وهي ستون آية، مكية.
٨٨١ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُقْرِئُ، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَرِيكٍ، نا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نا سَلامُ بْنُ سُلَيْمٍ، نا هَارُونُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الذَّارِيَاتِ أُعْطِيَ مِنَ الْأَجْرِ عَشْرُ حَسَنَاتٍ بِعَدِدِ كُلِّ رِيحٍ هَبَّتْ وَجَرَتْ فِي الدُّنْيَا»
بسم الله الرحمن الرحيم.
﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا ﴿١﴾ فَالْحَامِلاتِ وِقْرًا ﴿٢﴾ فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا ﴿٣﴾ فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا ﴿٤﴾ إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ ﴿٥﴾ وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ ﴿٦﴾﴾ [الذاريات: ١-٦] .
والذاريات ذروا يعني: الرياح تذرو التراب، وهشيم النبات، أي: تفرقه وهي مخفوضة على القسم.
فالحاملات وقرًا يعني: السحاب يحمل ثقلًا من الماء.
فالجاريات يسرًا يعني: السفن تجري ميسرة في الماء، جريًا سهلًا.
فالمقسمات أمرًا يعني: الملائكة يقسمون الأمر بين الخلق على ما أمروا به، أقسم الله تعالى بهذه الأشياء، لما فيها من الدلالة على صنيعه وقدرته.
ثم ذكر المقسم عليه، فقال: إنما توعدون أي: من الثواب والعقاب، ﴿لَصَادِقٌ ﴿٥﴾ وَإِنَّ الدِّينَ﴾ [الذاريات: ٥-٦] الجزاء، لواقع لكائن.
﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ ﴿٧﴾ إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ ﴿٨﴾ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ ﴿٩﴾ قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ ﴿١٠﴾ الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ ﴿١١﴾ يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ ﴿١٢﴾ يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ ﴿١٣﴾ ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ ﴿١٤﴾﴾ [الذاريات: ٧-١٤] .
[ ٤ / ١٧٣ ]
﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ [الذاريات: ٧] ذات الخلق الحسن المستوي، هذا قول الأكثرين، وروى معمر، عن قتادة: ذات الخلق الشديد.
وقال مقاتل، والكلبي: ذات الطرائق، كحبك الماء إذا ضربته الريح، وحبك الرمل، والشعر، الجعد.
ولكنا لا نرى تلك الحبك، لبعدها عنا.
ثم ذكر جواب القسم، فقال: إنكم يا أهل مكة: ﴿لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾ [الذاريات: ٨] في محمد ﷺ بعضكم يقول: شاعر، وبعضكم يقول: مجنون.
وفي القرآن تقولون: إنه سحر، وكهانة، ورجز، وما سطره الأولون.
﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ [الذاريات: ٩] يصرف عن الإيمان به من صرف، حتى يكذب به، يعني: من حرمه الله تعالى الإيمان بمحمد ﷺ والقرآن.
قوله: قتل الخراصون قالوا جميعًا: لعن الكذابون.
قال ابن الأنباري: والقتل إذا أخبر عن الله به كان بمعنى اللعنة، لأن من لعنه الله كان بمنزلة المقتول الهالك.
وقال الزجاج: الخراصون هم الكذابون، يقال: قد تخرص على فلان الباطل.
قال الفراء: هم الذين، قالوا: محمد شاعر كذاب، مجنون، ساحر، خرصوا ما لا علم لهم به.
﴿الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ﴾ [الذاريات: ١١] غفلة وعمي، وجهالة عن أمر الآخرة، ساهون لاهون غافلون، والسهو: الغفلة عن الشيء، وذهاب القلب عنه.
﴿يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الذاريات: ١٢] يقولون: يا محمد متى يوم الجزاء؟ تكذيبًا منهم، واستهزاء.
ثم أخبر عن ذلك اليوم، فقال: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: ١٣] يحرقون، ويعذبون بها، قال عكرمة: ألم تر أن الذهب إذا أدخل في النار، قيل: فتن؟ وتقول لهم خزنة النار: ذوقوا فتنتكم حريقكم، وعذابكم.
﴿هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الذاريات: ١٤] في الدنيا تكذيبًا به.
ثم أعلم ما لأهل الجنة عنده، فقال: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ﴿١٥﴾ آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ ﴿١٦﴾ كَانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ﴿١٧﴾ وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴿١٨﴾ وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴿١٩﴾ وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ ﴿٢٠﴾ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ ﴿٢١﴾ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ﴿٢٢﴾ فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ ﴿٢٣﴾﴾ [الذاريات: ١٥-٢٣] .
[ ٤ / ١٧٤ ]
﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ﴿١٥﴾ آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾ [الذاريات: ١٥-١٦] ما أعطاهم ربهم من الخير والكرامة، ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ﴾ [الذاريات: ١٦] يعني: في الدنيا، محسنين في أعمالهم.
ثم ذكر إحسانهم، فقال: ﴿كَانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: ١٧] الهجوع: النوم بالليل دون النهار، وما صلة، والمعنى: كانوا يهجعون قليلًا من الليل، يصلون أكثر الليل، قال عطاء: وذلك حين أمروا بقيام الليل، ثم نزلت الرخصة.
ويجوز أن يكون المعنى: كان الليل الذي ينامون فيه كله قليلًا، ويكون الليل اسمًا للجنس، وهذا معنى قول سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كانوا قل ليلة تمر بهم إلا صلوا فيها.
وقال مطرف بن الشخير: قل ليلة أتت عليهم هجعوها كلها.
وقال مجاهد: كانوا لا ينامون كل الليل.
واختار قوم الوقف على قوله: قليلًا على معنى: كانوا من الناس قليلًا، وهو قول الضحاك، ومقاتل، ثم ابتدأ فقال: ﴿مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: ١٧] وهذا على نفي النوم عنهم البتة، قال عطاء: المراد بهؤلاء القليل: يمانون من نصارى نجران، والشام آمنوا بمحمد ﷺ وصدقوه.
﴿وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٨] قال الحسن: مدوا الصلاة إلى الأسحار، ثم أخذوا في الأسحار بالاستغفار.
وقال الكلبي، ومقاتل، ومجاهد: وبالأسحار هم يصلون، وذلك أن صلاتهم بالأسحار طلب منهم للمغفرة.
ثم ذكر صدقاتهم، فقال: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٩] وهو الذي ليس له في الغنيمة سهم، ولا يجري عليه من الفيء شيء، ومعناه في اللغة: الذي منع الخير والعطاء، وقال قتادة، والزهري: هو المتعفف الذي لا يسأل.
وقد ذكر النبي ﷺ الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يقطن بحاجته فيتصدق عليه.
قوله: ﴿وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ [الذاريات: ٢٠] يعني: ما فيها من الجبال، والبحار، والأشجار، والأنهار، والثمار، والنبت عامًا بعام، ففيها آيات للموقنين
[ ٤ / ١٧٥ ]
بالله، يعرفونه بصنعه.
وفي أنفسكم آيات، إذ كانت نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظمًا إلى أن نفخ فيها الروح، وقال عطاء، عن ابن عباس: يريد اختلاف الألسنة، والصور، والألوان، والطبايع.
وقال ابن الزبير: يعني: سبيل الخلاء والبول، يأكل ويشرب من مدخل واحد، ويخرج من سبيلين.
وتم الكلام، ثم عنفهم، فقال: أفلا تبصرون قال مقاتل: أفلا تبصرون كيف خلقكم، فتعرفون قدرته على البعث.
قوله: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ﴾ [الذاريات: ٢٢] قال ابن عباس، ومقاتل، ومجاهد: يعني: المطر الذي هو سبب الأرزاق.
وما توعدون قال عطاء: من الثواب والعقاب.
وقال الكلبي: من الخير والشر.
وقال مجاهد: الجنة والنار.
ثم أقسم الرب ﷿ بنفسه، فقال: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [الذاريات: ٢٣] قال الكلبي: يعني: ما قص في الكتاب كائن.
وقال الزجاج: وهو ما ذكر من أمر الرزق، والآيات.
وقال مقاتل: يعني: أمر الساعة.
﴿مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ [الذاريات: ٢٣] من قرأ بالرفع فهو من صفة الحق، ومن نصب جعل: مثل مع ما: بمنزلة شيء واحد، ذكر ذلك أبو عثمان المازني، وأبو علي الفارسي، قال: ومثله قول حميد:
وويحًا لمن لم يدر ما هن ويحما
فبنى ويح مع ما، ولم يلحقه التنوين، وقال الفراء: من نصب مثل مع ما، جعله في مذهبه مصدرًا،
[ ٤ / ١٧٦ ]
كقولك: إنه لحق حقًا، ويجوز ذلك.
قال الزجاج: والمعنى: إنه لحق كما أنكم تنطقون.
شبه الله تعالى تحقق ما أخبر عنه، بتحقيق نطق الآدمي ووجوده، وهذا كما يقول: إنه لحق كما أنك تقول ههنا، وإنه لحق كما أنك تتكلم، والمعنى: أنه في صدقه ووجوده كالذي تعرفه ضرورة.
قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ ﴿٢٤﴾ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ ﴿٢٥﴾ فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ ﴿٢٦﴾ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ ﴿٢٧﴾ فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ ﴿٢٨﴾ فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ ﴿٢٩﴾﴾ [الذاريات: ٢٤-٢٩] .
هل أتاك قال ابن عباس، ومقاتل: يريد: قد أتاك، ولم يكن إذ ذاك أتاه.
﴿حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [الذاريات: ٢٤] يعني: عند الله، وذلك أنهم كانوا ملائكة كرامًا، وقد قال الله تعالى في صفتهم: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦]، وذكر ابن عباس أسماءهم، فقال: يريد: إسرافيل، وجبريل، وميكائيل.
وقال مقاتل: أكرمهم إبراهيم، فأحسن القيام، وكان لا يقوم على رأس ضيف، فلما رأى هيأتهم حسنة، قام هو وامرأته سارة لخدمتهم.
وقال الكلبي، أكرمهم بالعجل.
٨٨٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، أنا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، نا أَبُو يَحْيَى زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى، نا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، أَنَّهُ سَمِعَ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرٍ يُخْبِرُ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، فَلْيُحْسِنْ إِلَى جَارِهِ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَسْكُتْ»
[ ٤ / ١٧٧ ]
﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ﴾ [الذاريات: ٢٥] مفسر في ﴿[هود، قوم منكرون قال ابن عباس: قال في نفسه: هؤلاء قوم لا نعرفهم، وذلك أنه ظنهم من الإنس، ولم يعرفهم.
] فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [سورة الذاريات: ٢٦] أي: عدل ومال إلى سارة، ﴿فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ [الذاريات: ٢٦] وكان مشويًا، لأنه قال في آية أخرى: بعجل حنيذ.
﴿فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ﴾ [الذاريات: ٢٧] ليأكلوا، فلم يأكلوا، ﴿فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ﴾ [الصافات: ٩١] وما بعد هذا مفسر إلى قوله: ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ﴾ [الذاريات: ٢٩] في ضجة وصيحة، أي: أخذت تولول، كما قال: ﴿قَالَتْ يَا وَيْلَتَا﴾ [هود: ٧٢]، فصكت وجهها قال مقاتل، والكلبي: جمعت أصابعها، فضربت جبينها تعجبًا.
ومعنى الصك: ضرب الشيء بالشيء العريض، ﴿وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ [الذاريات: ٢٩] أي: إني عجوز عقيم، فكيف ألد؟ كما: ﴿قَالَتْ يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ﴾ [هود: ٧٢] .
﴿قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ ﴿٣٠﴾ قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ ﴿٣١﴾ قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ ﴿٣٢﴾ لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ ﴿٣٣﴾ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ ﴿٣٤﴾ فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿٣٥﴾ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴿٣٦﴾ وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الأَلِيمَ ﴿٣٧﴾﴾ [الذاريات: ٣٠-٣٧] .
﴿قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ﴾ [الذاريات: ٣٠] أي: كما قلنا لك، قال ربك: إنك ستلدين غلامًا.
وما بعد هذا مفسر فيما تقدم إلى قوله: للمسرفين قال ابن عباس، ومقاتل: للمشركين.
والشرك أسرف الذنوب، وأعظمها.
﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا﴾ [الذاريات: ٣٥] يعني: في قرى قوم لوط، من المؤمنين وذلك قوله: فأسر بأهلك الآية، وهو أن الله تعالى أمر لوطًا بأن يخرج هو ومن معه المؤمنين، لئلا يصيبهم العذاب.
﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ﴾ [الذاريات: ٣٦] غير أهل بيت، من المسلمين يعني: لوطًا وبنتيه، وصفهم الله تعالى بالإيمان والإسلام جميعًا، لأنه ما من مؤمن إلا وهو مسلم.
وتركنا فيها في مدينة قوم لوط، آية علامة للخائفين، تدلهم على أن الله أهلكهم، فيخافون مثل عذابهم.
﴿وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ﴿٣٨﴾ فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ﴿٣٩﴾ فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ ﴿٤٠﴾﴾ [الذاريات: ٣٨-٤٠] .
[ ٤ / ١٧٨ ]
وفي موسى أيضًا، ﴿إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [الذاريات: ٣٨] بحجة ظاهرة، وهي العصا.
فتولى بركنه أي: بجمعه، وجنده الذي كان يتقوى بهم، كالركن الذي يقوى البنيان، والباء في بركنه للتعدية، أي: جعلهم يتولون، وقال لموسى، ﴿سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ﴿٣٩﴾ فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ [الذاريات: ٣٩-٤٠] فطرحناهم في البحر، يعني: حين أغرقهم، وهو مليم أتى ما يلام عليه، حين ادعى الربوبية، وكذب الرسول.
﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ ﴿٤١﴾ مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ ﴿٤٢﴾ وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ ﴿٤٣﴾ فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ ﴿٤٤﴾ فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ ﴿٤٥﴾ وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ ﴿٤٦﴾﴾ [الذاريات: ٤١-٤٦] .
وفي عاد أيضًا آية، أي: في إهلاكهم، وهو قوله: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ [الذاريات: ٤١] وهي التي لا خير فيها، ولا بركة: لا تلقح شجرًا، ولا تحمل مطرًا، إنما هي ريح الإهلاك.
ثم وصفها، فقال: ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ﴾ [الذاريات: ٤٢] من أنفسهم، وأنعامهم، وأموالهم، ﴿إِلا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ [الذاريات: ٤٢] كالشيء الهالك البالي، وهو نبات الأرض إذا يبس وديس.
وفي ثمود أيضًا، ﴿إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا﴾ [الذاريات: ٤٣] وذلك أنهم لما عقروا الناقة، قال لهم صالح: تمتعوا ثلاثة أيام.
وهو قوله: ﴿تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ﴾ [الذاريات: ٤٣] .
فأخذتهم الصاعقة بعد مضي الأيام الثلاثة، وهي: الموت في قول ابن عباس، وقال مقاتل: يعني: العذاب.
والصاعقة: كل عذاب مهلك، وقرأ الكسائي: الصعقة وهو الصوت الذي يكون عن الصاعقة، وهم ينظرون يرون ذلك عيانًا.
﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ﴾ [الذاريات: ٤٥] قال قتادة: من نهوض.
يعني: لم ينهضوا من تلك الصرعة، ﴿وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ﴾ [الذاريات: ٤٥] ممتنعين من العذاب.
﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾ [الذاريات: ٤٦] نصبه بالحمل على المعنى، وهو: أن قوله: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ [الذاريات: ٤٠] يدل على إغراقهم، فكأنه قال: فأغرقناهم، أغرقنا قوم نوح من قبل، أي: من قبل هؤلاء، ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [الذاريات: ٤٦] عاصين، خارجين عن أمر الله.
[ ٤ / ١٧٩ ]
﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ﴿٤٧﴾ وَالأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ ﴿٤٨﴾ وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴿٤٩﴾ فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴿٥٠﴾ وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴿٥١﴾﴾ [الذاريات: ٤٧-٥١] .
﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات: ٤٧] بقدرة وقوة، ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات: ٤٧] لذو سعة لخلقنا، والمعنى: قادرون على رزقهم، لا نعجز عنه، والموسع ذو الوسع والسعة، وهو: الغنى والجدة.
والأرض فرشناها بسطناها، فنعم الماهدون نحن، قال ابن عباس: نعم ما وطأت لعبادي.
﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ [الذاريات: ٤٩] صنفين، ونوعين: كالبحر والبر، والحلو والمر، الشمس والقمر، والسماء والأرض، والنور والظلمة، ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات: ٤٩] فتعلموا أن خالق الأزواج فرد.
﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الذاريات: ٥٠] بالتوبة من ذنوبكم، والمعنى: فروا من الكفر والعصيان، إلى الطاعة والإيمان، ﴿إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ﴾ [الذاريات: ٥٠] من الله، نذير مبين أنذركم العقاب على الكفر والمعصية.
﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ﴿٥٢﴾ أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ ﴿٥٣﴾ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ ﴿٥٤﴾ وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ﴿٥٥﴾﴾ [الذاريات: ٥٢-٥٥] .
كذلك أي: الأمر كذلك، وهو أنه: ﴿مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الذاريات: ٥٢] من قبل كفار مكة، ﴿مِنْ رَسُولٍ إِلا قَالُوا﴾ [الذاريات: ٥٢] هو: ﴿سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات: ٥٢] .
يقول الله تعالى: أتواصوا أوصى أولهم آخرهم بالتكذيب، والاستفهام للتوبيخ، ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ﴾ [الذاريات: ٥٣] يعني: أهل مكة، طاغون قال ابن عباس: حملهم الطغيان فيما أعطيتهم، ووسعت عليهم، على تكذيبك.
فتول عنهم أعرض عن هؤلاء المشركين، فقد بلغت وأنذرت، وهو قوله: ﴿فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾ [الذاريات: ٥٤] لا لوم عليك إذا أديت الرسالة، قال ابن عباس، والمفسرون: لما نزلت هذه الآية حزن رسول الله ﷺ والمؤمنون، وظنوا أن الوحي قد انقطع، وأن العذاب قد حضر، حتى نزلت الآية الثانية.
٨٨٣ - أَخْبَرَنَا الْمُفَضَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، أنا جَدِّي الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، أنا أَبُو خَلِيفَةَ الْجُمَحِيُّ، نا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: خَرَجَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ مُعْتَمًّا مُشْتَمِلًا فِي قَمِيصِهِ، فَقَالَ: لَمَّا
[ ٤ / ١٨٠ ]
نَزَلَتْ ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾ [الذاريات: ٥٤] لَمْ يَبْقَ مِنَّا أَحَدٌ إِلا أَيْقَنَ بِالْهَلَكَةِ إِذْ أُمِرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَتَوَلَّى عَنْهُمْ، فَلَمَّا نَزَلَتْ ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥] طَابَتْ أَنْفُسُنَا
قال مقاتل: عظ كفار مكة.
﴿فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥] أي: من علم الله تعالى أن يؤمن منهم، وقال الكلبي: عظ بالقرآن من آمن من قومك، فإن الذكرى تنفعهم.
قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ ﴿٥٦﴾ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ﴿٥٧﴾ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ﴿٥٨﴾ فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ ﴿٥٩﴾ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ ﴿٦٠﴾﴾ [الذاريات: ٥٦-٦٠] .
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] قال المفسرون: هذا خاص لأهل طاعته، يعني: من آمن من الفريقين، وهذا قول الكلبي، والضحاك، واختيار الفراء، وابن قتيبة، والدليل على صحة هذا ما
٨٨٤ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ التَّمِيمِيُّ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى، نا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ، نا أَبُو وَهْبٍ الشَّامِيُّ، عَنْ سُلَيْمَانَ الْقَافْلانِيِّ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: هِيَ فِي قِرَاءَةِ أُبَيٍّ: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ إِلا لِيَعْبُدُونَ
وقال أهل المعاني: إلا ليخضعوا لي، ويتذللوا.
ومعنى العبادة في اللغة: الذل والانقياد، وكل مخلوق من الإنس والجن خاضع لقضاء الله، متذلل لمشيئته، خلقه على ما أراد، ورزقه كما قضى، لا يملك أحد لنفسه خروجًا عما خلق عليه.
﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ﴾ [الذاريات: ٥٧] أن يرزقوا أحدًا من خلقي، ولا أن يرزقوا أنفسهم، ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات: ٥٧] أن يطعموا أحدًا، فقد أطعمه، وهذا كما يروى أن الله تعالى، يقول:
[ ٤ / ١٨١ ]
عبدي استطعمتك فلم تطعمني، أي: لم تطعم عبدي.
وذلك أن الاستطعام، وسؤال الرزق يستحيل في وصف الله تعالى، ومعنى الآية: أنه ما أوجب على عباده، ولم يكلفهم القيام برزق الخلق والإطعام.
ثم بين أن الرزاق هو لا غيره، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ﴾ [الذاريات: ٥٨] يعني: خلقه، ذو القوة على ما خلق، المتين القوي، متن متانة إذا قوي.
ثم ذكر أن لمشركي مكة من العذاب، مثل ما لغيرهم من الأمم الكافرة، فقال: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ﴾ [الذاريات: ٥٩] نصيبًا من العذاب، نصيب أصحابهم الذين أهلكوا، نحو قوم نوح، وعاد، وثمود، ومعنى الذنوب في اللغة: الدلو العظيمة، قال ابن قتيبة: كانوا يستقون، فيكون لكل واحد ذنوب، فجعل الذنوب مكان الحظ والنصيب.
فلا يستعجلون بالعذاب، يعني: أنهم أخروا إلى يوم القيامة، يدل على ذلك: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٦٠] يعني: يوم القيامة.
[ ٤ / ١٨٢ ]