ثمان آيات، مكية.
١٣٨٦ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحِيرِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ أَلَمْ نَشْرَحْ أُعْطِيَ مِنَ الْأَجْرِ، كَمَنْ لَقِيَ مُحَمَّدًا ﷺ مُغْتَمًّا فَفُرِّجَ عَنْهُ» .
بسم الله الرحمن الرحيم ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴿١﴾ وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ ﴿٢﴾ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ ﴿٣﴾ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴿٤﴾ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴿٥﴾ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴿٦﴾ فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ ﴿٧﴾ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ ﴿٨﴾﴾ [الشرح: ١-٨] .
﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١] معنى شرح الصدر: الفتح بإذهاب ما يصد عن الإدراك، والله ﷿ فتح صدر نبيه ﷺ بإذهاب الشواغل التي تصد عن إدراك الحق، قال ابن عباس في هذه الآية: قالوا: يا رسول الله أينشرح الصدر؟ قال: نعم.
قالوا: يا رسول الله، وهل لذلك علامة يعرف بها؟ قال: «نعم، التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزول الموت» .
أشار النبي ﷺ إلى ذهاب الشواغل التي تصد عن حقيقة الإيمان، وذلك أن صدق الإيمان بالله ووعده، يوجب للإنسان الزهد في الدنيا، والرغبة في الآخرة، والاستعداد للموت، فإنه باب الآخرة، وهذا معنى قول الحسن في هذه الآية: ملئ حكمًا وعلمًا.
يعني أن معنى شرح صدره: أن ملأه الله علمًا وحكمًا حتى علم حقيقة الأشياء، فحكم لها بحكمها، علم حقيقة الدنيا،
[ ٤ / ٥١٥ ]
وأنها فانية فتركها، وأن الآخرة باقية فيها، وكذلك كل شيء، ومعنى هذا الاستفهام التقرير أي: قد فعلنا ذلك، يدل على هذا قوله في النسق عليه: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ [الشرح: ٢] قال ابن عباس، والحسن، وقتادة، والضحاك، ومقاتل: حططنا عنك إثمك الذي سلف منك في الجاهلية.
وهذا كقوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] وقد مر.
ثم وصف ذلك الوزر بقوله: ﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ [الشرح: ٣] قال المفسرون: أثقل ظهرك.
قال الزجاج: أثقله حتى سمع له نقيض، أي: صوت.
وهذا مثل معناه: أنه لو كان حملًا يحمل، لسمع نقيض ظهره، قال قتادة: كانت للنبي ﷺ ذنوب قد أثقلته، فغفرها الله له.
وقوم يذهبون إلى أن هذا تخفيف أعباء النبوة التي تثقل الظهر من القيام بأمرها، سهل الله ذلك عليه حتى تيسرت به، وذكر منته عليه بذلك.
وقوله: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ٤] قال عطاء، عن ابن عباس: يريد الأذان والإقامة، والتشهد، والخطبة على المنابر يوم الجمعة، ويوم الفطر، ويوم النحر، ويوم عرفة، وأيام التشريق، وخطبة النكاح، وفي كل موطن، وعلى الدنانير والدراهم، وكلمة الشهادة، ولو أن رجلًا عبد الله وصدقه في كل شيء، ولم يشهد أن محمدًا رسول الله، لم ينتفع بشيء، وكان كافرًا.
وقال الحسن في هذه الآية: ألا ترى أن الله تعالى لا يذكر في موضع إلا ذكر معه نبيه ﷺ.
وقال قتادة: رفع ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطيب، ولا متشهد، ولا صاحب صلاة إلا ينادي به: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله.
١٣٨٧ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدَانَ الْعَدْلُ، أنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَالِكٍ، نا أَبُو مُسْلِمٍ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، نا يَحْيَى بْنُ كَثِيرٍ، نا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ دَرَّاجٍ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ
[ ٤ / ٥١٦ ]
ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ٤] قَالَ: قَالَ لِي جِبْرِيلُ ﵇: قَالَ اللَّهُ ﷿: «إِذَا ذُكِرْتُ ذُكِرْتَ مَعِي»
وقال الضحاك: أي لا تقبل صلاة إلا به، ولا تجوز خطبة إلا به، ولا يذكر الله إلا ذكر معه، فذلك الذي رفع به ذكره.
قال: ورفع ذكره بالأذان.
وفي هذا يقول حسان بن ثابت يمدح النبي ﷺ:
أغر عليه للنبوة خاتم من الله مشهود يلوح ويشهد
وضم الإله اسم النبي مع اسمه إذا قال في الخمس المؤذن أشهد
وشق له من اسمه ليجله فذو العرش محمود وهذا محمد
ثم وعده اليسر، والرخاء بعد الشدة، وذلك: أنه كان بمكة في شدة، وهو قوله: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥] قال الكلبي: مع الفقر سعة.
وقال مقاتل: يعني: تتبع الشدة الرخاء.
ثم كرر ذلك، فقال: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٦] قال ابن عباس، في رواية عطاء: يقول الله تعالى: خلقت عسرًا واحدًا، وخلقت يسرين، فلن يغلب عسر يسرين.
١٣٨٨ - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الصَّنْعَانِيُّ، نا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أنا مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٦] قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا مَسْرُورًا، فَرِحًا
[ ٤ / ٥١٧ ]
وَهُوَ يَضْحَكُ، وَيَقُولُ: لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ
فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴿٥﴾ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴿٦﴾ ﴿[الشرح: ٥-٦] .
وقال ابن مسعود: لو أن العسر دخل في حجر، لجاء اليسر حتى يدخل معه.
قال الله تعالى:﴾ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴿٥﴾ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴿٦﴾ ﴿[الشرح: ٥-٦] وكتب عمر، ﵁، إلى أبي عبيدة وهو محصور: إنه مهما تنزل بامرئ شدة، يجعل الله بعده فرجًا، فإنه لن يغلب عسر يسرين.
وهذا قول النبي ﷺ، والصحابة، والمفسرين على أن العسر واحد، واليسر اثنان، وفي ظاهر التلاوة عسران ويسران، إلا أن المراد عسر واحد، لأنه مذكور بلفظ التعريف، واليسر مذكور بلفظ التنكير، فكان كل واحد منهما غير الآخر.
أخبرنا أبو الحسن الفارسي، نا محمد بن محمد بن إبراهيم، نا أبو عمر، عن تغلب، عن سلمة، عن الفراء، قال: العرب إذا ذكرت نكرة ثم أعادتها بنكرة، مثلهما صارتا اثنتين، كقولك: إذا كسبت درهما فأنفق درهمًا.
فالثاني غير الأول، وإذا أعادتها معرفة، فهي هي كقولك: إذا كسبت درهمًا، فأنفق
[ ٤ / ٥١٨ ]
الدرهم.
فالثاني هو الأول.
ونحو هذا قال الزجاج: ذكر العسر مع الألف واللام، ثم ثنى ذكره، فصار المعنى: إن مع العسر يسرين.
وقد أحسن صاحب النظم في تفسير هذه الآية، فقال: إن الله بعث نبيه، ﷺ، وهو مقل مخف، فكانت قريش تعيره بذلك، حتى قالوا له: إن كان بك من هذا القول الذي تدعيه طلب الغنى، جمعنا لك مالًا حتى تكون كأيسر أهل مكة، فكرث النبي ﷺ ذلك، وظن أن قومه إنما يكذبونه لفقره، فعدد الله عليه مننه في هذه ال﴾ [، ووعده الغنى، وأنزل:] أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴿١﴾ وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ ﴿٢﴾ ﴿[سورة الشرح: ١-٢] أي: ما كنت فيه من أمر الجاهلية، لأنه ﷺ كان على كثير من مذاهب قومه، وإن لم يكن عبد صنمًا، ثم ابتدأ فيما وعده من الغنى، ليسليه بذلك عما خامره من الهم بقول من عيره بالفقر، فقال:﴾ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴿[الشرح: ٥] والتأويل: لا يحزنك ما يقولون، وما أنت فيه من الإقلال، فإن مع ذلك يسرًا في الدنيا عاجلًا، ثم أنجز ما وعده، فلم يمت حتى فتح عليه الحجاز وما والاها من القرى العربية، وعامة بلاد اليمن، وحتى أهل البوادي، فكان يعطي المائتين من الإبل، ويهب الهبات السنية، ويعد لأهله قوت سنة.
ثم ابتدأ فضلًا آخر، فقال:﴾ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴿[الشرح: ٦] والدليل على ابتدائه تعريه من فاء أو واو وهو وعد لجميع المؤمنين، لأنه يعني بذلك: إن مع العسر في الدنيا للمؤمنين يسرًا في الآخرة، وربما اجتمع له اليسران: يسر الدنيا وهو ما ذكر في الآية الأولى، ويسر الآخرة وهو ما ذكر في الآية الثانية، فقوله ﷺ: «لن يغلب عسر يسرين»، أي: يسر الدنيا والآخرة، فالعسر بين يسرين، إما فرج في الدنيا، وإما ثواب في الآخرة.
سمعت أبا إسحاق المقرئ ﵀، يقول: سمعت الحسن بن محمد النيسابوري، سمعت محمد بن عامر البغدادي، يقول: سمعت عبد العزيز بن يحيى، يقول: سمعت عمي، يقول: سمعت العتبي، يقول: كنت ذات يوم في البادية بحالة من الغم، فألقي في روعي بيت شعر، فقلت:
أرى الموت أصبح مغمومًا له أروح
[ ٤ / ٥١٩ ]
فلما أن جن الليل، سمعت هاتفًا يهتف من الهواء:
ألا يأيها المرء الذي الهم به برح
وقد أنشد بيتًا لم يزل في فكره يسنح
إذا اشتد بك العسر ففكر في ألم نشرح
فعسر بين يسرين إذا أبصرته فافرح
قال: فحفظت الأبيات، وفرج الله غمي.
أنشدنا أبو إسحاق، ﵀، قال: أنشدنا الحسن بن محمد بن الحسن، قال: أنشدنا أحمد بن محمد بن إسحاق الجيرنجي، قال: أنشدنا إسحاق بن بهلول القاضي:
فلا تيأس وإن أعسرت يومًا فقد أيسرت في دهر طويل
ولا تظنن بربك ظن سوء فإن الله أولى بالجميل
فإن العسر يتبعه يسار وقول الله أصدق كل قيل
وأنشدنا أبو إسحاق، قال: أنشدني الحسن، قال: أنشدني محمد بن سليمان بن معاذ الكرخي، قال: أنشدنا أبو بكر ابن الأنباري:
إذا بلغ العسر مجهوده فثق عند ذلك بيسر سريع
ألم تر نحس الشتاء الفظيع يتلوه سعد الربيع البديع
وأنشدنا أبو إسحاق، قال: أنشدنا الحسن، قال: أنشدني عيسى بن زيد العقيلي، قال: أنشدني سليمان بن أحمد الرقي:
توقع إذا ما غرتك الخطوب سرورًا يشردها عنك قسرًا
فما الله يخلف ميعاده وقد قال إن مع العسر يسرا
قوله:﴾ فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ ﴿[الشرح: ٧] أي: فاتعب، يقال: نصب ينصب نصبًا.
قال قتادة، والضحاك، ومقاتل، والكلبي: إذا فرغت من الصلاة المكتوبة، فانصب إلى ربك في الدعاء، وارغب إليه في
[ ٤ / ٥٢٠ ]
المسئلة يعطك.
ونحو هذا روى عبد الوهاب بن مجاهد، عن أبيه، قال: إذا صليت، فاجتهد في الدعاء والمسألة.
وقال الشعبي: إذا فرغت من التشهد، فادع لدنياك وآخرتك.
ونحو هذا قال الزهري: إذا قضيت التشهد، فادع الله بعد التشهد بكل حاجتك.
وقال ابن مسعود: إذا فرغت من الفرائض، فانصب في قيام الليل.
وسئل علي بن أبي طلحة عن هذه الآية، فقال: القول فيه كثير، وقد سمعنا أنه يقال: إذا صححت، فاجعل صحتك وفراغك نصبًا في العبادة.
ويدل على هذا ما روي: أن شريحًا مر برجلين يصطرعان، فقال: ليس بهذا أمر الفارغ، إنما قال الله ﷿:﴾ فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ ﴿٧﴾ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ ﴿٨﴾ [الشرح: ٧-٨] .
قال عطاء: يريد: تضرع إليه راهبًا من النار، راغبًا في الجنة.
وقال الزجاج: أي: اجعل رغبتك إلى الله وحده.
[ ٤ / ٥٢١ ]