِعٌ فَأَطْعِمْنِي فَبَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى أَزْوَاجِهِ، هَلْ عِنْدَكُنَّ شَيْءٌ، فَكُلُّهُنَّ قُلْنَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا عِنْدَنَا إِلا الْمَاءُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ مَا يُطْعِمُكَ هَذِهِ اللَّيْلَةَ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ يُضِيفُ هَذَا هَذِهِ اللَّيْلَةَ ﵀؟ فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَتَى بِهِ مَنْزِلَهُ، فَقَالَ لِأَهْلِهِ: هَذَا ضَيْفُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأكْرِمِيهِ وَلا تَدَّخِرِي عَنْهُ شَيْئًا، فَقَالَتْ: مَا عِنْدَنَا إِلا قُوتُ الصِّبْيَةِ، فَقَالَ: قُومِي فَعَلِّلِيهِمْ عَنْ قُوتِهِمْ حَتَّى يَنَامُوا وَلا يَطْعَمُوا شَيْئًا، ثُمَّ أَسْرِجِي وَابْرُزِي، فَإِذَا أَخَذَ الضَّيْفُ لِيَأْكُلَ قُومِي كَأَنَّكَ تُصْلِحِينَ السِّرَاجَ، فَأَطْفِئِيهِ وَتَعَالَيْ نَمْضُغُ أَلْسِنَتَنَا لِضَيْفِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى يَشْبَعَ، فَقَامَتْ إِلَى الصِّبْيَةِ فَعَلَّلَتْهُمْ حَتَّى نَامُوا عَنْ قُوتِهِمْ، ثُمَّ قَامَتْ وَخَرَجَتْ، فَلَمَّا أَخَذَ الضَّيْفُ لِيَأْكُلَ قَامَتْ كَأَنَّهَا تُصْلِحُ السِّرَاجَ، فَأَطْفَأَتْهُ وَجَعَلا يَمْضُغَانِ أَلْسِنَتَهُمَا، فَظَنَّ الضَّيْفُ أَنَّهُمَا يَأْكُلانِ مَعَهُ حَتَّى شَبِعَ، وَبَاتَا طَاوِيَيْنِ، فَلَمَّا أَصْبَحَا غَدَوْا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِمَا تَبَسَّمَ، ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ عَجِبَ اللَّهُ مِنْ فُلانٍ وَفُلانَةٍ هَذِهِ اللَّيْلَةَ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] "
وقال داود بن أبي هند: كان أنس بن مالك يحلف بالله ﷿: ما في الأنصار بخيل، ويقرأ هذه
[ ٤ / ٢٧٣ ]
الآية: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] .
وقوله: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ [الحشر: ٩] قال مقاتل: حرص نفسه.
وقال أبو زيد: من لم يأخذ شيئًا نهاه الله عنه، ولم يمنع شيئًا أمره الله بأدائه، فقد وقي شح نفسه.
وقال سعيد بن جبير: شح النفس هو أخذ الحرام، ومنع الزكاة.
وجاء رجل إلى عبد الله بن مسعود، فقال: لقد خفت ألا تصيبني هذه الآية: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] والله أقدر أن أعطي شيئًا أطيق منعه.
فقال عبد الله: إنما ذلك البخل، وبئس الشيء البخل، ولكن الشح أن تأخذ مال أخيك بغير حقه.
١١٨٠ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْوَاعِظُ، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، نا مَحْمُودُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْوَاسِطِيُّ، نا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، أنا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ حُصَيْنِ بْنِ اللَّجْلاجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لا يَجْتَمِعُ الشُّحُّ وَالْإِيمَانُ فِي قَلْبِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ، وَلا يَجْتَمِعُ غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَدُخَانُ جَهَنَّمَ فِي جَوْفِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ» .
١١٨١ - أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، أنا أَبُو خَلِيفَةَ، نا الْحَوْضِيُّ، نا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالظُّلْمَ، فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْفُحْشَ، فَإِنَّ اللَّهَ يَبْغَضُ الْفَاحِشَ، وَإِيَّاكُمْ وَالشُّحَّ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالشُّحِّ، أَمَرَهُمْ
[ ٤ / ٢٧٤ ]
بِالْبُخْلِ فَبَخِلُوا، وَأَمَرَهُمْ بِالْقَطِيعَةِ فَقَطَعُوا وَأَمَرَهُمْ بِالْفُجُورِ فَفَجَرُوا» .
قال المفسرون: يعني: أن الأنصار ممن وقي الشح، حين طابت أنفسهم عن الفيء.
قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ١٠] يعني: التابعين، وهم الذين يجيئون بعد المهاجرين والأنصار إلى يوم القيامة، ثم ذكر أنهم يدعون لأنفسهم، ولمن سبقهم بالإيمان بالمغفرة، بقوله: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر: ١٠] أي: غشًا وحسدًا وبغضًا، فكل من لم يترحم على جميع أصحاب رسول الله ﷺ، وكان في قلبه غل على أحد منهم، فإنه ليس ممن عناه الله بهذه الآية، لأن الله تعالى رتب المؤمنين على ثلاث منازل: المهاجرين، والأنصار، والتابعين الموصوفين بما ذكر، فمن لم يكن من التابعين بهذه الصفة، كان خارجًا عن أقسام المؤمنين.
١١٨٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَارِثِيُّ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ أَبُو دَاوُدَ، نا أَبُو عُتْبَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ حُمَيْدٍ، قَالَ: سَمِعَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَجُلًا يَنَالُ مِنْ بَعْضِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَمِنَ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ أَنْتَ؟ قَالَ: لا، قَالَ: أَمِنَ الْأَنْصَارِ أَنْتَ؟، قَالَ: لا، قَالَ: فَأَنَا أَشْهَدُ أَنَّكَ لَسْتَ مِنَ التَّابِعِينَ بِإِحْسَانٍ.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴿١١﴾ لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ ﴿١٢﴾ لأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ﴿١٣﴾ لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ ﴿١٤﴾ كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿١٥﴾ كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ﴿١٦﴾ فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ ﴿١٧﴾﴾ [الحشر: ١١-١٧] .
قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ [الحشر: ١١] يعني: عبد الله بن أبيّ وأصحابه، ﴿يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ﴾ [الحشر: ١١] أي: في الدين، لأنهم
[ ٤ / ٢٧٥ ]
كفار مثلهم، وهم اليهود، وهو قوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ﴾ [الحشر: ١١] أي: من المدينة، ﴿لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ﴾ [الحشر: ١١] في خذلانكم، أحدًا أبدًا ووعدوهم النصر، بقولهم: ﴿وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾ [الحشر: ١١] وكذبهم الله تعالى في ذلك بقوله: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الحشر: ١١] .
ثم ذكر أنهم يخلفونهم ما وعدوهم من الخروج والنصر، بقوله: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ﴾ [الحشر: ١٢] فكان الأمر على ما ذكره الله تعالى، لأنهم أخرجوا من ديارهم، فلم يخرج معهم المنافقون، وقوتلوا فلم ينصروهم، أظهر الله كذبهم، وبان صدق ما قال الله، وقوله: ﴿وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ﴾ [الحشر: ١٢] معناه: ولئن قدر وجود نصرهم، لأن ما نفاه الله لا يجوز وجوده، قال الزجاج: معناه: لو قصدوا نصر اليهود، لولوا الأدبار منهزمين، ثم لا ينصرون.
يعني: ابن النضير لا يصيرون منصورين، إذا انهزموا ناصروهم.
لأنتم أيها المؤمنون، ﴿أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ﴾ [الحشر: ١٣] قال ابن عباس: هم منكم أشد خوفًا منهم من الله.
ذلك الخوف الذي لهم منكم من أجل، ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ [الحشر: ١٣] عظمة الله.
ثم أخبر عن اليهود، فقال: ﴿لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ﴾ [الحشر: ١٤] أي: لا يبرزون لحربكم، إنما يقاتلون متحصنين بالقرى والجدران، وهو قوله: ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ [الحشر: ١٤] ومن قرأ جدار فالمراد بالإفراد الجمع أيضًا، لأنه يعلم أنهم لا يقاتلونهم من وراء جدار واحد، ﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾ [الحشر: ١٤] بعضهم فظ على بعض، وبينهم مخالفة وعداوة، وهو قوله: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر: ١٤] أي: أنهم مختلفون، لا تستوي قلوبهم ونياتهم، لأن الله خذلهم، ذلك أي: ذلك الاختلاف، ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ [الحشر: ١٤] ما فيه الحظ لهم.
ثم ضرب لليهود مثلًا، فقال: كمثل الذين أي: مثلهم، ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا﴾ [الحشر: ١٥] يعني: مشركي مكة، ﴿ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾ [الحشر: ١٥] يعني: القتل ببدر، وكان ذلك قبل غزوة بني النضير بستة أشهر، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الحشر: ١٥] في الآخرة.
ثم ضرب لليهود والمنافقين مثلًا، فقال: كمثل الشيطان أي: مثل المنافقين في غرورهم بني النضير وخذلانهم، ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنْسَانِ اكْفُرْ﴾ [الحشر: ١٦] وهو عابد في بني إسرائيل ذكر ابن عباس قصته، فقال: كان في بني إسرائيل عابد، عَبَدَ الله زمانًا من الدهر، حتى كان يؤتي بالمجانين يداويهم، ويعودهم فيبرأون على يده، وإنه أتى
[ ٤ / ٢٧٦ ]
بامرأة في شرف قد جنت، وكان لها إخوة فأتوه بها، فكانت عنده، فلم يزل به الشيطان يزين له حتى وقع عليها، فحملت، فلما استبان حملها، قتلها ودفنها، فلما فعل ذلك ذهب الشيطان حتى لقي أحد إخوتها، فأخبره بالذي فعل الراهب، وأنه دفنها في مكان كذا وكذا، ثم أتى بقية إخوانها رجلًا رجلًا، فذكر ذلك فجعل الرجل يلقى أخاه، فيقول: والله لقد أتاني آت ذكر لي شيئًا يكبر عليّ ذكره.
فذكر بعضهم لبعض حتى بلغ ذلك ملكهم، فسار الملك والناس فاستنزلوه، فأقر لهم بالذي فعل، فأمر به فصلب، فلما رفع على خشبة، تمثل له الشيطان، فقال: أنا الذي زينت لك هذه الفتنة، وألقيتك فيها، وهل أنت مطيعي فيما أقول لك أخلصك مما أنت فيه؟ قال: نعم.
قال: اسجد لي سجدة واحدة.
قال: فسجد له وقتل الرجل.
فهو قوله: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ﴾ [الحشر: ١٦] تبرأ منه الشيطان، وهو قوله: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الحشر: ١٦] ذكرنا تفسيره في ﴿[الأنفال، ضرب الله هذه القصة مثلًا لبني النضير، حين اغتروا بالمنافقين، ثم تبرءوا منهم عند الشدة، وأسلموهم.
ثم ذكر أنهما صارا إلى النار، بقوله: فكان عاقبتهما أي: عاقبة الشيطان وذلك الإنسان،] أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة الحشر: ١٧] قال مقاتل: يعني: فكان عاقبة المنافقين واليهود أن صاروا إلى النار، وذلك جزاؤهم.
ثم رجع إلى موعظة المؤمنين، فقال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴿١٨﴾ وَلا
[ ٤ / ٢٧٧ ]
تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴿١٩﴾ لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ ﴿٢٠﴾﴾ [الحشر: ١٨-٢٠] .
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: ١٨] يعني: ليوم القيامة، والمعنى: ينظر أحدكم أيش قدم ليوم القيامة لنفسه أعملًا صالحًا ينجيه؟ أم سيئًا يوبقه؟ ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ﴾ [الحشر: ١٩] تركوا أمر الله، فأنساهم أنفسهم حظوظ أنفسهم، حتى لم يعملوا بطاعة الله، ولم يقدموا كذلك خيرًا، قال ابن عباس: يريد: قريظة، والنضير، وبني قينقاع.
وهو قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الحشر: ١٩] .
ثم ذكر فضيلة أصحاب الجنة بالآية التي بعد هذه.
﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴿٢١﴾ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ﴿٢٢﴾ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿٢٣﴾ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿٢٤﴾﴾ [الحشر: ٢١-٢٤] .
قوله: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلٍ﴾ [الحشر: ٢١] الآية، أخبر الله تعالى أن من شأن القرآن وعظمته وبيانه، أنه لو جعل في الجبل تمييز، وأنزل عليه القرآن، لخشع وتشقق من خشية الله، والمعنى: أن الجبل على قساوته وصلابته، يتشقق من خشية الله، وحذرًا من أن لا يؤدي حق الله في تعظيم القرآن، والكافر مستخف بحقه، معرض عما فيه من العبر كأن لم يسمعها، وهذا وصف للكافر بالقسوة، حيث لم يلن قلبه لمواعظ القرآن، الذي لو نزل على جبل لخشع، وهذا تمثيل يدل على ذلك قوله: ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ
[ ٤ / ٢٧٨ ]
يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: ٢١] .
ثم أخبر بربوبيته وعظمته، فقال: هو الله وتفسير هذا سبق فيما تقدم، إلى قوله: القدوس وهو الطاهر من كل عيب، المنزه عما لا يليق به، السلام الذي سلم من النقص والعيب، المؤمن الذي أمن أولياءه عذابه، المهيمن الشهيد على عباده بأعمالهم، وهو قول قتادة، ومجاهد، ومقاتل، يقال: هيمن يهيمن فهو مهيمن.
إذا كان رقيبًا على الشيء، وذهب كثير من المفسرين إلى أنه: مؤيمن على الأصل من آمن يؤمن، فيكون بمعنى: المؤمن، وذكرنا هذا فيما تقدم، الجبار العظيم، وجبروت الله عظمته، والعرب تسمى الملك: الجبار العظيم، ويجوز أن يكون فعالًا من جبر، إذا أغنى الفقير، وأصلح الكسير، يجوز أن يكون من جبره على كذا، إذا أكرهه على ما أراد، وهو قول السدي، ومقاتل، قالا: هو الذي يقهر الناس، ويجبرهم على ما أراد.
وهو اختيار الزجاج، ﴿الْمُتَكَبِّرُ﴾ [الحشر: ٢٣] قال قتادة: الذي تكبر على كل سوء.
وقال ابن الأنباري: المتكبر: ذو الكبرياء وهو الملك.
وقال أهل المعاني: المتكبر في صفة الله تعالى الكبير.
والعرب تضع تفعل في موضوع فعل، مثل: تظلم بمعنى ظلم، وتشتم بمعنى: شتم، والباقي إلى آخر السورة تقدم تفسيره فيما سبق.
[ ٤ / ٢٧٩ ]
١١٨٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ الْحَافِظُ، أنا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَهْدِيٍّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حَمْزَةَ بْنِ صَالِحٍ الأَنْطَاكِيُّ، نا أَحْمَدُ بْنُ نَجْدَةَ، نا أَبُو الْمُغِيرَةِ عَبْدُ الْقُدُّوسِ بْنُ الْحَجَّاجِ، نا يَحْيَى بْنُ ثَعْلَبَةَ، حَدَّثَنِي الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اسْمُ اللَّهِ الْأَعْظَمِ فِي سِتِّ آيَاتٍ فِي آخِرِ سُورَةِ الْحَشْرِ» .
[ ٤ / ٢٨٠ ]