مكية وهي سبعون وخمس آيات مكية.
٧٩٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْحِيرِيُّ، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَرِيكٍ، نا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نا سَلامُ بْنُ سُلَيْمٍ، نا هَارُونُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الزُّمَرِ لَمْ يَقْطَعِ اللَّهُ رَجَاهُ، وَأَعْطَاهُ ثَوَابَ الْخَائِفِينَ الَّذِينَ خَافُوا اللَّهَ، ﷿»
﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴿١﴾ إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ ﴿٢﴾ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ ﴿٣﴾ لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ﴿٤﴾﴾ [الزمر: ١-٤] بسم الله الرحمن الرحيم ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾ [الزمر: ١] مبتدأ وخبره ﴿مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الزمر: ١] أي: إن تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم لا من غيره، كما تقول في الكلام: استقامة الناس من الأنبياء، أي: إنها لا تكون إلا من الأنبياء.
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [الزمر: ٢] قال مقاتل: يقول: لم ننزله باطلا لغير شيء.
﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ٢] موحدا له لا تشرك به شيئا، والإخلاص أن يقصد العبد بنيته وعمله إلى خالقه، لا يجعل ذلك لعرض الدنيا.
﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٣] يعني أن الدين الخالص من الشرك هو لله تعالى، وما سواه من الأديان فليس بدين الله الذي أمر به.
[ ٣ / ٥٦٩ ]
وقال قتادة: الدين الخالص شهادة أن لا إله إلا الله.
﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [الزمر: ٣] يعني الآلهة والأصنام، يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] إلا ليشفعوا لنا إلى الله، وذلك التقريب هو الشفاعة في قول المفسرين، والزلفى القربى، وهو اسم أقيم مقام المصدر، كأنه قال: ﴿إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ﴾ [الزمر: ٣] تقريبا.
﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ [الزمر: ٣] بين أهل الأديان، وهم الذين اتخذوا من دونه أولياء، يحكم الله بينهم يوم القيامة، ﴿فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر: ٣] من أمر الدين، كل يقول: الحق ديني، فهم مختلفون، وحكم الله بينهم أن يعذب كلا على قدر استحقاقه.
ثم أخبر أن هؤلاء لا يهديهم الله، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: ٣] لا يرشد لدينه من كذب في زعمه أن الآلهة تشفع وكفر في اتخاذ الآلهة دونه، وهذا فيمن سبق عليه القضاء بحرمان الهداية.
﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [الزمر: ٤] على ما يزعم من ينسب الله تعالى إلى اتخاذ الولد، ﴿لاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [الزمر: ٤] يعني الملائكة، كما قال الله تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا﴾ [الأنبياء: ١٧]، ثم أعلم أنه منزه عن اتخاذ الولد، فقال: سبحانه تنزيها له عن ذلك، ﴿هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ﴾ [الزمر: ٤] لا شريك له، ولا صاحبة، ولا ولد القهار لخلقه، قهر ما خلق بالموت، وهو حي لا يموت.
﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمًّى أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ ﴿٥﴾ خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ ﴿٦﴾﴾ [الزمر: ٥-٦] قوله: ﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ [الزمر: ٥] أي: لم يخلقهما باطلا لغير شيء، ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ﴾ [الزمر: ٥] يدخل هذا على هذا، والتكوير: طرح الشيء بعضه على بعض، يقال: كور المتاع إذا ألقى
[ ٣ / ٥٧٠ ]
بعضه على بعض.
قال قتادة: يغشي هذا على هذا، كما قال: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ [الأعراف: ٥٤]، و﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾ [الحج: ٦١] .
﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ [الزمر: ٥] ذللهما للمسير في بروجهما على ما قدر وأراد، كل منهما، ﴿يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزمر: ٥] أي: إلى الأجل الذي وقت الله الدنيا إليه، وهو انقضاؤها وفناؤها.
﴿أَلا هُوَ الْعَزِيزُ﴾ [الزمر: ٥] الغالب في ملكه، الغفار لأوليائه وأهل طاعته.
﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [الزمر: ٦] يعني آدم، قال الفراء، والزجاج: المعنى خلقكم من نفس خلقها واحدة.
﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [الزمر: ٦] لأن خلقها كان بعد خلق الزوج، يعني حواء، خلقت من قصيري آدم.
﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعَامِ﴾ [الزمر: ٦] معنى الإنزال ههنا: الإنشاء والإحداث، كقوله: ﴿قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ﴾ [الأعراف: ٢٦] ولم ينزل اللباس ولكنه أنزل الماء الذي هو سبب، والقطن والصوف واللباس منهما، كذلك الأنعام تكون بالنبات والنبات يكون بالماء، وقوله: ثمانية أزواج مفسر في ﴿[الأنعام،] يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾ [سورة الزمر: ٦] نطفا، ثم علقا إلى أن يخرج من بطن أمه، ﴿فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ﴾ [الزمر: ٦] ظلمة المشيمة، وظلمة البطن، وظلمة الرحم، ذلكم الله الذي خلق هذه الأشياء ربكم، ﴿لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [الزمر: ٦] عن طريق الحق بعد هذا البيان؟ مثل قوله: ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [الأنعام: ٩٥] .
﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴿٧﴾ وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا
[ ٣ / ٥٧١ ]
لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ﴿٨﴾﴾ [الزمر: ٧-٨] قوله: إن تكفروا يا أهل مكة، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾ [الزمر: ٧] أي: عن عبادتكم، ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧] قال عطاء، عن ابن عباس: يريد ولا أرضى لأوليائي وأهل طاعتي الكفر.
وقال في رواية الوالبي: يعني عباده المخلصين الذين قال فيهم: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢] فألزمهم شهادة أن لا إله إلا الله، وحببها إليهم.
وقال السدي: لا يرضى لعباده المؤمنين أن يكفروا.
وهذا طريق من قال بالتخصيص في هذه الآية، ومن أجراها على العموم قال: إن الله تعالى لا يرضى الكفر لأحد، وكفر الكافر غير مرضي لله، وإن كان بإرادته.
والله تعالى مريد لكفر الكافر غير راض به، لأنه لا يمدحه ولا يثني عليه، قال قتادة: والله ما رضي الله لعبد ضلالة، ولا أمره بها، ولا دعاه إليها.
وإن تشكروا ما أنعم عليكم من التوحيد، يرضه لكم يرضى ذلك الشكر لكم بأن يثيبكم عليه، وباقي الآية تقدم تفسيره.
قوله: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ﴾ [الزمر: ٨] قال عطاء: يريد عتبة بن ربيعة.
وقال مقاتل: يريد أبا حذيفة بن المغيرة.
ضر بلاء وشدة وفقر، أو مرض، ﴿دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ﴾ [الزمر: ٨] راجعا إليه من شركه، ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ﴾ [الزمر: ٨] أعطاه، نعمة منه يعني: أغناه وأنعم عليه بالصحة، ﴿نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ﴾ [الزمر: ٨] نسي الضر الذي كان يدعو الله إلى كشفه، ﴿وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ [الزمر: ٨] رجع إلى عبادة الأوثان، ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الزمر: ٨] ليزل عن دين الله الإسلام، قل لهذا الكافر: ﴿تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلا﴾ [الزمر: ٨] في الدنيا إلى أجلك، قال الزجاج: لفظ الأمر، ومعناه التهديد والوعيد.
﴿إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [الزمر: ٨] أي: إن مصيرك إلى النار.
قوله: ﴿
[ ٣ / ٥٧٢ ]
أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٩] ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ﴾ [الزمر: ٩] الجملة التي عادلت أم قد حذفت، كما يقال: أهذا أم هذا؟ والتقدير: الجاحد الكافر، يعني الذي ذكره في قوله: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ﴾ [الزمر: ٨] خير، ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ﴾ [الزمر: ٩] والأصل أم من هو، فأدغمت الميم في الميم، ومن قرأ بالتخفيف فهي ألف الاستفهام دخلت على من، وهو استفهام إنكار، والمعنى: أمن هو قانت كالأول الذي ذكر بالنسيان والكفر؟ قال الزجاج: أمن هو قانت كهذا الذي ذكرنا ممن جعل لله أندادا؟ والقانت: المقيم على الطاعة، القائم بما يجب عليه من أمر الله.
قال ابن عباس في رواية عطاء: وهو أبو بكر الصديق ﵁.
٧٩٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَارِثِيُّ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، أنا الْوَلِيدُ بْنُ أَبَانٍ، نا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ، نا عُمَرُ بْنُ أَبِي مُعَاذٍ النُّمَيْرِيُّ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِيسَى، عَنْ يَحْيَى الْبَكَّاءِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي قَوْلِهِ، تَعَالَى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ الآيَةَ، قَالَ: نَزَلَتْ فِي عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، رَضِيَ اللَّهُ
[ ٣ / ٥٧٣ ]
عَنْهُ
وقال مقاتل: نزلت في عمار بن ياسر.
وتفسير آناء الليل قد مضى.
وقوله: ساجدا وقائما يعني في الصلاة، يحذر الآخرة قال مقاتل: يحذر عذاب الآخرة.
﴿وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٩] يعني الجنة، كمن لا يفعل ذلك؟ ليسا سواء.
وهو قوله: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] أن ما وعد الله من الثواب والعقاب حق، ﴿وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] ذلك؟ ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٩] إنما يتعظ ذوو العقول من المؤمنين، فأما الجاهل الكافر فإنه لا يتعظ.
﴿قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴿١٠﴾ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ ﴿١١﴾ وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ ﴿١٢﴾ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴿١٣﴾ قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي ﴿١٤﴾ فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴿١٥﴾﴾ [الزمر: ١٠-١٥] ﴿قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الزمر: ١٠] صدقوا بتوحيد الله، اتقوا ربكم بطاعته واجتناب معاصيه، وتم الكلام، ثم قال: للذين أحسنوا وحدوا الله وأحسنوا العمل، ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ [الزمر: ١٠] يعني الجنة، ﴿وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ﴾ [الزمر: ١٠] قال ابن عباس: يريد ارحلوا من مكة.
وهذا حث لهم على الهجرة من مكة إلى حيث يأمنون.
كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٧] .
﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ﴾ [الزمر: ١٠] على دينهم فلا يتركونه لمشقة تلحقهم، وهذه الآية نزلت في جعفر بن أبي طالب وأصحابه حين لم يتركوا دينهم، ولما اشتد عليهم الأمر صبروا وهاجروا، وقوله: ﴿أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] قال عطاء: بما لا يهتدي إليه عقل ولا وصف.
وقال مقاتل: أجرهم الجنة وأرزاقهم فيها بغير حساب.
قوله: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ﴾ [الزمر: ١١] قال مقاتل: إن كفار قريش قالوا للنبي ﷺ: ما يحملك على الذي أتيتنا به؟ ألا تنظر إلى ملة أبيك وجدك وسادة قومك، يعبدون اللات والعزى فتأخذ بها.
فأنزل الله قل يا محمد: ﴿إِنِّي
[ ٣ / ٥٧٤ ]
أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ١١] أمرت أن أعبده على التوحيد والإخلاص، لا يشوب عبادتي شرك.
وأمرت بهذا، ﴿لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الزمر: ١٢] من هذه الآمة.
﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ [الزمر: ١٣] بالرجوع إلى دين آبائي، ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الزمر: ١٣] .
﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [الزمر: ١٤] بالتوحيد لا أشرك به شيا.
﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر: ١٥] أمر تهديد، ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [الزمر: ١٥] بأن صاروا إلى النار، وأهليهم من الأزواج والخدم في الجنة.
قال الزجاج: وهذا يعني به الكفار، فإنهم خسروا أنفسهم بالتخليد في النار، وخسروا أهليهم لأنهم لم يدخلوا مدخل المؤمنين الذين لهم أهل في الجنة.
قوله: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ ﴿١٦﴾ وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ ﴿١٧﴾ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الأَلْبَابِ ﴿١٨﴾﴾ [الزمر: ١٦-١٨] ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ﴾ [الزمر: ١٦] يعني: أطباقا من النار تلتهب عليهم، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥٥] الآية.
﴿وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر: ١٦] مهاد من النار.
قال السدي: وهي لمن تحتهم ظلل، وهكذا حتى تنتهي إلى القعر.
ذلك الذي وصف من العذاب، ﴿يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ﴾ [الزمر: ١٦] المؤمنين، يعني أن ما ذكر من العذاب معد للكفار، وهو تخويف للمؤمنين ليخافوا فيتقوه بالطاعة والتوحيد.
ثم أمرهم بذلك فقال: ﴿يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ [الزمر: ١٦] .
قوله: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ [الزمر: ١٧] يعني الأوثان والشيطان، ﴿وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الزمر: ١٧] رجعوا إليه بالطاعة، لهم البشرى بالجنة.
﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ ﴿١٧﴾ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ﴾ [الزمر: ١٧-١٨] يعني القرآن، فيتبعون أحسنه قال السدي: يتبعون أحسن ما يؤمرون به، فيعملونه.
وقال عطاء، عن ابن عباس: إن أبا بكر الصديق ﵁ آمن بالنبي ﷺ وصدقه، فجاءه عثمان، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة، والزبير، وسعيد بن زيد، وسعد بن أبي وقاص ﵃، فسألوه، فأخبرهم بإيمانه، فآمنوا ونزلت فيهم ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ ﴿١٧﴾ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ﴾ [الزمر: ١٧-١٨] يعني: من أبي
[ ٣ / ٥٧٥ ]
بكر فيتبعون أحسنه، أي حسنه، وكله حسن.
ثم أثنى عليهم بباقي الآية ووصفهم بالهداية والفضل.
ثم ذكر من سبقت له من الله الشقاوة، فقال: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ ﴿١٩﴾ لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ ﴿٢٠﴾ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لأُولِي الأَلْبَابِ ﴿٢١﴾﴾ [الزمر: ١٩-٢١] ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ [الزمر: ١٩] قال ابن عباس: من سبق في علم الله أنه في النار، أفأنت تنقذه فتجعله مؤمنا.
يعني لا تقدر على ذلك، قال عطاء: يريد أبا لهب وولده ومن تخلف من عشيرة النبي ﷺ عن الإيمان به.
﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ [الزمر: ٢٠] بالإيمان والطاعة، ﴿لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ [الزمر: ٢٠] لهم منازل في الجنة رفيعة، وفوقها منازل أرفع منها، وعدهم الله تلك الغرف والمنازل وعدا لا يخلفه، وهو قوله: وعد الله، ﴿لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾ [الزمر: ٢٠] .
ثم ذكر ما يدل على توحيده، وهو قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ﴾ [الزمر: ٢١] أدخل ذلك الماء ﴿يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ﴾ [الزمر: ٢١] جمع ينبوع، وهو يفعول، من نبع الماء ينبع، والينابيع الأمكنة التي ينبع منها الماء.
قال مقاتل: فجعله عيونا وركابا في الأرض، ثم يخرج بذلك الماء من الأرض زرعا مختلفا ألوانه من أصفر وأحمر وأخضر وأبيض.
ثم يهيج يجف، يقال: هاج النبت يهيج هيجا إذا تم جفافه.
فتراه بعد الخضرة، ﴿مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا﴾ [الزمر: ٢١] دقاقا متكسرا متفتتا، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لأُولِي الأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٢١] تفكر لذوي العقول، يذكرون به ما لهم فيه من الدلالة على توحيد الله وقدرته.
وقوله: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ﴿٢٢﴾ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴿٢٣﴾ أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ﴿٢٤﴾﴾ [الزمر: ٢٢-٢٤] ﴿
[ ٣ / ٥٧٦ ]
أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ [الزمر: ٢٢] أي: وسعه لقبول الحق.
روي عن ابن مسعود، أنه قال: تلا رسول الله ﷺ هذه الآية، فقالوا: يا رسول الله، وما هذا الشرح؟ قال: «نور يقذفه الله في القلب فينفسح له القلب» .
فقيل له: فهل لذلك من أمارة؟ قال: «نعم» .
قيل: وما هي؟ قال: «الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل لقاء الموت» .
وقوله: ﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢] قال قتادة: النور كتاب الله ﷿، به يأخذ وإليه ينتهي.
وقال عطاء، عن ابن عباس: فهو على يقين من ربه.
وقال الزجاج: تقدير الآية: أفمن شرح الله صدره للإسلام كمن طبع على قلبه فلم يهتد لقسوته؟ ودل على هذا المحذوف قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٢] قال مقاتل: نزلت في النبي ﷺ وأبي جهل، لعنه الله.
وقال عطاء: نزلت في علي وحمزة وأبي لهب وولده.
[ ٣ / ٥٧٧ ]
وقوله: ﴿مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٢] قال الفراء، والزجاج: عن ذكر الله، كما تقول: أتخمت من طعام أكلته، وعن طعام أكلته، سواء، والمعنى أنه غلظ قلبه وصفا عن قبول ذكر الله تعالى.
أولئك أي: القاسية قلوبهم، ﴿فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر: ٢٢] .
قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ [الزمر: ٢٣] يعني القرآن، وسمي حديثا لأن النبي ﷺ كان يحدث قومه ويخبرهم بما نزل عليه منه.
وقوله: كتابا متشابها أي: يشبه بعضه بعضا، ويصدق بعضه بعضا، ليس فيه اختلاف ولا تناقض.
﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ [الزمر: ٢٣] خوفا مما في القرآن من الوعيد.
ومعنى تقشعر: تأخذهم قشعريرة، وهي تغير يحدث في جلد الإنسان عند الوجل والخوف.
٧٩٩ - أَخَبْرَنَا أَبُو سَعْدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدَانَ الْعَدْلُ، نا عَلِيُّ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَبَّاسِ الرَّزَّازُ، نا أَبُو شُعَيْبٍ الْحَرَّانِيُّ، نا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيُّ، نا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ الْعَبَّاسِ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: «إِذَا اقْشَعَرَّ جِلْدُ الْعَبْدِ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ تَحَاتَّتْ عَنْهُ ذُنُوبُهُ كَمَا يَتَحَاتُّ عَنِ الشَّجَرَةِ الْيَابِسَةِ وَرَقُهَا»
قال الزجاج: إذا ذكرت آيات العذاب اقشعرت جلود الخائفين الله تعالى.
﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ﴾ [الزمر: ٢٣] إذا ذكرت آيات الرحمة، وهذا معنى قول جميع المفسرين.
وقوله: ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ﴾ [الزمر: ٢٣] أي: تطمئن وتسكن، ﴿إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣] الجنة والثواب، فحذف مفعول الذكر للعلم به.
قال قتادة: هذا نعت أولياء الله تعالى، نعتهم
[ ٣ / ٥٧٨ ]
الله بأنهم تقشعر جلودهم وتطمئن قلوبهم إلى ذكر الله، ولم ينعتهم بذهاب عقولهم والغشيان عليهم، إنما ذلك في أهل البدع، وهو من الشيطان.
ذلك يعني: أحسن الحديث، وهو القرآن، هدى الله الآية.
قوله: ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: ٢٤] نزلت في أبي جهل، قال الكلبي: ينطلق به إلى النار مغلولا، فإذا رمت به الخزنة فيها لم يتقها بأول من وجهه.
قال الزجاج: المعنى أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب كمن يدخل الجنة.
وتم الكلام، ثم أخبر عما تقول الخزنة للكفار بقوله: ﴿وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [الزمر: ٢٤] قال عطاء: يريد جزاء ما كنتم تعملون.
﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ ﴿٢٥﴾ فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴿٢٦﴾﴾ [الزمر: ٢٥-٢٦] ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الزمر: ٢٥] من قبل كفار مكة، كذبوا رسلهم بالعذاب إذ لم يؤمنوا، ﴿فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ [الزمر: ٢٥] يعني: وهم آمنون في أنفسهم، غافلون عن العذاب.
﴿فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ﴾ [الزمر: ٢٦] الهوان والعذاب، ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾ [الزمر: ٢٦] مما أصابهم في الدنيا، ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٦] لكنهم لم يعلموا ذلك.
قوله: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْءَانِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴿٢٧﴾ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴿٢٨﴾﴾ [الزمر: ٢٧-٢٨] ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ﴾ [الزمر: ٢٧] لأهل مكة، ﴿فِي هَذَا الْقُرْءَانِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الزمر: ٢٧] بينا لهم ما يشبه حالهم، لعلهم يتذكرون يتعظون فيعتبرون.
قرآنا عربيا حال من القرآن في قوله: ﴿فِي هَذَا الْقُرْءَانِ﴾ [الزمر: ٢٧]، ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر: ٢٨] مستقيم ليس بمختلف.
٨٠٠ - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَدْلُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ مُحَمَّدٍ السُّلَمِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ حَمْدُونِ بْنِ خَالِدٍ، نا أَبُو هَارُونَ
[ ٣ / ٥٧٩ ]
إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ، نا أَبُو صَالِحٍ، نا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾، قَالَ: غَيْرَ مَخْلُوقٍ
﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ﴿٢٩﴾ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ﴿٣٠﴾ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ﴿٣١﴾﴾ [الزمر: ٢٩-٣١] ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا﴾ [الزمر: ٢٩] ثم بينه، فقال: ﴿رَجُلا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾ [الزمر: ٢٩] متنازعون مختلفون، ورجلا سلما لرجل سلم له من غير منازع، ومن قرأ سلما فهو مصدر وصف به على معنى: ورجلا ذا سلم لرجل، من قولهم: هو لك سلم، أي: مسلم لا منازع لك فيه.
قال الزجاج: وهذا المثل ضرب لمن وحد الله ﷿، ولمن جعل معه شركاء.
قال مقاتل: يقول: هل يستوي عبد يشترك فيه نفر مختلفون يملكونه جميعا، ورجل خالص لرجل لا شركة فيه لأحد؟ ثم قال: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلا﴾ [الزمر: ٢٩] أي: يستوي من يعبد آلهة شتى مختلفة، يعني الكافر، والذي يعبد ربا واحدا، يعني المؤمن؟ وهذا استفهام معناه الإنكار، أي لا يستويان، وذلك أن الخالص لمالك واحد يستحق من معونته وإحسانه ما لا يستحقه صاحب الشركاء المتعاشرين المختلفين في أمره، وتم الكلام، ثم قال: الحمد لله أي: له الحمد كله دون غيره من المعبودين، بل أي: دع الكلام الأول، ﴿أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٩] ما يصيرون إليه من العقاب، والمراد بالأكثر الكل.
ثم أخبر نبيه ﷺ، بأنه يموت، وأن هؤلاء الذين يكذبونه يموتون ويجتمعون للخصومة عند الله، وهو قوله: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] .
﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: ٣١] قال ابن عباس: يعني الحق والمبطل، والظالم والمظلوم.
٨٠١ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدَانَ، أنا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَالِكٍ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، نا ابْنُ نُمَيْرٍ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾؛ قَالَ الزُّبَيْرُ: أَيْ رَسُولَ اللَّهِ، أَيُكَرَّرُ عَلَيْنَا مَا كَانَ بَيْنَنَا فِي الدُّنْيَا مَعَ خَوَاصِّ الذُّنُوبِ؟
[ ٣ / ٥٨٠ ]
قَالَ: نَعَمْ، لَيُكَرَّرَنَّ عَلَيْكُمْ حَتَّى تُؤَدُّوا إِلَى كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ.
قَالَ الزُّبَيْرُ: وَاللَّهِ إِنَّ الأَمْرَ لَشَدِيدٌ
قوله: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ ﴿٣٢﴾ وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴿٣٣﴾ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ ﴿٣٤﴾ لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿٣٥﴾﴾ [الزمر: ٣٢-٣٥] ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ﴾ [الزمر: ٣٢] بأن له ولدا وشريكا، وكذب بالصدق أي: بالتوحيد والقرآن، ﴿إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ [الزمر: ٣٢] مقام للجاحدين؟ وهو استفهام تقرير، يعني أنه كذلك.
﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾ [الزمر: ٣٣] محمد ﷺ، وصدق به أبو بكر ﵁ وأصحابه، وهم المؤمنون الذين صدقوا محمدا ﷺ بما جاء به من الإسلام، ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٣٣] الذين اتقوا الشرك.
﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الزمر: ٣٤] لهم عند الله من الجزاء والكرامة ما يشاءون، ﴿ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الزمر: ٣٤] في أقوالهم وأعمالهم.
﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [الزمر: ٣٥] أي: أعطاهم ما شاءوا، ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ [الزمر: ٣٥] يسترها عنهم بالمغفرة، ﴿وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الزمر: ٣٥] قال مقاتل: يجزيهم بالمحاسن من أعمالهم، ولا يجزيهم بالمساوي.
قوله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴿٣٦﴾ وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ ﴿٣٧﴾﴾ [الزمر: ٣٦-٣٧] ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦] يعني محمدا ﷺ، يكفيه عداوة من يعاديه، ومن قرأ عباده فالمراد بالعباد الأنبياء، وذلك أن الأمم قصدتهم بالسوء، وهو قوله: ﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ﴾ [غافر: ٥]
[ ٣ / ٥٨١ ]
فكفاهم الله تعالى شر من عاداهم، يعني أنه كافيكم كما كفى هؤلاء الرسل قبلك.
﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر: ٣٦] أي: بالذين يعبدون من دونه، وهم الأصنام وذلك أنهم قالوا للنبي ﷺ: إنا نخاف أن يصيبك من آلهتنا جنون أو خبل.
ثم ذكر سبب ضلالهم، فقال: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر: ٣٦]، ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ﴾ [الزمر: ٣٧] من تولى الله هدايته لم يضله أحد.
﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ﴾ [الزمر: ٣٧] غالب لا يمتنع عليه شيء، ذي انتقام ممن عصاه وكفر به.
ثم أعلم أنهم مع عبادتهم الأوثان مقرون بأن الله خالق السموات والأرض، فقال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ ﴿٣٨﴾ قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴿٣٩﴾ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ ﴿٤٠﴾﴾ [الزمر: ٣٨-٤٠] ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٣٨] ثم أمره أن يحتج عليهم بأن ما يعبدون من دون الله لا يملك كشف ضر، فقال: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ [الزمر: ٣٨] قال ابن عباس، ومقاتل: بمرض أو فقر أو ببلاء أو شدة.
﴿هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ [الزمر: ٣٨] هل تقدر الآلهة أن تكشف ما ينزل بي من ضر، ﴿أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ﴾ [الزمر: ٣٨] بخير وصحة، ﴿هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾ [الزمر: ٣٨] هل تقدر الآلهة أن تحبس عني تلك الرحمة، وقرئ كاشفات وممسكات بالتنوين وبغيره، فمن نون فلأنه غير واقع، وما لم يقع من أسماء الفاعلين فالوجه فيه التنوين، ومن أضاف فعلى الاستخفاف
[ ٣ / ٥٨٢ ]
وحذف التنوين، والمعنى على التنوين، وكلا الوجهين حسن.
قال مقاتل: فسألهم النبي ﷺ عن ذلك فسكتوا، ولم يجيبوه، فقال الله تعالى للنبي ﷺ: ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر: ٣٨] بالله يثق الواثقون.
وما بعد هذا مفسر فيما سبق إلى قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ﴿٤١﴾ اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴿٤٢﴾ أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ ﴿٤٣﴾ قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴿٤٤﴾﴾ [الزمر: ٤١-٤٤] ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [الزمر: ٤١] القرآن، للناس قال ابن عباس: لجميع الخلق.
بالحق أي: ليس فيه شيء من الباطل، فمن اهتدى بالقرآن، فلنفسه وهذه الآية مفسرة في آخر ﴿[يونس،] وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [سورة الزمر: ٤١] لم يوكلك بهم ولا تؤخذ بهم.
قال مقاتل: وهذا قبل أن يؤمر بالقتال.
قوله: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: ٤٢] يعني الأرواح، حين موتها عند أجلها، والمعنى: حين موت أبدانها وأجسادها، على حذف المضاف، ﴿وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ﴾ [الزمر: ٤٢] أي: ويتوفى الأنفس التي لم تمت، في منامها والتي تتوفى عند النوم هي النفس التي يكون بها العقل والتمييز، قال الزجاج: لكل إنسان نفسان، أحدهما نفس التمييز وهي التي تفارقه إذا نام فلا يعقل، والأخرى نفس الحياة إذا زالت زال معها النفس، والنائم يتنفس.
وقوله: فيمسك أي: عن الجسد الروح التي قبضها حتى لا تعود إليه.
وهو قوله: ﴿الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾ [الزمر: ٤٢] وقرئ قضي عليها الموت، والوجه القراءة الأولى، لقوله: الله يتوفى، قوله: ويرسل يعني ويرسل، الأخرى أي: إلى الجسد، ﴿إِلَى
[ ٣ / ٥٨٣ ]
أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزمر: ٤٢] إلى انقضاء الأجل، قال سعيد بن جبير: يقبض أنفس الأحياء والأموات، فيمسك أنفس الأموات ويرسل أنفس الأحياء، فلا يغلط.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الزمر: ٤٢] لدلالات على قدرته حيث لم يغلط في إمساك ما يمسك من الأرواح، وإرسال ما يرسل منها.
وقال مقاتل: لعلامات لقوم يتفكرون في أمر البعث.
يعني أن توفي نفس النائم وإرسالها بعد التوفي دليل على البعث، وهذا كما روي أنه مكتوب في التوراة: يا ابن آدم، كما تنام تموت، وكما تستيقظ تبعث.
قوله: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ﴾ [الزمر: ٤٣] نزلت في أهل مكة، زعموا أن الأصنام شفعاؤهم عند الله تعالى، فقال الله منكرا عليهم: أم اتخذوا أي: بل اتخذوا من دون الله آلهة شفعاء، قل يا محمد: أولو كانوا يعني الآلهة، ﴿لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا﴾ [الزمر: ٤٣] من الشفاعة، ولا يعقلون أنكم تعبدونهم، وجواب هذا الاستفهام محذوف تقدير أولو كانوا بهذه الصفة تتخذونهم.
ثم أخبر أنه لا شفاعة إلا بأذنه، فقال: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٤] قال مجاهد: لا يشفع أحد إلا بإذنه.
والمعنى: لا يملك أحد الشفاعة إلا بتمليكه كما قال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وفي هذا إبطال الشفاعة من ادعيت له الشفاعة من الآلهة.
قوله: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ﴿٤٥﴾ قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴿٤٦﴾ وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ ﴿٤٧﴾ وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ ﴿٤٨﴾﴾ [الزمر: ٤٥-٤٨] ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ [الزمر: ٤٥] معنى الاشمئزاز في اللغة: النفور والاستكبار.
قال ابن عباس، ومجاهد: اشمأزت انقبضت عن التوحيد.
وقال قتادة: استكبرت.
وقال أبو عبيدة: نفرت.
وكان المشركون إذا سمعوا لا إله إلا الله وحده
[ ٣ / ٥٨٤ ]
لا شريك له، نفروا من هذا، لأنهم كانوا يقولون الأوثان آلهة.
﴿وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر: ٤٥] يعني: الأصنام التي عبدوها من دونه، ﴿إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر: ٤٥] يفرحون، قل مجاهد، ومقاتل: يعني حين قرأ النبي ﷺ بمكة ﴿[النجم، فقال: تلك الغرانيق العلى.
فرح كفار مكة بذلك حين سمعوا أن لها شفاعة.
وما بعد هذا مفسر فيما تقدم إلى قوله:] وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [سورة الزمر: ٤٧] قال مقاتل: ظهر لهم حين بعثوا ما لم يحتسبوا في الدنيا أنه نازل بهم في الآخرة.
والمعنى أنهم كانوا يتقربون إلى الله بعبادة الأصنام، فلما عوقبوا عليها بدا لهم من الله ما لم يحتسبوا.
وقد ظهر هذا في قوله: ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾ [الزمر: ٤٨] أي: من مساوئ أعمالهم من الشرك وظلم أولياء الله، ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾ [الزمر: ٤٨] أنزل بهم كل ما أنذرهم النبي ﷺ به مما كانوا ينكرونه ويكذبون به.
قوله: ﴿فَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ﴿٤٩﴾ قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴿٥٠﴾ فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ ﴿٥١﴾ أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴿٥٢﴾﴾ [الزمر: ٤٩-٥٢] ﴿فَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ﴾ [الزمر: ٤٩] يعني الكافر، ﴿ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ﴾ [الزمر: ٤٩] أعطيناه نعمة منا من عندنا، ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ﴾ [الزمر: ٤٩] ذكر الكناية، لأن المراد بالنعمة الإنعام، وقوله: على علم قال مقاتل: على خير
[ ٣ / ٥٨٥ ]
علمه الله عندي.
وقال غيره: على علم من الله بأني له أهل.
قال الله تعالى: ﴿بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ﴾ [الزمر: ٤٩] أي: بلوى يبتلى بها العبد ليشكر أو ليكفر، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٤٩] أن ذلك استدراج من الله لهم وامتحان.
قد قالها أي: قال تلك الكلمة، وهي قوله: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الزمر: ٤٩] قال مقاتل: يعني قارون حين قال: إنما أوتيته على علم عندي.
﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٠] يعني: الكفار الذين كانوا قبل هؤلاء، ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الزمر: ٥٠] ما أغني عنهم الكفر من العذاب شيئا.
والمعنى أنهم ظنوا أن ما آتيناهم لكرامتهم علينا، ولم يكن كذلك، لأنهم وقعوا في العذاب ولم يغن عنهم ما كسبوا شيئا.
وهو قوله: ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾ [الزمر: ٥١] أي: جزاؤها، يعني العذاب.
ثم أوعد كفار مكة، فقال: ﴿وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الزمر: ٥١] لأن مرجعهم إلى الله فهم لا يعجزونه ولا يفوتونه فيجازيهم بأعمالهم.
﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [الزمر: ٥٢] قال مقاتل: وعظهم ليعتبروا في توحيده، وذلك حين أمطروا بعد سبع سنين، فقال: أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يوسع الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ ويقتر على من يشاء.
قوله: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴿٥٣﴾ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ ﴿٥٤﴾ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ﴿٥٥﴾ أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ ﴿٥٦﴾ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ﴿٥٧﴾ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴿٥٨﴾ بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ ﴿٥٩﴾﴾ [الزمر: ٥٣-٥٩] ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣] المفسرون كلهم قالوا: إن هذه الآية نزلت في قوم خافوا إن أسلموا أن لا يغفر لهم ما جنوا من الذنوب العظام كالشرك، وقتل النفس، ومعاداة النبي ﷺ، والقتال ضده، والزنا، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وفرح النبي ﷺ بهذه الآية، ورآها أصحابه من أوسع الآيات
[ ٣ / ٥٨٦ ]
في مغفرة الذنوب.
٨٠٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ السَّرَّاجُ، أنا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، أنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أنا الْقَاسِمُ بْنُ سَلامٍ، أنا حَجَّاجٌ، أنا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنِي يَعْلَى بْنُ مُسْلِمٍ، أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يُحَدِّثُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ كَانُوا قَدْ قَتَلُوا فَأَكْثَرُوا، وَزَنَوْا فَأَكْثَرُوا، ثُمَّ أَتَوْا مُحَمَّدًا، ﷺ، فَقَالُوا: إِنَّ الَّذِي تَدْعُو إِلَيْهِ لَحَسَنٌ، لَوْ تُخْبِرُنَا أَنْ لِمَا عَمِلْنَاهُ كَفَّارَةً، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ
ومعنى ﴿أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣] أي: بالشرك والزنا وإراقة الدماء.
﴿لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣] وذلك أنهم ظنوا أنه لا توبة لهم، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] وعد بغفران الذنوب وإن كثرت.
٨٠٣ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ النَّصْرَابَاذِيُّ، أنا أَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَارِكٍ، أنا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى السَّاجِيُّ، نا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ شَهْرِ بِن حَوْشَبٍ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ، أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ، ﷺ، يَقْرَأُ: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ وَلا يُبَالِي بِهِ ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾
٨٠٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ، أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ
[ ٣ / ٥٨٧ ]
حَشِيشٍ الْعَدْلُ، نا أَبُو حَامِدٍ مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ الْحَضْرَمِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، نا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، نا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي قَبِيلٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِئَ، يَقُولُ: حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْجُبُلانِيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، قَالَ: مَا أُحِبُّ أَنَّ لِيَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا بِهَذِهِ الآيَةِ: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ " ثُمَّ دَعَاهُمْ إِلَى التَّوْبَةِ
فقال: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ﴾ [الزمر: ٥٤] أي: ارجعوا من الشرك والذنوب إلى الله تعالى فوحدوه، وأسلموا له وأخلصوا له التوحيد، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ [الزمر: ٥٤] لا تمنعون من عذاب الله.
﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر: ٥٥] يعني القرآن، يقول: أحلوا حلاله وحرموا حرامه.
وقال السدي: الأحسن ما أمر الله به في كتابه.
﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً﴾ [الزمر: ٥٥] يريد الموت، وذلك أنهم يموتون بغتة فيقعون في العذاب، وهو قوله: ﴿وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ﴿٥٥﴾ أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾ [الزمر: ٥٥-٥٦] قال المبرد: أي بادروا خوف أن تقول، وحذرا من أن تقول نفس.
وقال الزجاج: خوف أن تصيروا إلى حال تقولون فيها هذا القول.
﴿يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله﴾ قال الفراء: الجنب القرب، أي: في قرب الله وجواره، والجنب
[ ٣ / ٥٨٨ ]
بمعنى القرب كثير في الكلام، يقال: فلان يعيش في جنب فلان، أي في قربه وجواره، ومنه قوله تعالى: والصاحب بالجنب والمعنى على هذا القول: على ما فرطت في طلب جنب الله، أي: في طلب جواره وقربه، وهو الجنة.
وهذا معنى قول ابن الأعرابي في قرب الله من الجنة.
وقال الزجاج: أي فرطت في الطريق الذي هو طريق الله من توحيده والإقرار بنبوة رسوله ﷺ، وعلى هذا الجنب بمعنى الجانب، أي: قصرت في الجانب الذي يؤدي إلى رضا الله ﷿.
والمفسرون ذكروا هذه المعاني، فقال عطاء، عن ابن عباس: ضيعت في ثواب الله.
وقال مجاهد، والسدي: في أمر الله.
وقال الحسن: في طاعة الله.
﴿وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ [الزمر: ٥٦] أي: وما كنت إلا من المستهزءين بالقرآن وبالمؤمنين في الدنيا، أو تقول: ﴿لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي﴾ [الزمر: ٥٧] أرشدني إلى دينه، ﴿لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [الزمر: ٥٧] الشرك.
﴿أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ﴾ [الزمر: ٥٨] مشاهدة وعيانا: ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً﴾ [الزمر: ٥٨] رجعة إلى الدنيا، ﴿فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الزمر: ٥٨] الموحدين.
ثم يقال لهذا القائل: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي﴾ [الزمر: ٥٩] يعني القرآن، ﴿فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ﴾ [الزمر: ٥٩] قلت: إنها ليست من الله تعالى واستكبرت تكبرت عن الإيمان بها.
قوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ ﴿٦٠﴾ وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿٦١﴾﴾ [الزمر: ٦٠-٦١] ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ﴾ [الزمر: ٦٠] فزعموا أن له ولدا أو شريكا، وجوههم مسودة.
أخبرنا أبو بكر الحارثي، أنا أبو الشيخ الحافظ، نا عبد الله قحطبة، نا محمد بن الصباح، نا عمرو بن الأزهري، عن أبي الربيع، عن كثير بن زياد، قال: سئل الحسن عن هذه الآية ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: ٦٠]
[ ٣ / ٥٨٩ ]
فقال: هم الذين يقولون: الأشياء إلينا إن شئنا فعلنا، وإن شئنا لم نفعل.
وباقي الآية مفسر في هذه ال ﴿[.
قوله: وينجي الله أي: من جهنم، الذين اتقوا الشرك، بمفازتهم المفازة الفوز، هو الظفر بالخير والنجاة من الشر.
قال المبرد: المفازة مفعلة من الفوز، وهو السعادة، وإن جمع فحسن، كقولك: السعادة والسعادات.
والمعنى: ينجيهم الله بفوزهم، أي بنجاتهم من النار وفوزهم بالجنة،] لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ﴾ [سورة الزمر: ٦١] لا يصيبهم العذاب، ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الزمر: ٦١] لأنهم رضوا بالثواب.
﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴿٦٢﴾ لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴿٦٣﴾ قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ ﴿٦٤﴾ وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴿٦٥﴾ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴿٦٦﴾﴾ [الزمر: ٦٢-٦٦] ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢] أي: إن ما في الدنيا والآخرة فهو خالقه، ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر: ٦٢] أي: الأشياء كلها موكولة إليه، فهو القائم بحفظها والتصرف فيها.
﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الزمر: ٦٣] واحدها مقليد ومقلاد.
[ ٣ / ٥٩٠ ]
قال ابن عباس، ومقاتل: يريد مفاتيح السموات والأرض بالرزق والرحمة.
وهو قول قتادة.
وقال الليث:
[ ٣ / ٥٩١ ]
المقلاد الخزانة، ومقاليد السموات والأرض خزائنها.
وهو قول الضحاك.
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٦٣] يعني القرآن، ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الزمر: ٦٣] خسروا حين صاروا إلى النار.
ثم أعلم أنه إنما ينبغي أن يعبد الخالق وحده، فقال: قل لهم: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ﴾ [الزمر: ٦٤] قال مقاتل: وذلك أن كفار قريش دعوه إلى دين آبائه.
وفي تأمروني وجوه من القراءة: تأمرونني بنونين، وهو الأصل، وتأمروني بنون مشددة على إسكان الأولى وإدغامها في الثانية، وتأمروني بنون خفيفة على حذف إحدى النونين.
وقوله: أيها الجاهلون أي: فيما تأمرونني.
ثم حذره أن يتبع دينهم، فقال: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] قال ابن عباس: هذا أدب من الله تعالى لنبيه ﷺ، وتهديد لغيره، لأن الله تعالى قد عصمه من الشرك ومداهنة الكفار.
ثم أمره بتوحيده، فقال: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ﴾ [الزمر: ٦٦] قال عطاء، ومقاتل: وحده، لأن عبادته لا تصح إلا بتوحيده.
﴿وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٦] لإنعامه عليك.
قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ
[ ٣ / ٥٩٢ ]
سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿٦٧﴾ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ ﴿٦٨﴾ وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ﴿٦٩﴾ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ ﴿٧٠﴾﴾ [الزمر: ٦٧-٧٠] ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] أي: ما عظموه إذ عبدوا غيره، وأمروا النبي ﷺ بعبادة غيره، ثم أخبر عن عظمته، فقال: ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: ٦٧] القبضة في اللغة ما قبضت عليه بجميع كفك، وأخبر الله عن قدرته فذكر أن الأرض كلها مع عظمتها وكثافتها في مقدوره كالشيء الذي يقبض عليه القابض بكفه، فذكر القبضة، وإن كان لا يقبض عليها تفهيما لنا على عادة التخاطب فيما بيننا، لأنا نقول: هو في يد فلان وفي قبضته للشيء الذي يهون عليه التصرف فيه، وإن لم يقبض عليه.
وكذا قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] ذكر اليمين للمبالغة في الاقتدار، يعني أنه يطويها بقدرته كما يطوي الواحد منا الشيء المقدور له طيه بيمينه.
قال الأخفش: بيمينه، يقول: أي في قدرته نحو قوله: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣٦] أي ما كانت لكم عليه قدرة.
وليس الملك لليمين دون الشمال وسائر الجسد، ثم نزه نفسه عن شركهم فقال: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧] .
قوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [الزمر: ٦٨] الآية، قال المفسرون: مات من الفزع وشدة الصوت أهل السماء والأرض.
﴿إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨] .
٨٠٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَتْحِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْكُوفِيُّ الصُّوفِيُّ، أنا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الرَّمْلِيُّ، نا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، أَنَّهُ سَأَلَ جِبْرِيلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ مِنَ الَّذِينَ لَمْ يَشَإِ اللَّهُ أَنْ يَصْعَقَهُمْ؟ قَالَ: «هُمُ الشُّهَدَاءُ مُتَقَلِّدُونَ أَسْيَافَهُمْ حَوْلَ الْعَرْشِ»، وَهَذَا قَوْلُ
[ ٣ / ٥٩٣ ]
سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَعَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ، وَالسُّدِّيُّ، وَالْكَلْبِيُّ: هُوَ جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ وَإِسْرَافِيلُ وَمَلَكُ الْمَوْتِ
﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى﴾ [الزمر: ٦٨] يعني نفخة البعث، ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ﴾ [الزمر: ٦٨] يعني: الخلق كلهم قيام على أرجلهم، ينظرون ينتظرون ما يقال لهم، وما يؤمرون به.
﴿وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ [الزمر: ٦٩] وهو أن الله ﷿ يخلق في القيامة نورا يلبسه وجه الأرض فتشرق به من غير شمس ولا قمر، ووضع الكتاب قال مقاتل: يعني كتب الأعمال.
﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾ [الزمر: ٦٩] وهم الذين يشهدون للرسل بالتبليغ، وهم أمة محمد ﷺ، قاله ابن عباس.
وقال عطاء: يعني الحفظة، كقوله: ﴿مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق: ٢١] .
﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٦٩] لا ينقضون من ثواب أعمالهم، وهو قوله: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ﴾ [الزمر: ٧٠] أي: ثواب ما عملت، ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [الزمر: ٧٠] قال عطاء: يريد أني عالم بفعلهم، لا أحتاج إلى كاتب ولا شاهد.
قوله: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴿٧١﴾ قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ ﴿٧٢﴾﴾ [الزمر: ٧١-٧٢] ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ [الزمر: ٧١] أفواجا كفارا، كل أمة على حدة، والزمر جماعات في تفرقة بعضها على إثر بعض، واحدتها زمرة.
وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الزمر: ٧١] أي: من أنفسكم، ﴿يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر: ٧١] يعني: ما أنزل الله على الأنبياء، ﴿قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١] وهو قوله: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥] .
﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ ﴿٧٣﴾ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ
[ ٣ / ٥٩٤ ]
مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ﴿٧٤﴾ وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿٧٥﴾﴾ [الزمر: ٧٣-٧٥] قوله: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ﴾ [الزمر: ٧٣] إلى قوله: ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧٣] هذه الواو زيادة عند الأخفش والكوفيين، والمعنى: فتحت حتى يكون جوابا لقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا﴾ [الزمر: ٧٣] كالذي في قصة سوق الكفار.
وقال الزجاج: القول عندي أن الجواب محذوف على تقدير حتى إذا جاءوها وكانت هذه الأشياء التي ذكرت إلى قوله: فادخلوها خالدين دخلوها، فالجواب دخلوها حذف، لأن في هذا الكلام دليل عليه.
وقوله: سلام عليكم أخبر الله تعالى أن خزنة الجنة يسلمون على المؤمنين ويخبرونهم بطيب مقامهم فيها.
قال ابن عباس طبتم: طاب لكم المقام.
وقال قتادة: إنهم قد طيبوا قبل دخول الجنة بالمغفرة، واقتص لبعضهم من بعض، لما هذبوا وطيبوا قال لهم الخزنة: ﴿طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] .
فلما دخلوها قالوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ [الزمر: ٧٤] أي بالجنة، وأورثنا الأرض أرض الجنة، ﴿نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾ [الزمر: ٧٤] نتخذ فيها من المنازل ما نشاء، يقول الله تعالى: ﴿فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [الزمر: ٧٤] نعم ثواب المحسنين الجنة.
وترى الملائكة يومئذ، ﴿حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ [الزمر: ٧٥] محيطين محدقين به، يقال: حف القوم بفلان إذا أطافوا به.
﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [الزمر: ٧٥] يحمدون الله حيث أدخل الموحدين الجنة، وقضي بينهم بين الخلائق، بالحق بالعدل، ﴿وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر: ٧٥] أهل الجنة يقولون ذلك شكرا لله على إنجاز وعده حين تم وعد الله لهم.
[ ٣ / ٥٩٥ ]
بسم الله الرحمن الرحيم