وهي سبعون وثماني آيات، مكية.
١١٥١ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ الزَّعْفَرَانِيُّ، أنا أَبُو عَمْرٍو السِّجِسْتَانِيُّ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَرِيكٍ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ، نا الْمَدَايِنِيُّ، نا هَارُونُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الرَّحْمَنِ رَحِمَ اللَّهُ ضَعْفَهُ وَأَدَّى شُكْرَ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ»
بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الرَّحْمَنُ ﴿١﴾ عَلَّمَ الْقُرْءَانَ ﴿٢﴾ خَلَقَ الإِنْسَانَ ﴿٣﴾ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴿٤﴾ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ ﴿٥﴾ وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ ﴿٦﴾ وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ﴿٧﴾ أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ ﴿٨﴾ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ ﴿٩﴾ وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ ﴿١٠﴾ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الأَكْمَامِ ﴿١١﴾ وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ ﴿١٢﴾ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿١٣﴾﴾ [الرحمن: ١-١٣] .
﴿الرَّحْمَنُ ﴿١﴾ عَلَّمَ الْقُرْءَانَ ﴿٢﴾﴾ [الرحمن: ١-٢] قال الكلبي: علم القرآن محمدا ﷺ، وعلمه محمد ﷺ أمته.
وقال الزجاج: معنى علم القرآن: يسره لأن يذكر.
خلق الإنسان يعني: آدم.
علمه البيان أسماء كل شيء، ويقال: الإنسان اسم للجنس، ومعناه: الناس جميعًا، علمه البيان النطق، والكتابة، والخط، والفهم والإفهام، حتى عرف ما يقول، وما يقال له، وهذا قول أبي العالية، ومرة، وابن زيد، والحسن، والسدي.
﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن: ٥] يجريان بحساب، ومنازل لا يعدوانهما، وهما يدلان على عدد الشهور والسنين،
[ ٤ / ٢١٧ ]
والأوقات.
والنجم يعني: نبت الأرض مما ليس له ساق، والشجر ما كان له ساق، يبقى في الشتاء، يسجدان يعني: سجود ظلالهما، كقوله: ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ﴾ [النحل: ٤٨]، وكقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ﴾ [الحج: ١٨] إلى قوله: والنجوم.
والسماء رفعها فوق الأرض، ووضع الميزان يعني: آلة الوزن، ليتوصل به إلى الإنصاف والانتصاف، وقال الزجاج، وصاحب النظم: المراد بالميزان: العدل.
والمعنى: أنه أمر بالعدل، يدل عليه قوله: ﴿أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ﴾ [الرحمن: ٨] أي: لا تجاوزوا العدل.
﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ﴾ [الرحمن: ٩] قال عطاء: لا تخونوا من وزنتم له، أقيموا لسان الميزان بالعدل.
﴿وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن: ٩] لاتنقصوا، ولا تبخسوا الوزن.
﴿وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ﴾ [الرحمن: ١٠] بسطها على الماء، لجميع الخلق الذين ثبتهم فيها.
فيها فاكهة يعني: ما يتفكه من ألوان الثمار، ﴿وَالنَّخْلُ ذَاتُ الأَكْمَامِ﴾ [الرحمن: ١١] الأوعية والغلف، وثمرها يكون في غلف ما لم ينشق.
والحب يريد: جميع الحبوب، مما يحرث في الأرض من الحنطة، والشعير، وغيرهما، ذو العصف يعني: الورق، فإذا يبس وديس صار تبنًا، وقال السدي، والفراء: هو بقل الزرع، وهو أول ما ينبت منه.
قال ابن كيسان: يبدو أولًا ورقًا وهو العصف، ثم يبدو له ساق، ثم يحدث الله فيه أكمامًا، ثم يحدث الله في الأكمام حبًا.
وقوله: والريحان يعني: الرزق في قول الأكثرين، وقال الحسن، وابن زيد: هو ريحانكم الذي يشم.
وقرأ ابن عامر: والحب ذا العصف حمله على قوله: والأرض وضعها المعنى: وخلق الحب، والوجه الرفع نسقًا على قوله: ﴿فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ﴾ [الرحمن: ١١]، والحب أي: وفيها الحب والريحان، وقرأ حمزة بالخفض حملًا على ذو كأنه قيل: والحب ذو العصف وذو الريحان، وهو رزق الناس والعصف رزق
[ ٤ / ٢١٨ ]
الدواب، فذكر قوت الناس والأنعام.
ثم خاطب الجن والإنس، بقوله: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ١٣] فبأي نعم ربكما تكذبان من هذه الأشياء المذكورة؟ لأنها كلها منعم عليكم بها، وكررت هذه الآية في هذه السورة، تقريرًا للنعمة، وتأكيدًا في التذكير بها، على عادة العرب في الإبلاغ والإشباع.
١١٥٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَخْلَدِيُّ، أنا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْبَاغَنْدِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْفَيْضِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمٍ، أَنَّ هِشَامَ بْنَ عَمَّارٍ حَدَّثَهُمْ، نا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، نا زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمَذْكُورِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَرَأَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سُورَةَ الرَّحْمَنِ حَتَّى خَتَمَهَا، ثُمَّ قَالَ: " مَا لِي أَرَاكُمْ سُكُوتًا لَلْجِنُّ كَانُوا أَحْسَنَ مِنْكُمْ رَدًّا، مَا قَرَأْتُ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الآيَةَ مِنْ مَرَّةٍ ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ١٣] إِلا قَالُوا: وَلا بِشَيْءٍ مِنْ نِعَمِكَ رَبَّنَا نُكَذِّبُ فَلَكَ الْحَمْدُ ".
رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ هِشَامٍ.
﴿خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ ﴿١٤﴾ وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ ﴿١٥﴾ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿١٦﴾ رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ ﴿١٧﴾ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿١٨﴾ مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ ﴿١٩﴾ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ ﴿٢٠﴾ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿٢١﴾ يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ ﴿٢٢﴾ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿٢٣﴾ وَلَهُ
[ ٤ / ٢١٩ ]
الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلامِ ﴿٢٤﴾ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿٢٥﴾﴾ [الرحمن: ١٤-٢٥] .
قوله: ﴿خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ﴾ [الرحمن: ١٤] تقدم تفسيره في ﴿[الحجر،] كَالْفَخَّارِ﴾ [سورة الرحمن: ١٤] وهو: الخزف الذي طبخ بالنار، معناه: من طين يبسه كالخزف.
﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ﴾ [الرحمن: ١٥] يعني: أبا الجن، ﴿مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ [الرحمن: ١٥] وهو الصافي من لهب النار.
رب المشرقين يعني: مشرق الصيف، ومشرق الشتاء، وكذلك: المغربين.
﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ [الرحمن: ١٩] تفسير هذه الآية، والتي بعدها قد تقدم في ﴿[الفرقان، والمعنى: أن الله تعالى ذكر عظيم قدرته، حيث خلق البحرين العذب والمالح، يلتقيان ثم لا يختلط أحدهما بالآخر، وهو قوله: بينهما برزخ أي: حاجز من قدرة الله تعالى، لا يبغيان فلا يبغي المالح على العذب فيفسده، ولا العذب على المالح فيختلط به.
قوله: يخرج منهما أكثر القراء على يخرج بضم الياء، من الإخراج، لأنه يخرج ولا يخرج بنفسه، ومن قرأ يخرج فهو اتساع، وذلك أنه إذا أخرج خرج، وقال: منهما وإنما يخرج من المالح دون العذب، ولكن الله تعالى ذكرهما جميعًا، وجمعهما وهما بحر واحد، فإذا خرج من أحدهما، فقد خرج منهما، هذا قول الزجاج.
وقال أبو علي الفارسي: أراد: من أحدهما، فحذف المضاف.
وقوله: اللؤلؤ والمرجان قال الفراء: اللؤلؤ: العظام، والمرجان: ما صغر.
وهو قول جميع أهل اللغة، وقال عطاء: اللؤلؤ: الكبير، والمرجان: الصغير.
وذكر مقاتل على الضد من هذا، وهو قول مجاهد، والسدي.
وله الجوار يعني: السفن الجارية في الماء، المنشآت المرفوعات، وهي التي رفع خشبها بعضها على بعض فركب، حتى ارتفعت وطالت، والوجه فتح الشين، ومن كسر أراد: المنشئات السير، أي: اللاتي ابتدأن وأنشأن السير، وقوله: كالأعلام أي: كالجبال، والعلم: الجبل الطويل، قال مقاتل: شبه السفن في البحر، كالجبال في البر.
[ ٤ / ٢٢٠ ]
[كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ﴿٢٦﴾ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ ﴿٢٧﴾ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿٢٨﴾ يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ﴿٢٩﴾ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿٣٠﴾﴾ [سورة الرحمن: ٢٦-٣٠] .
﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا﴾ [الرحمن: ٢٦] على الأرض، ﴿فَانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] هالك، يعني: أن كل من دب ودرج على الأرض من حيوان، فهو فان هالك، يفنى ولا يبقى.
﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧] أي: ربك الظاهر بأدلته، ظهور الإنسان بوجهه، ﴿ذُو الْجَلالِ﴾ [الرحمن: ٢٧] العظمة والكبرياء، واستحقاق الصفات بإحسانه، وإنعامه، ﴿وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] إكرامه أنبياءه وأولياءه، فهو مكرمهم بلطفه مع جلاله وعظمته.
﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الرحمن: ٢٩] قال قتادة: لا يستغني عنه أهل السماء، ولا أهل الأرض.
وقال أبو صالح: يسأله من في السموات الرحمة، ويسأله من في الأرض المغفرة والرزق.
وقال مقاتل: يسأل أهل الأرض الرزق والمغفرة، وتسأل الملائكة لهم أيضًا الرزق والمغفرة.
﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] قال المفسرون: من شأنه أنه يحيي ويميت، ويرزق، ويعز ويذل، ويشفي مريضًا، ويجيب داعيًا، ويعطي سائلًا، ويغفر ذنبًا، ويكشف كربًا، إلى ما لا يحصى من أفعاله، وأحداثه في خلقه ما يشاء.
١١٥٣ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، أنا يَحْيَى بْنُ مَنْصُورٍ الْقَاضِي، نا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّسَوِيُّ، نا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، نا الْوَزِيرُ بْنُ صُبَيْحٍ، نا يُونُسُ بْنُ حَلْبَسٍ، عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] قَالَ: مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَغْفِرَ ذَنْبًا وَيُفَرِّجَ كَرْبًا وَيَرْفَعَ قَوْمًا وَيَضَعَ آخَرِينَ.
[ ٤ / ٢٢١ ]
١١٥٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدُوسٍ النَّحْوِيُّ إِمْلاءً، أنا أَبُو حَامِدٍ الْبِلالِيُّ، نا يَحْيَى بْنُ الرَّبِيعِ، نا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، نا أَبُو حَمْزَةَ الثُّمَالِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: إِنَّ مِمَّا خَلَقَ اللَّهُ ﷿ لَوْحًا مِنْ دُرَّةٍ بَيْضَاءَ وَقَنَاةً مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ، قَلَمُهُ نُورٌ وَكِتَابُهُ نُورٌ يَنْظُرُ اللَّهُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ ثَلاثَ مِائَةٍ وَسِتِّينَ نَظْرَةً يَخْلُقُ وَيَرْزُقُ، وَيُحْيِي وَيُمِيتُ وَيُعِزُّ وَيُذِلُّ وَيَفْعَلُ مَا يَشَاءُ.
﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ ﴿٣١﴾ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿٣٢﴾ يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ ﴿٣٣﴾ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿٣٤﴾ يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلا تَنْتَصِرَانِ ﴿٣٥﴾ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿٣٦﴾﴾ [الرحمن: ٣١-٣٦] .
﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ [الرحمن: ٣١] هذا وعيد من الله تعالى للخلق بالمحاسبة، ولا يشغله شأن عن شأن، وإنما حسن لفظ الفراغ لسبق ذكر الشأن، والمعنى: سنترك ذلك الشأن إلى هذا، قال الزجاج: سنقصد لحسابكم.
وهذا قول ابن الأعرابي، واختيار أبي علي الفارسي، قال: ليس الفراغ ههنا فراغًا من شغل، ولكن تأويله القصد.
والمفسرون على أن هذا تهديد منه لبعاده، وقرئ بالياء سيفرغ لتقدم قوله: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ﴾ [الرحمن: ٢٤]، ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧]، وقوله: ﴿أَيُّهَ الثَّقَلانِ﴾ [الرحمن: ٣١] يعني: الجن والإنس، يدل عليه قوله: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا﴾ [الرحمن: ٣٣] أي: تخرجوا، يقال: نفذ الشيء من الشيء إذا أخلص منه، كالسهم ينفذ من الرمية، ﴿مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الرحمن: ٣٣] جوانبها ونواحيها، واحدها: قطر، والمعنى: إن استطعتم أن تهربوا من الموت، بالخروج من أقطار السموات والأرض، فاهربوا واخرجوا منها، والمعنى: أنكم حيث ما كنتم أدرككم الموت، كما قال الله
[ ٤ / ٢٢٢ ]
تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾ [النساء: ٧٨]، ولن تستطيعوا أن تهربوا منه، ﴿لا تَنْفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣] يقول: إلا بملكي، أي: حيث توجهتم فتم ملكي، وأنا آخذكم بالموت، ومعنى السلطان: القوة التي يتسلط بها على الأمر، ثم الملك، والقدرة، والحجة كلها سلطان.
قوله: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ﴾ [الرحمن: ٣٥] جاء في الخبر: يحاط على الخلق بلسان من نار، ثم ينادون: يا معشر الجن والإنس، ﴿إِنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ [الرحمن: ٣٣] الآية، وذلك قوله: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ﴾ [الرحمن: ٣٥] والشواظ: اللهب الذي لا دخان معه، وقرأ ابن كثير بكسر الشين، وهو لغة أهل مكة، ومثله صوار من بقي وصوار، وقوله: ﴿وَنُحَاسٌ﴾ [الرحمن: ٣٥] وهو الدخان، وهو قول ابن عباس في رواية عطاء، والكلبي، وسعيد بن جبير، والوالبي، وأكثر القراء فيه على الرفع، بالعطف على قوله: ﴿شُوَاظٌ﴾ [الرحمن: ٣٥] والمعنى: يرسل عليكما شواظ، ويرسل نحاس، أي: يرسل هذا مرة وهذا مرة، ويجوز أن يرسلًا معًا من غير أن يختلط أحدهما بالآخر، وقرئ بالكسر وهو ضعيف، لأنه لا يمكن أن يعطف به على نار، في قوله: من نار لأنه لا يكون شواظ من نحاس، قال أبو علي: وهو يجوز من وجه، على أن تقديره: يرسل عليكما شواظ من نار، وشيء من نحاس، على أنه قد حكي أن الشواظ لا يكون إلا من النار والدخان جميعًا.
ونحو هذا حكي عن أبي عمرو، وقوله: ﴿فَلا تَنْتَصِرَانِ﴾ [الرحمن: ٣٥] أي: لا تمتنعان من الله، ولا يكون لكم ناصر منه.
﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ ﴿٣٧﴾ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿٣٨﴾ فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ ﴿٣٩﴾ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿٤٠﴾ يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ ﴿٤١﴾ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿٤٢﴾ هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ ﴿٤٣﴾ يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ ﴿٤٤﴾ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿٤٥﴾﴾ [الرحمن: ٣٧-٤٥] .
﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ﴾ [الرحمن: ٣٧] لنزول الملائكة، ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً﴾ [الرحمن: ٣٧] كلون الفرس الورد، وهو الأبيض الذي يضرب إلى الحمرة والصفرة، قال قتادة: هي اليوم خضراء كما ترون، ولها يوم القيامة لون
[ ٤ / ٢٢٣ ]
آخر إلى الحمرة.
﴿كَالدِّهَانِ﴾ [الرحمن: ٣٧] جمع دهن، قال الفراء: شبه تلون السماء بتلون الوردة من الخيل، وشبه الوردة في اختلاف ألوانها، بالدهن واختلاف ألوانه.
وهذا قول الضحاك، ومجاهد، وقتادة، والربيع.
﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ﴾ [الرحمن: ٣٩] يعني: لا يسأل لتعرف ذلك بالمسألة من جهته، لأن الله تعالى قد أحصى الأعمال، وحفظها على العباد، فلا يسألون سؤال استفهام، ولكن يسألون سؤال تقريع وتوبيخ.
﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾ [الرحمن: ٤١] قالوا: بسواد الوجوه، وزرقة الأعين، يدل على هذا قوله: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦]، وقوله: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [طه: ١٠٢]، ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ﴾ [الرحمن: ٤١] تجعل الأقدام مضمومة إلى النواصي من خلف، ويلقون في النار، روى الحسن، عن أنس بن مالك، قال: سمعت رسول الله ﷺ، يقول: «والذي نفسي بيده، لقد خلقت ملائكة جهنم قبل أن تخلق جهنم بألف عام، فهم كل يوم يزدادون قوة إلى قوتهم، حتى يقبضوا على من قبضوا عليه بالنواصي والأقدام، فيستجير بالله منهم ومن جهنم» .
أخبرنا أبو نصر الجوزقي، أنا بشر بن أحمد، نا محمد بن موسى الحلواني، نا الفضل بن زياد، نا مروديه الصايغ، قال: صلى بنا الإمام صلاة الصبح، فقرأ ﴿[الرحمن ومعنا علي بن الفضيل بن عياض، فلما قرأ الإمام:] يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾ [سورة الرحمن: ٤١] الآية، خر عليّ مغشيًا عليه، ففرغنا من الصلاة، فلما كان بعد ذلك قلنا له: يا علي، أما سمعت الإمام يقول: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] .
قال: شغلني عنها: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ﴾ [الرحمن: ٤١] .
قوله: هذه جهنم أي: يقال لهم: هذه جهنم التي كنتم تكذبون بها، أي: أنها لا تكون.
ثم أخبر عن حالهم فيها، فقال: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] قال الفراء: هو الذي قد انتهى حره.
قال الزجاج: أنى
[ ٤ / ٢٢٤ ]
يأني فهو آن إذا انتهى في النضج والحرارة.
وقال الحسن: قد بلغ منتهى حره.
والمعنى: أنهم يسعون بين عذاب الجحيم وعذاب الحميم، فإذا استغاثوا من النار، جعل غياثهم الحميم الآني، الذي قد صار كالمهل، وهو قوله: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾ [الكهف: ٢٩] الآية.
وكل ما ذكر الله تعالى من قوله: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا﴾ [الرحمن: ٢٦] إلى ههنا مواعظ ومزاجر، وتهديد وتخويف، وهي كلها نعمة من الله تعالى الانزجارية عن المعاصي، ولذلك ختم كل آية بقوله: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ٢٨] .
ثم ذكر ما أعده لمن اتقاه وخافه، فقال: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴿٤٦﴾ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿٤٧﴾ ذَوَاتَا أَفْنَانٍ ﴿٤٨﴾ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿٤٩﴾ فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ ﴿٥٠﴾ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿٥١﴾ فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ ﴿٥٢﴾ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿٥٣﴾﴾ [الرحمن: ٤٦-٥٣] .
﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ [الرحمن: ٤٦] أي: مقامه بين يدي ربه للحساب، فترك المعصية والشهوة، قال مجاهد: هو الذي يهم بالمعصية فيذكر الله، فيدعها.
جنتان قال مقاتل: يعني: جنة عدن وجنة النعيم.
وقال الضحاك: هذا لمن راقب الله في السر والعلانية بعمله، فما عرض له من محرم تركه من خشية الله، وما عمل من خير أفضى به إلى الله، لا يحب أن يطلع عليه أحد فله جنتان.
وقال قتادة: إن المؤمنين خافوا ذلك المقام، فعملوا لله، ودأبوا له بالليل والنهار.
١١٥٥ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدَانَ الْعَدْلُ، أنا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَالِكٍ الْقَطِيعِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ الْقُرَشِيُّ، نا أَبُو الْعَبَّاسِ الْبَصْرِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَثْمَةَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الأَنْصَارِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَرْمَلَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ ﷿ ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]،
[ ٤ / ٢٢٥ ]
قَالَ: قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ، قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ، قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ، وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ أَبِي الدَّرْدَاءِ
ثم وصف الجنتين، فقال: ذواتا أفنان الأفنان: الأغصان، واحدها فنن وهو الغصن المستقيم طولًا، وهذا قول مجاهد، وعكرمة، وعطية، والكلبي، وقال الزجاج: الأفنان: الألوان، واحدها فن وهو الضرب من كل شيء.
قال الضحاك: ذواتا ألوان من الفاكهة.
وهو قول سعيد بن جبير، وجمع عطاء بين القولين، فقال: يريد: في كل غصن فنون من الفاكهة.
﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ﴾ [الرحمن: ٥٠] قال الحسن: إحداهما السلسبيل، والأخرى التسنيم.
﴿فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾ [الرحمن: ٥٢] أي: ضربان، وصنفان، ونوعان، يعني: أن فيهما من كل ما يتفكه ضربين رطبًا ويابسًا، لا يقصر يابسه عن رطبه في الفضل والطيب، ولا رطبه عن يابسه في العدم، كما يكون في الدنيا.
﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ ﴿٥٤﴾ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿٥٥﴾ فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ ﴿٥٦﴾ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿٥٧﴾ كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ ﴿٥٨﴾ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿٥٩﴾ هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلا الإِحْسَانُ ﴿٦٠﴾ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿٦١﴾﴾ [الرحمن: ٥٤-٦١] .
﴿مُتَّكِئِينَ﴾ [الرحمن: ٥٤] فيها، حال الذين ذكروا في قوله: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ [الرحمن: ٤٦]، ﴿عَلَى فُرُشٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] جمع فراش، ﴿بَطَائِنُهَا﴾ [الرحمن: ٥٤] جمع بطانة، وهي: التي تحت الظهارة، قال الزجاج: وهي ما يلي الأرض.
﴿مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] وهو كل ما غلظ من الديباج، قال ابن مسعود: أخبرتم بالبطائن، فكيف بالظهاير؟ وقال أبو هريرة: هذه البطائن فما ظنكم بالظواهر؟ وقيل لسعيد بن جبير: البطائن من إستبرق، فما الظواهر؟ فقال: هذا مما قال الله تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] .
وقال ابن عباس: وصف البطائن، وترك الظواهر، لأنه ليس في
[ ٤ / ٢٢٦ ]
الأرض أحد يعرف ما الظواهر.
وقوله: ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] الجنى: ما يجتنى من الثمار، قال ابن عباس: تدنو الشجرة حتى يجتنيها ولي الله إن شاء قائمًا، وإن شاء قاعدًا.
وقال قتادة: لا ترد أيديهم عنها بعد ولا شوك.
فيهن يعني: في الفرش التي ذكرها، ويجوز أن يكون في الجنان، لأنها معلومة وإن لم يذكر، قاصرات الطرف قال قتادة: قصرن طرفهن على أزواجهن فلا يردن غيرهن.
وقال ابن زيد: إنها تقول لزوجها: وعزة ربي ما أرى في الجنة شيئًا أحسن منك، فالحمد الله الذي جعلني زوجك، وجعلك زوجي.
لم يطمثهن قال الفراء: الطمث: الافتضاض، وهو النكاح بالتدمية، يقال: طمث ويطمث وطمثت الجارية إذا افترعتها.
قال المفسرون: لم يطأهن، ولم يغشاهن، ولم يجامعهن.
قال مقاتل: لأنهن خلقن في الجنة، فعلى قوله: هؤلاء من حور الجنة.
وقال الشعبي: هن من نساء الدنيا، لم يمسسن منذ أنشئن خلقًا.
وهو قول الكلبي: لم يجامعهن في هذا الخلق الذي أنشئن فيه إنس ولا جان.
قال الزجاج: في هذه الآية دليل على أن الجني يغشى الإنس.
﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٥٨] أراد لهن صفاء الياقوت في بياض المرجان.
﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠] أي: ما جزاء من أحسن في الدنيا إلا أن يحسن إليه في الآخرة، قال ابن عباس: هل جزاء من قال لا إله إلا الله، وعمل بما جاء به محمد ﷺ، إلا الجنة.
١١٥٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْفَضْلِ، أنا عَبْدُ الْمُؤْمِنِ بْنُ خَلَفٍ، نا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ بِهْرَامٍ، نا حَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ، نا قُتَيْبَةُ، نا بِشْرُ بْنُ الْحُسَيْنِ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الآيَةَ ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠] قَالَ: هَلْ تَدْرُونَ مَا يَقُولُ رَبُّكُمْ، قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّ رَبَّكُمْ، يَقُولُ: هَلْ جَزَاءُ مَنْ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ بِالتَّوْحِيدِ إِلا الْجَنَّةُ.
﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ ﴿٦٢﴾ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿٦٣﴾ مُدْهَامَّتَانِ ﴿٦٤﴾ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿٦٥﴾ فِيهِمَا
[ ٤ / ٢٢٧ ]
عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ ﴿٦٦﴾ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿٦٧﴾ فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ ﴿٦٨﴾ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿٦٩﴾ فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ ﴿٧٠﴾ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿٧١﴾ حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ ﴿٧٢﴾ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿٧٣﴾ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ ﴿٧٤﴾ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿٧٥﴾ مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ ﴿٧٦﴾ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿٧٧﴾ تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ ﴿٧٨﴾﴾ [الرحمن: ٦٢-٧٨] .
﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٢] أي: من دون الأوليين في الفضل، روى أبو موسى، عن النبي ﷺ، قال: «جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما» .
ثم نعتهما، فقال: مدهامتان قال أبو عبيدة، والزجاج: من خضرتهما قد اسودتا من الري وكل نبت أخضر، فتمام خضرته من الري أن يضرب إلى السواد، يقال: ادهام الزرع إذا علاه السواد ريًا ادهيمامًا فهو مدهام.
﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٦] فوارتان، والنضخ: فوران الماء من العين، قال ابن عباس: تنضخ على أولياء الله بالمسك، والعنبر، والكافور.
قوله: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] يعني: ألوان الفاكهة، ﴿وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] حكى الزجاج، عن يونس النحوي، قال: وهو مثل الخليل في القدم والحذق: أن الرمان والنخل من أفضل الفاكهة، وإنما فُصِلا بالواو لفضلهما، واستشهد بقوله: ﴿وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨] قال: فصلا بالواو لفضلهما.
قال الأزهري: ما علمت أحدًا من العرب، قال في النخيل، والكروم وثمارها إنها ليست من الفاكهة، وإنما قال من قال ذلك، لقلة علمه بكلام العرب، وعلم اللغة، وتأويل القرآن العربي المبين، والعرب تذكر أشياء جملة، ثم تخص شيئًا منها بالتسمية، تنبيها على فضل فيه، قال الله ﷿: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ٩٨] إلى قوله: وميكال فمن قال: إنهما ليسا من الملائكة لإفراد الله إياهما بالتسمية، فهو كافر، ومن قال ثمر النخل والرمان ليسا من الفاكهة لإفراد الله إياهما بالتسمية بعد ذكر الفاكهة، فهو جاهل.
هذا كلام الأزهري.
قوله: فيهن يعني: في الجنان الأربع، خيرات جمع خيرة، قال المفسرون: خيرات الأخلاق حسان الوجوه.
[ ٤ / ٢٢٨ ]
١١٥٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، نا بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ، نا عَمْرُو بْنُ هَاشِمٍ الْبَيْرُوتِيُّ، نا سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي كَرِيمَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ ﷿ ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ [الرحمن: ٧٠] قَالَ: خَيِّرَاتُ الْأَخْلاقِ حِسَانُ الْوُجُوهِ
﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ﴾ [الرحمن: ٧٢] محبوسات، ﴿فِي الْخِيَامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] يعني: أنهن خدرن فيها، وهذا قول مقاتل، وأبي عبيدة، وقال المفسرون: قصرن على أزواجهن، فلا يردن غيرهم.
والخيام جمع خيم، وخيم جمع خيمة، وهي: أعواد تنصب وتظلل بالنبات، فتكون أبرد من الأخبية، وأما خيام الجنة، فروى قتادة، عن ابن عباس، قال: الخيمة درة مجوفة، فرسخ في فرسخ، فيها أربعة آلاف مصراع من ذهب.
١١٥٨ - أَخْبَرَنَا الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعَالِبِيُّ، أنا شُعَيْبُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أنا مَكِيُّ بْنُ عَبْدَانَ، نا أَبُو الْأَزْهَرِ رَوْحٌ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ، أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ الْأَشْعَرِيَّ أَخْبَرَهُ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْخَيْمَةُ دُرَّةٌ مُجَوَّفَةٌ طُولُهَا فِي السَّمَاءِ سِتُّونَ مِيلا فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ مِنْهَا أَهْلُ الْمُؤْمِنِ لا يَرَاهُمُ الآخَرُونَ»
﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ
[ ٤ / ٢٢٩ ]
خُضْرٍ﴾ [الرحمن: ٧٦] قال أبو عبيدة: الرفارف البسط.
وهو قول الضحاك، ومقاتل، والحسن، قالوا: المحابس والبسط.
وقال الزجاج: قالوا: الرفرف ههنا رياض الجنة، وقالوا: الرفرف: الوسائد، وقالوا: الرفرف المحابس.
وقوله: ﴿وَعَبْقَرِيٍّ﴾ [الرحمن: ٧٦] يعني: عتاق الزرابي، والطنافس المخملة الموشية، قال أبو عبيدة: كل شيء من البسيط عبقري.
وعبقري ههنا جمع، واحدتها عبقرية، لذلك قال: ﴿حِسَانٍ﴾ [الرحمن: ٧٦] .
ثم ختم ال ﴿[بما ينبغي أن يمجد به ويعظم، فقال:] تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [سورة الرحمن: ٧٨] وقرأ ابن عباس: ذو الجلال إجراء على الاسم، وذلك يدل على أن الاسم هو المسمى.
[ ٤ / ٢٣٠ ]