وهي أربع عشرة آية، مكية.
١١٨٧ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُقْرِئُ، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ بِالْإِسْنَادِ الَّذِي ذَكَرْنَا، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ عِيسَى ﵇، كَانَ عِيسَى مُصَلِّيًا عَلَيْهِ مُسْتَغْفِرًا لَهُ مَا دَامَ فِي الدُّنْيَا، وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُوَ رَفِيقُهُ» .
﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿١﴾ يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ ﴿٢﴾ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ ﴿٣﴾ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ ﴿٤﴾﴾ [الصف: ١-٤] .
١١٨٨ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْمُزَكِّي، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَكَرِيَّا، أنا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، نا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ الصَّنْعَانِيُّ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، قَالَ: قَعَدْنَا نَقْرَأُ مَعَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقُلْنَا: لَوْ نَعْلَمُ أَيَّ الْأَعْمَالِ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى عَمِلْنَاهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿١﴾ يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ ﴿٢﴾ كَبُرَ
[ ٤ / ٢٩٠ ]
مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ ﴿٣﴾ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ [الصف: ١-٤] إِلَى آخِرِ السُّورَةِ،
فَقَرَأَهَا عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.
قال المفسرون: إن المؤمنين، قالوا: وددنا أن الله يخبرنا بأحب الأعمال إليه حتى نعمله، ولو ذهبت فيه أموالنا وأنفسنا.
فأنزل الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ [الصف: ٤] فكرهوا الموت، وأحبوا الحياة، وتولوا يوم أحد، فأنزل الله تعالى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢] .
ثم ذم القول إذا لم يشفعه الفعل، فقال: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣] أي: عظم ذلك عند الله في المقت، والبغض عند الله، أي: إن الله يبغضه بغضًا شديًا أن تعدوا من أنفسكم شيئًا ثم لم تفوا به.
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ [الصف: ٤] أي: يصفون أنفسهم عند القتال صفًا، ﴿كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤] يقال: رصصت البناء أرصه رصًا، إذا صممت بعضه إلى بعض، قال مقاتل: مرصوص ملتزق بعضه إلى بعض.
أعلم الله أنه يحب من يثبت في القتال، ويلزم مكانه، كثبوت البناء المرصوص.
﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴿٥﴾ وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴿٦﴾ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الإِسْلامِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴿٧﴾ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ﴿٨﴾ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ﴿٩﴾﴾ [الصف: ٥-٩] .
[ ٤ / ٢٩١ ]
قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي﴾ [الصف: ٥] يعني: حين رموه بالأدرة، وذكرنا ذلك عند قوله: ﴿لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ [الأحزاب: ٦٩]، ﴿وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ [الصف: ٥] هذا إنكار عليهم إيذاءه بعد ما علموا أنه رسول الله، والرسول يعظم ولا يؤذى، وقوله: فلما زاغوا قال مقاتل: عدلوا عن الحق.
﴿أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] أمالها عن الحق، يعني: أنهم تركوا الحق بإيذاء نبيهم، أمال الله قلوبهم عن الحق، جزاء لما ارتكبوا، ﴿وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف: ٥] قال الزجاج: لا يهدي من سبق في علمه أنه فاسق.
وما بعد هذا مفسر فيما سبق إلى قوله: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦] هذا بيان أن عيسى بشر قومه بمحمد ﷺ، وقوله: ﴿اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦] يحتمل معنيين: أحدهما: أن نجعل أحمد مبالغة من الفاعل، فيكون معناه: أنه أكثر حمدًا لله من غيره، والآخر: أن يجعل مبالغة من المفعول، فيكون معناه: أنه يحمد بما فيه من الأخلاق، والمحاسن أكثر مما يحمد غيره، وأحمد معروف في أسماء نبينا ﷺ.
١١٨٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَارِثِ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، أنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي عَاصِمٍ، نا الشَّافِعِيُّ، نا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ لِي أَسْمَاءً أَنَا أَحْمَدُ، وَأَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَنَا الْمَاحِي الَّذِي يَمْحُو اللَّهُ تَعَالَى بِي الْكُفْرَ، وَأَنَا الْحَاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمِي، وَأَنَا الْعَاقِبُ الَّذِي لَيْسَ بَعْدِي نَبِيٌّ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ عَنْ أَبِي الْيَمَانِ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ
وما بعد هذا ظاهر مفسر في ﴿[براءة، إلى قوله:] يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴿١٠﴾ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿١١﴾ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴿١٢﴾ وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ﴿١٣﴾﴾ [سورة الصف: ١٠-١٣] .
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف: ١٠] نزل هذا لما قالوا: لو نعلم أي الأعمال أفضل وأحب إلى الله.
وجعل ذلك العمل بمنزلة التجارة، لأنهم يربحون فيها رضا الله تعالى، ونيل جنته،
[ ٤ / ٢٩٢ ]
والنجاة من النار.
ثم بين تلك التجارة ما هي، فقال: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الصف: ١١] إلى قوله: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [الصف: ١٢] قال الزجاج: هذا جواب تؤمنون وتجاهدون، لأن معناه الأمر، كأنه قال: آمنوا بالله ورسوله، وجاهدوا يغفر لكم.
وقوله: وأخرى تحبونها قال الفراء: وخصلة أخرى تحبونها في العاجل مع ثواب الآخرة.
﴿نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ [الصف: ١٣] قال الكلبي: يعني: النصر على قريش، وفتح مكة.
وقال عطاء: يريد فتح فارس والروم.
وبشر يا محمد، المؤمنين بالنصر في الدنيا، والجنة في الآخرة.
ثم حض المؤمنين على نصرة دينه، فقال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ [الصف: ١٤] .
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ﴾ [الصف: ١٤] أي: دوموا على ما أنتم عليه من النصرة، واختار أبو عبيدة قراءة من قرأ: كونوا أنصار الله بغير تنوين، كقوله: ﴿نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ [الصف: ١٤]، ولم يقل: أنصارًا لله، قوله: ﴿كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ﴾ [الصف: ١٤] أي: انصروا دين الله، مثل نصرة الحواريين لما قال لهم عيسى: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [الصف: ١٤] أي: من ينصرني مع الله؟ فقالوا: ﴿نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ [الصف: ١٤] .
﴿فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ﴾ [الصف: ١٤] قال ابن عباس: يعني: في زمن عيسى.
وذلك أنه لما رفع تفرق قومه ثلاث فرق، فرقة قالوا: كان الله فارتفع.
وفرقة قالوا: كان ابن الله فرفعه إليه.
وفرقة قالوا: كان عبد الله ورسوله فرفعه إليه.
وهم المؤمنون، واتبع كل فرقة منهم طائفة من الناس، فاقتتلوا فظهرت الفرقتان الكافرتان على المؤمنين، حتى بعث محمد ﷺ، فظهرت الفرقة المؤمنة على الكافرة، فذلك قوله: ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ [الصف: ١٤] غالبين عالين، وروى مغيرة، عن إبراهيم، قال: أصبحت حجة من آمن بعيسى ظاهرة بتصديق محمد ﷺ أن عيسى كلمة الله، وروحه.
[ ٤ / ٢٩٣ ]